كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج



بقلم: حكمت الحاج*

غينسبرغ بوكوفسكي أودن


*
كنت ترجمت مقالا مقتضبا للناقد الأدبي إيش باتيستا، نشر في “هيرالد نيوز” عدد يوم 22 أكتوبر 2023 | بعنوان “الشعراء الأساسيون الذين تجب معرفة أعمالهم الثمينة” ونشرته في “كناية” وفي “الحوار المتمدن” عدد يوم 30 أكتوبر 2023، لكن عديد الرسائل والإرتجاعات والتغذيات وردتني بخصوص المقال تتعلق في معظمها بالتساؤلات حول القصائد الثلاث المذكورة فيه للشعراء الذين تم التطرق إليهم في متنه، وهُم: ألن غينسبيرغ و دبليو. إتش أودن وتشارلز بوكوفسكي، مما حدا بي إلى إعادة ترجمة المقال وتحشيته والتهميش عليه وتضمينه مقتطفات مختارة للشعراء الثلاثة بما يزيل اللبس في الفهم، وبما يزيد من مساحة الفائدة للقراء من المختصين والشعراء، على حد السواء.
*
يفتتح إيش باتيستا مقاله بتعريف الشعر على أنه شكل من أشكال الأدب الذي يفضله بعض الناس لرمزيته المعقدة وجمالياته الصوتية، وأيضًا، لتراكيبه التي تشبه قراءة النوتات الموسيقية. إنه أسلوب أدبي جميل، محبوب لدى الكثيرين، خاصة عندما يصدر عن مواهب عالية، ويقوم به فنانون حقيقيون. كان هناك عدد لا يحصى من الشعراء الذين غيروا حياة قرائهم بكلماتهم الجميلة. ويدعونا الناقد لنستكشف بعض صانعي الكلمات الأكثر موهبة في العالم وأعمالهم الشعرية الثورية، وها نحن نخطو على هداه.

1. ألن غينسبيرغ
كان ألن غينسبيرغ شاعرًا أمريكيًا اشتهر بتأسيس وإطلاق حركة جيل “البيت” مع زملائه من الكتاب أمثال وليم بوروز وجاك كيرواك. تأثرت الحركة الأدبية هذه بالثقافة الأمريكية وآثارها الدائمة بعد فترة ما بعد الحرب. تم إنشاء الجزء الأكبر من أعمال “جيل البيت” ونشرها في الخمسينيات من القرن العشرين. كانت قصيدة “عواء” Howl واحدة من أكثر أعمال Ginsberg إنتاجًا وشهرة طبقت الآفاق. بناء القصيدة متناقض، وتركيب الجملة لا يلتزم بأسلوب معين. إنها أكثر من مجرد قصيدة رعوية متجولة تعرض دفعات من المشاهد وتطور الشخصية. إنها عمل شعري ملحمي كتب بأدبية كلاسيكية وعرض مثل مرآة، حياة جيل مر بصراعات متعددة.
هاول، أو ما ترجمه بعض العرب بكلمة “عواء”، (لا أحبذ هذه التسمية، وأفضل استعمال هاول بدلا من عواء!) هو مصطلح ابتكره ألن غينسبيرغ في قصيدته “هاول”. ويشير إلى حالة من النشوة العاطفية والروحية الشديدة، وغالبًا ما يرتبط بجيل “البيت” beat-generation وحركة “مقاومة الثقافة” في الخمسينيات والستينيات.
يأتي المصطلح “هاول” نفسه من عنوان قصيدة غينسبيرغ الشهيرة، التي نُشرت لأول مرة في عام 1956. القصيدة تعبر بقوة وصراحة عن تجارب وعواطف غينسبيرغ الشخصية، فضلاً عن انتقاده للمجتمع المتشدد والمادي في ذلك الوقت.
في سياق قصيدة “هاول” الشهيرة، يمثل العواء تمردًا على القيم الاجتماعية وبحثًا عن الحرية الشخصية والتعبير عن الذات. إنها دعوة للتحرر من قيود المجتمع الرئيسي واحتضان الفردية والأصالة الخاصة بنا كبشر. لقد كانت لقصيدة غينسبرغ ولمفهوم كلمة هاول التأثير الكبير على حركة الوجدان الثقافي والنضالي إبان فترة الخمسينيات والستينيات. لقد ألهمت جيلًا من الفنانين والكتاب والموسيقيين لطرح السؤال على السلطة وتحدي القيم الاجتماعية واستكشاف طرق بديلة للعيش والتفكير. ويمكن رؤية إرث هاول حتى اليوم في أشكال مختلفة من الفن والأدب والموسيقى. لا تزال هاول تلهم الناس ليسائلوا الوضع الراهن بحثا عن السعي للتغيير الشخصي والاجتماعي.
مقتطف من “هاول”:
“رأيت أفضل العقول في جيلي وقد دمرها الجنون، جائعة وهستيرية وعارية، تجر نفسها في شوارع الزنوج في الفجر تبحث عن جرعة غاضبة، هؤلاء الشباب المتحمسون الذين يحترقون للاتصال السماوي القديم بالداينمو النجمي في آلة الليل، الذين يعيشون في فقر ورثاثة وعيون مجوفة يجلسون يدخنون في ظلام خارق للطبيعة في شقق لا ماء ساخن فيها باردة تطفو فوق أعلى المدن يتأملون في موسيقى الجاز، وقد كشفوا رؤوسهم للسماء تحت القطار الخفيف ورأوا ملائكة المسلمين تترنح على أسطح العمارات المضاءة، الذين مروا بالجامعات بعيون باردة مشعة
يهلوسون مثل خبراء الحروب، الذين طردوا من الأكاديميات بسبب جنونهم ونشرهم قصائد فاحشة على نوافذ الجمجمة، الذين انكمشوا في غرف غير مشطبة، بملابسهم الداخلية، يحرقون أموالهم في سلال النفايات ويستمعون إلى الرعب من خلال الجدار…”.

2. دبليو إتش أودن
و. ه. أودن المعروف أيضًا باسم ويستان هيو أودن هو شاعر أنجلو أمريكي مشهور معروف بقصائده عن الحب والأخلاق. نشأ في المملكة المتحدة وأثَّر شعره في عالم الأدب لأنه ناقش في الغالب موضوع الحب بلا مقابل. يعد The More Loving One واحدًا من أكثر أعماله الشعرية قيمةً وتميزًا. إنه يستخدم استعارة كبرى وموسعة لتصوير مشاعر الحب غير المتبادل للقراء. القصيدة مقسمة إلى أربعة مقاطع يبلغ مجموعها ستة عشر سطراً وأقوى رمز في هذه القصيدة بالذات هو النجوم وكيف يحدق بها بشوق ومحبة دون أن تبادله نفس الإعجاب.
في قصيدته “الأكثر حبًا”، يستكشف دبليو. إتش. أودن موضوع الحب الذي لا يُتبادل والصراع العاطفي الذي يصاحبه. يتأمل الشاعر فكرة أن يكون هو الشخص الذي يحب أكثر في العلاقة، والألم الذي يمكن أن يصاحب هذا اللاتساوي. وحينما يتعلق الأمر بالحب، فإن الشخص الذي يحب أكثر هو الذي يعاني أكثر.
في هذه القصيدة، يتساءل الشاعر عن الطريقة التي يجب أن يتعامل بها الإنسان مع الحب. هل يجب أن يكون الشخص الأكثر حباً هو الشخص الذي يعاني أكثر؟ أم يجب أن يكون الشخص الأكثر حباً هو الشخص الذي يتلقى أكثر؟
الشاعر يعبر عن تجربته الشخصية في الحب ويتساءل عما إذا كان يجب أن يستمر في الحب رغم المعاناة التي يتكبدها. وطوال القصيدة، يستخدم أودن صورًا حية واستعارات لنقل مشاعر الحنين والخيبة. يقارن الشاعر نفسه بأجرام سماوية مختلفة، مثل النجوم والكواكب، لتوضيح سعة حبه وتفاهة غيرة حبيبه.
تطرح القصيدة أسئلة حول طبيعة الحب والضعف الذي يأتي معه. يتصارع الشاعر مع فكرة ما إذا كان من الأفضل أن يحب بكل قلبه، حتى لو لم يتم التعامل بالمثل معه، أم أن يحمي نفسه من ألم الحب الذي لا يُلزم الطرفين.
في البداية، يقارن الشاعر نفسه بالنجوم في السماء. يقول إنه يحب النجوم، ولكنه يدرك أنه لا يمكنها أن تحبه بنفس القدر. ثم، يستخدم الشاعر الصورة الفلكية للقمر ليعبر عن تجربته الشخصية في الحب. يقول إنه يحب القمر ويتمنى أن يكون الأكثر حبًا له. ومع ذلك، يدرك أن القمر لا يمكنه أن يحبه بنفس القدر. وفي النهاية، يعترف الشاعر بأنه يفضل أن يكون الأكثر حبًا بدلاً من أن يكون الأكثر محبوبًا. يقول إنه يفضل أن يعاني من الحب والتضحية بدلاً من أن يكون بلا حب على الإطلاق. يعتبر الشاعر أن الحب هو جزء لا يتجزأ من الحياة وأنه يجب أن يتقبل الألم الذي يأتي معه.
هذه القصيدة يعتبرها النقاد من أروع ما كتب حول ما يسمى بالحب من طرف واحد، أو الحب اللامتساوي، وحول عذابات وآلام ذلك النوع من الحب الآسر.
يقول أودن في قصيدته هذه:
“نظرًا لأن النجوم لا تهتم،
أعلم تمامًا أنني يمكن أن أذهب إلى الجحيم،
ولكن على الأرض،
اللامبالاة هي أقل ما يجب أن نخشاه من الإنسان أو الحيوان.
كيف يكون شعورنا إذا احترقت النجوم بشغف لنا
ونحن لا نستطيع أن نرد الجميل؟
إذا لم يتمكن الحب المتساوي من التحقق،
فليكن الأكثر حبًا هو أنا”.

3. تشارلز بوكوفسكي
بوكوفسكي هو شاعر بارز آخر يجب معرفته. ولد في ألمانيا وتحديدا في أندرناخ، ثم انتقل بعد ذلك إلى ميد سيتي لوس أنجلوس عام 1930. عاش طفولة قاسية عندما انتقل من ألمانيا إلى الولايات المتحدة، كما عاش حياة صعبة غذت حبه للكتابة. تعتبر “بلوبيرد” أو الطائر الأزرق أو العصفور الأزرق من أشهر أعماله. يتحدث عن وجود طائر في قلبه مجازيًا يريد الخروج فيعمد إلى إغراقه بالويسكي والحب بينما يظهر الطائر سلوكه العنيف. ومع ذلك، فهو في أعماقه كائن لطيف من الداخل. ظهرت هذه القصيدة التي تسمى القصيدة الحزينة إلى الوجود لأول مرة في العام 1992 في شكل “مغناة”، حيث كان بوكوفسكي قد دأب على تقديم أشعاره في اسطوانات وتأديات موسيقية، ودخل بقوة إلى عالم الثقافة الشعبية الجماهيرية، وعرض لنا أسلوبه الشعري الخام وغير المصفى، مستكشفاً مواضيع الحب والوحدة وصراعات الحياة اليومية. في الطائر الأزرق، يغوص بوكوفسكي في أعماق تجاربه الشخصية، ويقدم أنموذجا دالا على أسلوبه المعروف ضمن تيار “الواقعية القذرة”. تتميز هذه القصيدة بتصويرها الصادق والصريح لمصاعب الحياة، بالإضافة إلى وجهة نظر بوكوفسكي الفريدة حول الحب والجنس والعلاقات.
تتحدث “الطائر أو العصفور الأزرق” عن:
-الوحدة حيث يصور العزلة والاغتراب الذي يعانيه الكثيرون في المجتمع الحديث.
-عن الحب والجنس والعلاقات إذ تغوص القصيدة في تعقيدات الاتصال البشري، مما يسلط في كثير من الأحيان الضوء على الألم والضعف الذي قد يصاحب العلاقات الرومانسية.
– أيضا عن صراعات الحياة اليومية القاسية، ومآسي الواقع القاسي للفقر والإدمان وروتين الحياة العاملة.
يتميز أسلوب بوكوفسكي ببساطته ومباشرته. ويتجنب استخدام اللغة المنمقة، وبدلاً من ذلك يختار نهجًا مباشرًا وغير مزين بالمحسنات البديعية. يسمح هذا الأسلوب المبسط للعواطف والتجارب الخام أن تتألق لتخلق تجربة قراءة قوية وحسية، وتخلق نظرة على أركان الظلام في تجربة الإنسان..
فيما يلي مقتطفات من هذه القصيدة الخالدة:
1. “ولدت. هذا كل شيء. كنت مرة عصفورًا أزرق.”
2. “العصفور الأزرق هو رمز للسعادة، للأمل. ولكن في هذا العالم، السعادة تتلاشى، والأمل يتحطم.”
3. “أسير في الشوارع، مراقبًا النفوس المكسورة، والأحلام المفقودة. نحن جميعًا عصافير زرقاء، محبوسة في قفص صنعناه بأنفسنا.”
4. “المدينة مقبرة للوعود المكسورة، والأحلام المحطمة. إنها تبتلع الضعفاء، وتترك الأقوياء فقط للبقاء على قيد الحياة.”
5. “أجد الراحة في زجاجة الخمر، في أذرع النساء اللواتي يقدمن الراحة المؤقتة. ولكن العصفور الذي بداخلي لا يزال يتوق للحرية.”
6. “أكتب للهروب، لإطلاق العصفور من قفصه. الكلمات هي خلاصتي الوحيدة في هذا العالم المضطرب.”
7. “العصفور الأزرق يغني لحنًا حزينًا، تذكيرًا بما كان وما كان يمكن أن يكون. ولكنني لم أعد عصفورًا أزرق. أنا ناجٍ.”
8. “في الظلام، أجد الجمال. في الفوضى، أجد السلام. قد يكون العصفور الأزرق قد رحل، ولكن روحه تعيش داخلي.”
9. “أنا شاعر. ألتقط جوهر العصفور الأزرق، الألم والحنين، في كلماتي. من خلال كتاباتي، أطلق العصفور الأزرق حرًا.”
10. “مثل عصفور أزرق، أطير بعيدًا. ابحث عن سعادتك، عن أملك. سأستمر في الكتابة، في البحث عن المعنى في هذا العالم المتشظي.”

وختاماً..
كل هؤلاء الشعراء يستحقون القراءة وكذلك أعمالهم البارزة. فإذا كنت من محبي الكتابات التي تتمحور حول الحب، فانتقل إلى أودن. إذا كنت تحب القصائد ذات الرمزية الثقيلة، فاقرأ غينسبيرغ، وإذا كنت رومانسيًا متشددًا، فسوف تقع في غرام كلمات بوكوفسكي.
*
* ينشر المقال بالاشتراك مع مجلة “كناية”، وموقع “الحوار المتمدن”. © 2023 كل الحقوق محفوظة.

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.