أنطولوجيا الشعر المعاصر في البحرين/ الحلقة الأولى/ المقدمات والتاريخ..

اختيار وتقديم وتأرخة:

عبدالله زهير، كريم رضي، حسين أبو صفوان.

(1)

ملف الشعر الحديث في البحرين

عبد الله زهير

بداية ً، لا نزعم أن هذا الملف يمثّل أنطولوجيا حقيقية وكاملة للشعر الحديث في البحرين. ولئلا تكون زاوية النظر إلى هذا المشهد مُقصِّرةً ومقتصرة على راهنيته ولحظيته المقطوعتين عن جذوره الكامنة في بدايات التحولات الشعرية، المتشابك داخل خضمها ما هو شكليٌّ وما هو جوهريٌّ في آن معاً، رأينا أن يمتد أفقه الزمني إلى ما يقارب خمسين سنة حتى البرهة الراهنة. ولعل الفهم والتحليل يتطلبان منا أولا الحذر في استقاء التسميات وانتقاءها بدقة. فكان إطلاق تسمية “الملف” مقصوداً؛ لأن ما قمنا به في ظني يتسع لأغلب الأسماء المهمة بخارطة التجارب الشعرية في البحرين بشتى اتجاهاتها ومستوياتها وتحولاتها، ولا يمكن بأي حال أن ينجوَ أيّ عمل بشريّ من صفات النقصان وتمظهراته، مهما تبجح بدعاوى النهائية المستعجِلة وشعارات الاكتمال المتضخمة؛ ولأن تلك التسمية أيضاً تتيح لنا أن نفتتح فصلاً جديداً من الأسئلة والتحليلات والتفكيكات والإضاءات والمراجعات وإعادة النظر، معرفياً وفكرياً ونقدياً، إلى المشهد الشعري بظواهره وملامحه وحساسياته كافة، بمآزقه وأزماته وتشققاته وأدواره وحضوره وارتباطاته بالحداثات الشعرية ومنعرجاتها المختلفة في الأفقين العربي والكوني.

ثمة في المسألة ما يتطلب جهداً بحثيا طويلاً وثقافةً شعريةً متمكنة في هذا الشأن، لكي يتسنى لك رؤية أي مشهد سواء أكان أدبيا أم شعريا بشكل عميق. وبذلك كان لا بد لنا أن نضع أولا جدولا مفهرَساً للشعراء وما أنتجوا من كتابات شعرية ببلوجرافياً في نطاق جغرافية البحرين وضمن نطاق زمني يصل إلى حدود خمسين عاما، ناهيك عن قراءة واختيار النصوص الجيدة المستوى من هذا المنتج المتناثر المتشظي أحيانا في مواقع الإنترنت ومنصاته . مَن يجرؤ (لئلا نقول مَن يملك الحق) في المحصلة أن يضع ملفاً له شكل الأنطولوجيا يمكن أن يعطي الصورة الحقيقية لما هو عليه الشعر في بلد ما في اللحظة الراهنة، بملامحه واتجاهاته المختلفة والمتفردة؟ ودعونا نعترف أيضاً أن هذا الجهد ربما يكون أقل تعقيداً وصعوبة في بلد كالبحرين، الصغيرة مساحةً جغرافيةً والقليلة تعداداً سكانيا، وهو ما سهل علينا المهمة في الجدولة والحصر وجمع المادة والاختيار. فلو أردنا القيام بإعداد ملف عن مشهد الشعر في بلد متسع المساحة كبير السكان كالعراق أو مصر أو حتى المغرب مثلاً، لأصبح الأمر محتاجاً إلى جهد مؤسسة، أي جهد خلية عمل لا جهد أفراد؛ حيث لا يمكن الاكتفاء بالجهود الفردية مهما كانت استثنائية في عمل الملفات ذات الطابع الأنطولوجي وفي عمل كتب الببلوجرافيات الشعرية؟ هل لذلك علاقة بالعطب والفراغ اللذين يكتنفان المؤسسات الثقافية المنتشرة في البلدان العربية دون أن يكون لها أي جهد نوعي سوى أنها تتعامل مع الأدب والشعر والثقافة كظواهرإعلامية لحظيّة/قصيرة الأمد ومحدودة النتائج أو كمكان لاستثمار الثقافة في حصد المكاسب الشخصية والفئوية والنخبوية الضيقة؟ (1)

ثانياً، ما الآليات التي اعتمدها معدو الملف في جمع مادة النصوص؟ وفقاً لأية معايير؟ بِناءً على أي رؤية؟ الآليات المُتّبعة هي جمع أحدث ما أنتجه كل شاعر وقراءة النصوص أولاً بأول (بعد مهمة حصر أعداد كل من كتب نصاً شعرياً على مدى خمسين سنة تقريباً وحصر مجموعاتهم الشعرية المطبوعة أو نصوصهم المنشورة في الصحف والمجلات)، ومن ثم اختيار النصوص وفقا لمعايير فنية وأدبية تتلمس اللهب المتجدد والكامن في نسغ النصوص قدر المستطاع. وضعنا في اعتبارنا نقطة في غاية الأهمية، ألا وهي: قدر ما نستطيع وقبل أن ننظر إلى الأسماء وقبل كلّ شيء آخر ننظر إلى عمق التجربة ونضجها ووعيها ومدى قدرتها على التغيير والتجديد في الحراك الشعري في البحرين، لغةً ًورؤية ً، وعلى مستويات تشكيل حساسية شعرية جديدة وامتلاكها لمشروع شعري قابل لأن يتصاعد ويتطور. لا يهمنا شهرة الاسم ومكانته الاعتبارية عند الجمهور الواسع؛ ما يهمنا هو النص بشتى تجلياته؛ هو قدرة النص على إنتاج الدلالات واختراق العامل الزمني. آمل أن لا يكون ثمة شاعر/شاعرة من المتميزين لم يضمّهم الملف؛ إذ لا مناص من وجود نواقص وإخفاقات هنا أو هناك في أي جهد أدبي، خاصة في الأعمال الملفاتيّة والأنطولوجيّة المتجهة إلى تكوين فكرة عميقة عن مشهدٍ شعريٍّ في مكان وزمان محدّدَيْن، على الرغم من محاولتنا قدر الإمكان رصد حركة الشعر الحقيقي المعاصر والحديث ورصد التجارب الجديدة الواعدة والباحثة لها عن دور في تعضيد هذا البناء الرمزي الهائل والشامخ الذي يُسمى “الشعر” بلبنة أو بنافذة أو ببوابة أو بغرفة جديدة. نحن لا نزعم، من خلال اختيارنا لهذه الأسماء ونصوصها الإبداعية، أننا نقدم المشهد الشعري في البحرين بتفاصيله النهائية الكاملة، ولكننا نفتح، عبر اجتهاداتنا الخاصة، نافذة يطل من خلالها القارئ على ملامح عامة أوخاصة قد يتميز بها المشهد الشعري ها هنا عن سواه في الأقطار العربية أو قد لا يتميز، وحسبنا في هذا شرف المحاولة.

الآن، وبعد عقود من الحراك الثقافي عامة والشعري خاصة، منذ أواخر الستينيات وبداية السبعينيات، ماتزال في البحرين حركة نشطة أدبياً وثقافياً وشعرياً. وليس جديداً القول بأننا جزء لا يتجزأ من الفضاء الثقافي العربي والكوني العام، بإشكالياته المختلفة وأبعاده المتصلة بالتحولات التي تحصل على مستوى مفهوم الشعر وطريقة كتابته ووسائل تلقيه ودائرة مقروئيته وانتشاره. ولكن ثمة الكثير من الأسئلة والتحديات التي يواجهها هذا “الشعر” كنوع أدبي يتداوله المجتمع وكممارسة نصية كتابية وقرائية. وهذه الأسئلة تتجدد كل لحظة في خضم هذه التحولات الهائلة مع حضور التقنيات والوسائط الجديدة عند الأجيال الحديثة، والتي سهلت آليات النشر حتى أصبح لدينا فوضى هائلة وسط هذا الانفجار النصي اللامحدود. بطبيعة الحال فإن الشعر لا خوف عليه مادام ثمة شغفاً لقراءته وكتابته عند نسبة لا بأس بها من أبناء الجيل الجديد من مختلف المشارب والخلفيات الاجتماعية والمهنية والثقافية.

أهم هذه التحديات هو إشكالية وقوف بعض الشعراء عند طور أسلوبي وتعبيري وجمالي معين لا يبارحه ولا يفارقه، بينما الشعر مثله مثل أي فن كتابي آخر طرأ عليه تطور جمالي هائل وملحوظ؛ حيث استفاد من بقية الأنواع والأجناس الأدبية والفنية والبصرية كالسرد والحكي والموسيقا والتشكيل والسينما والتلفزيون والتصوير (أفردنا مساحة لا بأس بها في الملف لمجموعة من كُتاب السرد الذين تكتنز أغلبُ نصوصهم شعريةٌ واضحة منهم أمين صالح وفريد رمضان وحسين المحروس). فكم نحن بحاجة -كجيل لديه قبول أكثر من سواه بفكرة التغيير- أن نجدد أسئلتنا ورؤيتنا حول مفاهيمنا الشعرية ومستوى تجاربنا وحِراكاتنا قياساً إلى ما يجري على الضفاف الأخرى من العالم.

إن ما يدعو للقلق حقاً هو النظر إلى الفعل الشعري بصفته هوايةً لتفريغ شحنات البوح والعواطف والفضفضة الكتابية لا أكثر ولا أقل، لا بصفته مرتبطاً بالبُعد الوجودي والكياني للكائن الإنساني، وضرورة النظر إليه كصناعة فنية معرفية تحتاج إلى مكابدة وشغل يومي وإلى منابع فكرية وثقافية وفلسفية متجددة غير تلك المنابع العاطفية الذاتية التي تتفجر حينما تكون الموهبة في أول تخلقها الجنيني المبكر، ولكنها تختنق وتذوي وتُستنزف وتجفُّ إن لم ترفدها القراءات والاحتكاك الحياتي والمعرفي المتوتر والمتصاعد بشكل مستمر(2)، حيث المعايشة والمثاقفة جناحان يعضد أحدهما الآخر، فلا تحليق للموهبة بدون أن يتحركا وينشطا معاً.

لقد شهد الشعر ثورات كثيرة، وعلينا أن ننظر بعيداً في أفق هذه الشعريات العربية والأجنبية التي تُنتج حساسيات مغايرة لما كنا متعودين عليه، وقد سهل تطور وسائل التواصل والاتصال عملية الاطلاع على منجزاتها الكتابية في المجلات والمطبوعات والإصدارات عبر المواقع والمنصات الرقمية، وإن كانت هذه الوسائل غير كافية للتواصل المعرفي والإنساني الخلاق؛ حيث لابد من بناء جسور مباشرة لتبادل المعارف والأفكار والتجارب وتلاقحها، وهذا هو بعينه ما يجب أن تقوم بتنشيطه المؤسسات الثقافية بأبعاد متنوعة المسارات، تبدأ بتبادل الاستضافات الشعرية وتنظيم فعاليات مشتركة كالأمسيات القرائية والحوارية والورش الفكرية والتدريبية، وها قد رأينا كيف اُستثمرت بعض الإمكانات الإلكترونية الهائلة تحت وطأة أزمة الوباء الكونية في تعزيز النشاط الثقافي عامة والنشاط الشعري خاصة، وإن كنا نعتقد بضرورة ألا ينتهي عند هذه الحدود، بل يمضي بعيداً في فتح آفاق الممارسة النصية نحو مزيد من تراكم الوعي الشعري عبر الالتقاء بشعريات العالم والاشتباك المعرفي متعدد الأبعاد والمثاقفة العميقة مع فاعلياته ورموزه.

وليس لنا أن نفرض ما نقتنع به على أحد، غير أن لنا حرية التصور وتحليل الإمكانات والمآزق الماثلة، فيما نعبر عن رغبتنا بتطوير التواصل بين الشعراء أنفسهم داخل البلد الواحد، ناهيك عن التواصل إنسانياً وإبداعياً مع الآخرين في البلدان القريبة والبعيدة. ومن باب الإنصاف فإن السرَّ الثاني في مسألة تحقق التجارب السابقة أبان السبعينيات وتطورها ووصولها إلى الأفق العربي وتلقيها الاهتمام المناسب هناك يكمن في أنهم كانوا قادرين على التلاقي والتجمع والاتحاد مع بعضهم البعض على الرغم من تمايز تجاربهم الفردية كون كل شخص يمتلك ملامح فنية ورؤيوية متباينة عن سواه (السر الأول طبعا كامن في قوة بعض تلك المواهب وسعيها نحو تطوير نفسها). بينما نجد الآن تجاربنا الجديدة جزرا متباعدة متشظية مكتفية بذاتها(3)، وبالتالي لا تسعى إلى ما قد نسميه “التكتل أو الاجتماع الشعري” كنوع من الاشتباك والاحتكاك الخلاقين مع بعضها البعض، مما يغيب عناصر السجال والحوار والمنافسة الإنسانية المؤدية إلى تحقق الطاقات وصقلها صقلا متصاعداً متراكماً.

ثالثاً، نستطيع القول، إن حال الشعر الآن في البحرين هو حاله في كل الأقطار العربية: غالبية نمطية رديئة وأقلية جيدة فاعلة. وهو كذلك في كل زمان ومكان مع تفاوت في النسبة والكم، وأحياناً في النوع. لكن ثمة مستجدات لا بد أن تدعونا لأن ننظر إلى الأبعاد الإيجابية المضيئة الوامضة، إذ على العكس مما هو شائع فإننا لو رجعنا إلى الوراء قليلاً ونظرنا إلى مفهوم الشعر عند المجتمع بمختلف فئاته سابقاً وقارنَّاه باللحظة الراهنة فسنجد تبدلاً وتطوراً ملحوظَين في فهم الشعر عند المجتمع القارئ، وسنجد الشعر أكثر انتشاراً من السابق بلحاظ حضور التقنيات والوسائط الحديثة(4) في طرائق الوصول إليه وتلقيه وقراءته(كان موقع جهة الشعر أبرز هذه الوسائط خلال العقدين الفائتين في بلورة تطور مفهوم جديد للشعر وتوسع انتشاره بشكله الحديث، وإذ نأسف لتوقفه مؤخرا مع بقائه أرشيفاً مرجعياً للتصفح والبحث والاستعادة، فإننا ندعو إلى الاستفادة منه كتجربة هائلة يمكن الانطلاق منها في التأسيس لحضور قويّ للشعر العربي في الفضاء الإلكتروني اللامحدود، وفي ميادين الحياة المختلفة). ومن خلال معطياتنا الحالية، نحب أن نتفاءل ونستشعر بأن وضع الشعر سيكون أفضل في المستقبل القريب، إنتاجاً وتلقياً.

ختاماً، نرى أن هذا الملف مجرد كوة صغيرة مفتوحة للإطلالة على مشهد الشعر في البحرين وأسئلته ومآلاته، وهذا لن يغني القارئ الطامع في التوسع والإحاطة والاستزادة بشكل أكبر عن البحث والاطلاع على معطيات ومصادر متنوعة محتوية على تفاصيل غزيرة ودقيقة، سوف يجدها متوفرة في المكتبات ومبثوثة في مواقع الشعر والثقافة على شبكات الإنترنت أو ينبغي عليه التواصل معنا وسنكون سعداء بتزويده بها.

هامش
1- من الممكن الاستشهاد بكلام أدونيس وهو يشير إلى خلل بنيوي يكتنف معظم هذه المؤسسات : “دائمًا كانت حيويّة العالم الإسلاميّ العربيّ تتمثّل في الأفراد، وليس في السّلطات ومؤسَّساتها، وذلك بسبب من البنية السياسيّة الاجتماعيّة المُغلَقة التي تنهض عليه. هكذا رأينا في التّاريخ العربيّ ونرى اليوم، تمثيلاً لا حصراً(…)شعراء وموسيقيين وفنّانين كباراً، لكن لا نرى مراكز كبرى علميّة أو معاهد كبرى فنّية أو متاحف كبرى للفنون القديمة والحديثة تليق بتاريخ العرب. ولا نرى حتّى مركزاً واحداً متميِّزاً خاصّاً بالشعر، وضعاً، ومكانةً ودوراً ومصيراً – وهو، إلى جانب الدّين، تراث العرب الأوّل”. أدونيس: الوردة، هي أيضاً تبكي(Online). جريدة الحياة اللندنية، 8ديسمبر 2016.

2- نتذكر هنا الشاعر قاسم حداد حين كتب في أحد مقالاته مؤخراً: “أشعر أن من بين أبرز مهمات أجيال الشعر الجديدة، هو اكتشاف طاقة التأمل في الصنيع الشعري، لتعميق الحسّ الفلسفي في الشعر العربي. ففي حضور خاصية الفلسفة بالنص الشعري منجاة من الوقوع في السطحية، وفقر الدلالات فيه.” حداد، قاسم: “طاقة التأمل في الفعل الشعري”: مجلة كانو الثقافية، تصدر عن جائزة يوسف بن أحمد كانو، البحرين، العدد الثامن عشر، ديسمبر 2019، ص20

3- ثمة من الشعراء من يعتبر أن البحث الفردي في مفاهيم الشعر وقراءة التنظيرات وكتب النقد بمختلف أنواعها وأشكالها ضرباً من تضييع الوقت في ما لا طائل من ورائه، ناهيك عن احتقار فكرة التجمع والتكتل والالتقاء والحوار والبحث الجماعي بين الشعراء.

4-على العكس من ذلك يرى الشاعر والباحث العراقي محمد مظلوم “أن مواقع التواصل الاجتماعي جعلت من الشعر على قدر غير مسبوق من الإسفاف ، لا في مستواه فحسب، إنما في طريقة عرضه. فنحن إزاء مايشبه (سوق الهرج) تتداخل فيه الأصوات، وتتكدس البضائع ويُطرح الشعر إلى جانب كلِّ شيء، وأي شيء! هكذا يتحول التواصل المفترض إلى انقطاع وغيبوبة حقيقيين عن ذلك السحر القديم للشعر، لصالح انبهار عابر هو سمة العصر. صحيح أن الشعر كان محاصراً في كل عصوره، إلا أن هذا الانحسار الخطير الذي نراه في حياتنا المعاصرة هو نتيجة طبيعية لنكوص شامل في القيم الروحية والجمالية والثقافية…” مقابلة في ملف موسع عن مآلات الشعر العربي، “الشعر العراقي بين راهنية المشهد وارتهان الحضور”: مجلة الفيصل، الرياض، العددان 479-480، سبتمبر-أكتوبر2016، ص46

(2)

قاسم حداد: أشعر باطمئنان كلما خرجت المواهب الشعرية الجديدة على التقليد القديم والحديث..

حوار أجراه:كريم رضي، عبدالله زهير.

أن تحاور شخصية لها تلك المكانة البارزة، بدءاً من مكانة نضاله الثقافي منذ أكثر من خمسين عاماً(وهو مؤسس جسور وقويّ لمفهوم النضال عبر الكتابة بشتى أشكالها)، وليس انتهاءً بنتاجه الأدبي والشعري الغزير والعميق، أشبه ما يكون أن تدخل في غبطة السفر نحو مجرة لانهائية حافلة بالمغامرات والمفاجآت والاكتشافات والدهشات والمباهج واللذائذ. وهو ما جعلنا بعد إنجاز “ملف المشهد الشعري الحديث في البحرين” نعتقد بضرورة أن نستسئل قاسم حداد حول إشكاليات هذا المشهد ومآزقه وملامحه وتشابكاته المختلفة، وهو المسكون بشجون الشعر وهمومه ومستقبله ليس على مستوى هذا الأرخبيل الصغير فقط، وإنما على مستوى الوطن العربي والعالم أيضاً. فكنا حريصين أشد الحرص على معرفة مواقفه وآرائه وتصوراته حول بعض القضايا والأبعاد والظواهر الشعرية المرتبطة بحركة الشعر في البحرين، محاولين فهم الراهن الشعري وتحليله وفتح آفاق الأسئلة على تجلياته وجدلياته وهواجسه عبر هذا الحوار الذي نتوخى أن يمنحنا قدرة الضوء على تبديد الظلام ومحو سلطته الثقيلة..

*نحن نعرف أن حركة الشعر في البحرين متصلة بمثيلاتها في الوطن العربي، ولكن كيف ترى تحديدا المشهد الشعري في البحرين الآن، بظواهره، بأبعاده المختلفة.. هل ترى أنه يتطور أم على العكس يتخلف؟ ما هو تصورك لتطويره .. كيف يمكن له أن يتقدم برأيك؟

-في المشهد الشعري في البحرين أصوات جديدة تحاول التحرر من ربقة ما تفرضه المؤسسات الفكرية على نشاط المواهب الأدبية. وضعف بعض هذه المواهب يهددها بخسارة حرياتها، سأشعر باطمئنان لهذه المواهب، لتغني المشهد الشعري العربي، كلما خرجت على التقليد القديم والحديث. ليس مثل حرية المخيلة الشعرية رافعة حية لتقدم الشاعر.

*صرحت في إحدى حواراتك أنك لا تحب تسمية “قصيدة النثر”، وحسبما قرأنا فإن سركون بولص يرفض هذا المصطلح أيضا.. ما هي منطلقاتك في ذلك؟ وما هو البديل الذي تقترحه؟ (عندما ترفض شيئا لا بد أن تقترح شيئا آخر يمكن أن يكون أفضل من ناحية أدبية منهجية ومن ناحية إمكانية قبوله وانتشاره في أوساط النخبة المثقفة وعند القارئ والمهتم بالشعر، باعتبار أن ثمة تعاقد ضمني بين الشاعر والقارئ في مسألة الجماليات وفي مسألة التحديث النقدي والشعري…)

-ليس ثمة بديل لذلك المصطلح، لا أقترح مصطلحاً آخر، بالعكس التجربة علمتنا أن المصطلحات تُشكِّل قيداً للمبدع. وها أنت تشترط أن يكون المصطلح الجديد مقبولاً من النخبة، هذا قسر لا أحبذه، التعاقد الذي يشير إليه السؤال يتخلق لاحقاً، بعد النص. إنه فعلٌ نقدي، وليس فعلاً شعرياً. دعنا نتحدث عن الشعر. الشعر فقط يسعفنا عندما نتوفر على الموهبة والمعرفة.

*قصيدة القلعة من القصائد التي تختصر رؤيتك للآخر. هي أكثر من قصيدة ، هي نص فلسفي حول العلاقة بالآخر، استيعابه بدل مواجهته، فرش الزهور في طريق “الأعداء”، حدثنا عن هذا الولع باكتشاف الصديق في أعماق الخصم؟

-الشاعر لا صديق له وقت الكتابة، الصداقة سلطة يعمل على تفاديها، النص هو الصديق الوحيد لحظة الكتابة. الأصدقاء والأعداء يأتون بعد النص وقبله. القارئ يصير صديق النص وليس الشاعر. لذا أتمنى على القارئ أن يجد في النص ما يحب وما لا يحب. وإشارتك لقصيدة (القلعة) يصقل قنديلاً إضافياً في أسوارها.

*مثلت ثيمة الذئب رمزاً بارزا في نصوصك، حيث يتعدد ذكره في مواضع كثيرة(ما أجملك أيها الذئب..، رقصة الذئب، ذاكرة ذئب،أناالذئب الذاهب في ليل الملجأ…إلخ)، هل هو تجسيد لصورة (الذئب/ الشاعر) أو (الشاعر/ الذئب) التي يحتويها هذا الرمز؟

-ولد الذئب في كتابتي بمحض المصادفات الموضوعية، بعدها صار الذئب يتبلور برفقتي ويأخذني إلى مجاهيله وأخلاقه، فوجدت فيه الكائن النبيل القرين لحزني واستنفاري. ثم لم أعد أعرف حدود الذئب من الشاعر. بالطبع لا أعتبره ثيمة ولا رمزاً ولا قناعاً، إنه أنا.

*لطالما تكررت في مقالاتك ونصوصك،وبالمناسبة أنت لاتفرق كثيرا بين الكتابتين، فكرة نقد الأمل بوصفه وهماً وأن اليأس هو الحقيقة الوحيدة، وقلت أن حرية اليأس مقموعة ومحاصرة دائماً… أليس جديرا بالشعر أن يكون رافعة للأمل، أن يتمثل بصيص نور الأمل في آخر هذا النفق اليائس والمظلم، هناك من يفهم كلامك على أنه تمجيد لليأس وبث لنزعات التشاؤم في وقت نحن أحوج ما نكون فيه لطاقة الأمل والنزعات الإيجابية في النظر للأمور؟

– لا أمجّد اليأس، إنه مجدنا الأكيد. وأشعر بقلق بالغ عند الكلام عن (الأمل) في هذا العالم الذي ينكّل بِنَا. هل يمكنك أن تشير إلى نأمة واحدة تدعو إلى الأمل في حياتنا. المطمئنون فقط يمكنهم الكلام عن الأمل، ويحضّون عليه. ربما أنا أحد المحرومين من شعور الاطمئنان.

وبالمناسبة فإن عنوان كتابي الجديد، قيد الطبع، ( ما الأمل؟). يتوجب فهم أرجوحة اليأس والامل في حياتنا لكي نتفادى التعرض لما يسمونه (تشاؤماً).

سيكون أمام العرب تأمل لحظتهم التاريخية في المنعطف / التقاطع الفذّ بين نظرية عمران ابن خلدون القديمة، ورؤية التحدي والاستجابة التي اقترحها “اولوند توينبي” في بداية القرن العشرين، وعلينا إبداع مستقبلنا، وإلا وقعنا في التقوقع بترددنا إزاء حركة الحضارة التي تلتهمنا ونحن تحت وطأة حوار التاريخ، ففي العنف الذي يقتحمنا منذ الإسلام سوف لن تقوم لنا قائمة إذا نحن لم نعد النظر في موقفنا من التراث النوراني الذي يتوجب إعادة اكتشافه، مثل ابن رشد والفارابي وابن سينا الذين استلهم الغرب منهم منظوراتهم الحضارية منذ مئات السنين.

لقد قالت لنا العرب عن “سيف الوقت”، لكنهم غفلوا عن “عجلة” الحضارة. فها نحن ضحية صدمة الحضارة، كمن لا يرغب في الخروج من هذا الذهول الفادح، بحجة الدين. الأمر الذي يجعلنا ضحية التقهقر حدّ التراجع عن المستقبل، والانهيار، فيما تُرك الانسان العربي في وهمه حدّ اليأس. ولكي نتحرك ليس لنا (العودة) إلى التراث. نحن تراث المستقبل، وعلينا ابتكار وابداع حياتنا لنكون تراثاً حياً لأحفادنا. وكل هذا يتطلب درجة واعية من الشجاعة والجرأة على التحدي. كما إن إعمار المستقبل يبدأ من الحاضر، من الآن. كيف نتمكن من القول بأننا كائنات تاريخية، بمعنى سيمولوجي للكلمة؟ انظروا كيف تفتك المنظومات العالمية، تفتك بِنَا وبأحلامنا، وتفرط في معاقبتنا. إننا بحاجة لهذا التحويل الصعب، وغير المستحيل. فنحن مزيج جوهري للتاريخ، وعلينا فقط الإخلاص لهذا الجوهر لكي نتأهل للمستقبل وصنعه. أرى أنه كلما تمكنا من نزع تاريخنا من دينيته، تيسر لنا حرية إعادة تركيب التاريخ واكتسبنا لياقتنا للذهاب إلى المستقبل.

*في مقال لك مؤخراً بعنوان “طاقة التأمل في الفعل الشعري”، تقول: أشعر أن من بين مهمات أجيال الشعر الجديدة هو اكتشاف طاقة التأمل في الصنيع الشعري، لتعميق الحس الفلسفي في الشعر العربي.ففي حضور خاصية الفلسفة بالنص الشعري، ينجيه من الوقوع في السطحية، وفقر الدلالات فيه.” لكن ألا تعتقد أن ثقل حضور طاقة الفلسفة في النص يؤدي إلى جفاف الطاقة الشعورية والعاطفية في نسغه، وبالتالي يفقده وهجه الشعري؟

– النص الذي يكتبه الشاعر يظل شعرياً بدرجة من الدرجات، عليه أن يفعل ذلك، دون أن يكون عرضة للوقوع في السطحية والسذاجة. عندي أن الشعر هو ضربٌ من تأمل الكائن في الحياة، وفِي هذا التأمل يتجلى الفعل الفلسفي العميق، دون كتابة النص الفجّ. الفلسفة ريش كثير من جناح المخيلة الشعرية، بل إنها واحدة من مكونات قلعة الشاعر التي تحميه من تدخل وتعدي السلطات الخارجية على عمله الشعري. وظني أن الاجيال الجديدة من الشعراء يقدرون على إدراك الفلسفة في الشعر، لئلا نفرّط في خصوصية الشعرية في الكتابة الجديدة.

*تقول:” عندي، كل من يكتب الشعر لا بد له أن يقرأ شعر أدونيس، فليس ثمة اكتمال فنيّ لأي شاعر عربي كان، إذا هو لم يقرأ أدونيس.” ثمة كثيرون هاجموا هذا المقال بحدة وقالوا لماذا أدونيس بالذات، ثمة شعراء آخرون كثيرون أيضا لا يكتمل فنيا أي شاعر عربي إلا بقراءتهم: أنسي الحاج، السياب، سعدي يوسف…والأسماء كثيرة.. لقد اعتبروه إلغاء لتجارب كثيرة مهمة في خارطة الشعر العربي الحديث.. كيف تنظر إلى هذه المسألة؟

– لم لا، فليكن الشعراء الكثيرون الذين تشير إليهم قناديل في طريق الكتابة الشعرية العربية. إشارتي لأدونيس رأي شخصي لا يصادر حق الآخرين في الاختلاف معه، وأعتقد بتجربة أدونيس المختلفة، دون أن يقلل هذا من التجارب الشعرية المهمة الأخرى. إنني لا أقارن بين الشعراء، فكل شاعر هو نسيج وحده، ومن الظلم المقارنة بين الشعراء، ففي هذا تقديس الواحدية التي لا أحبه.

*قلت أيضا: “لم يعد الشعر محصوراً في القصيدة، الشعر في كل شيء. لقد صار الشعر في حياتنا جميعها.” .. هل من الممكن أن توضح هذه النقطة؟

– ها نحن نلاحظ حيوية الحس الشعري في كل أشكال التعبير الفني. آخر ما صدر عن الصديق أمين صالح كتاب عن (شعرية السينما) كمثال. وسوف نجد الشعر في الرواية والقصة القصيرة والمسرح والتشكيل. وظني أن التسارع الجميل في وسائط الاتصال والتعبير من شأنه أن يفتح الأفق أمام الشعرية في حياتنا. ولعلنا لن نحتمل (شيئاً) أو سلوكاً في حياتنا اليوم دون أن يكون على درجة من الشعرية. أو هكذا أرى الأمر الآن وفي المستقبل.

*كونك أحد المؤسسين البارزين لأسرة الأدباء والكتاب في البحرين، بصراحة ماذا بقي منها الآن؟ ما الذي عليها أن تفعله لكي تكون فعلا جديرة بالدور الثقاقي والأدبي المناط بها( وكنت قلت أنه ليس عليها أن تقوم بدور اجتماعي في كتابك “فتنة السؤال”، وهل من الصائب حقا أن لا تقوم بأي دور اجتماعي؛ لأن الأبعاد الفكرية والثقافية والأدبية قد تتداخل وتتماهى بالبعد الاجتماعي في كل عمل ثقافي أهليّ على أية حال؟

– مع الوقت، لا أعتقد أنه سيبقى شيء من “أسرة الادباء والكتاب” سوى تاريخها. وعلى الأجيال الجديدة أن تبحث عن أشكال جديدة ومختلفة للعمل الثقافي والأدبي. الحياة سريعة المتغيرات والتجدد وعلينا أن نتفهم ذلك ونحسن التعامل معه، لئلا نتأخر عن الحياة.

*ما هو برأيك أكبر تحد يواجه الشعر اليوم في العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين؟

– ليس ثمة تحد أمام الشعر أخطر من المستقبل، والتعبير الشعري الجدير بالمستقبل. كيف يستطيع الشعر أن يقنع العالم بأنه يتوفر ليس كوظيفة ولكن كحاجة إنسانية جديرة بالحياة. اللغة، لغة الشعر هي تحدي المستقبل، وعلى الشاعر أن يكتشف جمالياته وحرياته لكي نصدقه.

(3)

لي طريقتي، ولكم الآن طريقتكم

علوي الهاشمي*

ارتأى معدو الملف أن ضرورة مشاركة واحد من أبرز رموز حركة الشعر الحديثة في البحرين منذ بواكيرها الأولى في أواخر الستينيات وبداية السبعينيات وما تلاها من إرهاصات ومخاضات شعريتين. كان لهذا الرجل فضل كبيرٌ على صعيد الكتابات النقدية العميقة والرصينة من خلال تضْوِيء التجارب الشعرية البحرينية ودفعها إلى دائرة اهتمام القارئ العربي. لا مناص من القول أن ممارسة الفعل الشعري لا تتقوى إلا توازياً مع ممارسة تنظيرية نقدية متوهجة، وقد أبدع علوي الهاشمي في لعب هذا الدور المضيء والمهم. ولا عجب وهو الطالع من رحم الحداثة الشعرية الجديدة، شاعراً أولاً وناقداً ثانيا، وفي كلتا الحالتين مبدعاً خلاقاً؛ لأن الكتابة النقدية فعل إبداعي؛ وهي الجناح الآخر الذي يحلق به الأثر الحضاري للفعل الشعري. انطلاقاً من ذلك، رحنا نسْتسئِل الشاعر والناقد الكبير الدكتور علوي الهاشمي في مقابلة رباعية أُجريت صوتاً وصورة عبر الاتصال عن بُعد (بسبب أزمة كورونا الكونية حالياً) طامعين في أن يقدم لنا رؤيته للمشهد الشعري في البحرين، ثم حررنا كتابياً ما طرحه من أفكار ورؤى وتطلعات.

في البداية أودُّ أن أشيد بالجهد الكبير الذي يُبذل في هذا المشروع الجميل: المشهد الشعري في البحرين. وقد اطلعتُ على جانبٍ منه، وأراه مشروعاً بالغ الأهمية ويستحق الاهتمام والتقدير من قبل المتلقين، أفرادًا ومؤسساتٍ ثقافية. وثانياً، أود الإشارة إلى أنني عندما عكفتُ على استخراج القانون الأساسي للحركة الشعرية الحديثة في البحرين منذ بداياتها الطليعية وانعكاساته على الكتابة الشعرية في تلك الفترة وما تلاها، وجدتُ أنه كان متمحوراً حول دائرة الهمِّ الذي يعيشه الإنسان في البحرين؛ حيث يتفرع هذا الهم إلى بُعدين أساسيين يتركزان في دائرتين هما:معاناة الفلاح في القرية، وعلاقته بالنخيل والحقول، وهموم الغواص وملحمته القاسية في عرض البحر. وقد حاولتُ تلخيص كلّ هذا في كتاب (ماقالته النخلة للبحر)، ثم أخذتُ في كتاب (السكون المتحرك) أتعمق في أبعاده ومستوياته المتعددة وفلسفته الشعرية ورموزه وعناصره بصورة تفصيلية، والتي تحولت من قانون إلى تجليات فنية متنوعة ومتطورة. فبينما كانت الموضوعات في الكتاب الأول تكشف القانون بشكله المضموني(الطبيعة، الإنسان، المرأة، الوطن)، قد ركَّز الكتاب الثاني على التجليات الرمزية والفنية والجمالية التي يضخها هذا القانون بمعالجاته وصوره وموضوعاته المختلفة في الكتابات الشعرية.

وبسبب ذلك، أرى أن هذا القانون بأدواته المنهجية وعُدّته التنظيرية لا يسري مفعوله ولا يصلح لمتابعة وقراءة الحركة الشعرية الراهنة بتجاربها وظواهرها المختلفة فيما وصلت إليه؛ لأن كل مرحلة لها طبيعتها وملامحها الاجتماعية والثقافية والإنسانية المحددة، وتفرز قوانينها النقدية وأدواتها ومنهجياتها المحددة التي تختلف عن سواها. هذه هي طريقتي في فهم ما جرى من تحولات في هذه الحركة الشعرية، ولذلك لا بد أن يبحث ويشتغل بعملية النقد من يعرفون تماماً لغة هذه المرحلة ومن يعرفون شعراءها، و بالتالي يكونون قادرين على استخراج القانون الذي ينظم التجربة الشعرية الراهنة. أنا اكتشفت القانون لمرحلتي، والآن جاء دور الأجيال الجديدة، وإن كنتُ أُفضِّل أن يكون المشتغلون في النقد بمختلف مستوياته طالعين من رحم الكتابة الشعرية لا من خارجه؛ لأنهم يحملون الهمَّ الإبداعي في الأصل أولاً؛ وثانياً لأنهم الأقدر على فهم آليات الفعل الشعري ومكنوناته ومتطلباته وأدواته وتقنياته، كما يقول أحد الشعراء: لا يعرف الحُبَّ إلا من يكابده/ ولا الصبابةَ إلا من يُقاسيها.

ومن هنا ندرك أن ارتباط الحراك الشعري في البحرين آنذاك بالأفق العربي؛ بسبب ارتباطها بالحركة الوطنية التي تتجاوز الأفق المحلي إلى الأفق العربي، بل إلى الأفق الإنساني الواسع. من الممكن أن تجد البُعدَ المحليّ متماهياً بالبُعدين العربي والإنساني في تجارب كثير من شعراء تلك المرحلة كقاسم حداد وعلي عبد الله خليفة وعلي الشرقاوي ويعقوب المحرقي وآخرين، ولكنه كان يرتكز على قوانين أساسية في واقعه الاجتماعي والسياسي والثقافي في البحرين، ولم يقفز عليها ولم يغض الطرف عما يعتلج في أعماقها. أما بالنسبة للشعراء الشباب الذين جاؤوا فيما بعد سنة الألفين أو الألفين وعشرة، أرى أنني لا أستطيع تطبيق مقارباتي النقدية نفسها على تجاربهم ومشاريعهم؛ لأنهم انطلقوا إلى الأفق الإنساني المباشر من دون أية مقدمات، ومن جانب آخر ارتكزوا على البُعد الجمالي في تشكيل الصور واللغة المزوقة والأنيقة والطرية مع غياب البعد الرؤيوي والدلالي في الفعل الشعري، أو ليس ثمة مُرتكز موضوعي للنص يستند عليه القارئ، وبالتالي ينبغي على من يأتي للنقد الآن أن يُجدد في أدواته وآلياته ومرتكزاته ليكتشف القوانين الجديدة، ويقرأ من خلالها البُنى الجديدة التي تتحرك في أفقها الحساسية الشعرية الجديدة، وأُشجعهم لأن يكتشفوا في خضم هذه التجارب جذوراً وتشابكات وتقاطعات قد لا أراها، و في الحقيقة ثمة أشياء كثيرة الآن لا أقدر على رؤيتها، ولها نُقاد ينتمون لهذا الجيل يرونها بطرائقهم الخاصة. وفي هذا الإطار، حتى عند زملائي الشعراء، بدأت منذ عقدين أو ثلاثة عقود تتحول مسارات الحركة الشعرية وتميل نحو التشظي على مستوى الأجيال بل على مستوى الشاعر الواحد كما هو الشأن عند قاسم حداد وعلي الشرقاوي تمثيلاً لا حصراً، ومن ثم أصبحَ من الصعب مجاراتها وتتبعها نقدياً بشكلها الكُلي في تشظياتها وتحولاتها. وإن كانت بعض هذه التجارب تخلّقتْ وواصلتْ صقل إمكاناتها وطاقاتها تحت ظلال المؤسسة الثقافية المتمثلة بأسرة الأدباء والكتاب، غير أنها استقلت وتحررت من سقف الحاضنة الأولى وعباءتها، وانحازت إلى مساراتها وتشظياتها وتفرغت إلى بناء مشروعاتها الذاتية في الكتابة الشعرية.

(4)

خريطة ضالة لمشهد حاضر

جعفر حسن

كتبتُ في مقالات سابقة ما يعبر عن موقف من مسألة التحقيب سواء الزمني أو الجغرافي، ومدى مشروعية نسبة شاعر إلى فترة زمنية ما، أو جغرافية ما، ولعل التحقيب سائد في المقالات المنشورة على صفحات الجرائد أو ما يشكل النقد الانطباعي أو الوصفي، ولكننا نفضل توزيع خريطة الشعر في البحرين على المدارس والاتجاهات السائدة فيه، أو على شكل القصيدة التي يتمظهر فيها الإنتاج الأدبي تفاديا لمشكلات التحقيب.

من ناحية التطور الإيقاعي الخارجي كانت قصيدة العمود مهيمنة منذ أن عرفت هذي البلاد انتماءها الأول إلى العربية منذ ما قبل الإسلام، ومع حركة النهوض العربية مالت القصيدة في البحرين نحو التعبير عن اتجاه وطني تعمق منذ قصيدة العمود، وامتد ذلك الاتجاه ليتعمق في قصيدتيْ التفعيلة والنثر، منذ مطلع الستينيات في البحرين حتى هذه البرهة.

وتبدو التجربة الشعرية الحديثة في البحرين متصلة الوشائج مع الثقافة العربية بقوة، بصفتها جزءاً من حركة الشعر في العالم العربي الكبير بمختلف جغرافياته وتلاوينه الاجتماعية والثقافية واللغوية/ اللهجوية. ونعتقد بكون اللغة العربية المكتوبة بها تلك التجربة الشعرية عندنا، كحبل سرة، شرطا كافيا لذلك الانتماء. وحتى لو أخذنا بعين الاعتبار ما سيقوله معترض ما، عن وجود الشعر المكتوب باللهجة المحكية. فأود أن أشير هنا إلى أن لهجتنا المحلية تتكون معظمها من قاموس اللغة العربية الفصحى. وقد ظل حبل الاتصال يتأكد من خلال التواصل بين شعراء البحرين ومحيطهم العربي، لهذا السبب ربما ولأسباب أخرى، تأثر الشعراء عندنا بكل التيارات التي اجتاحت الوطن العربي، ولذلك استجابوا لمأساتيْ نكبة 1948 ونكسة 1967وغيرهما من الأحداث الكبرى، وقد ظهر ذلك جليا في ما أُنتج من نصوص في تلك الفترات.

ولعل الفصحى ظلت هي التي تهيمن على إنتاج القصيدة باعتبارها جزءاً مهما من التكوين الثقافي للناس في البحرين. وعرفت ظواهر من التلاقي بين شعراء البحرين وشعراء العربية بما عرف في ظاهرتي التناص والتضمين، وقد كانت على مستوى المضمون متنوعة إذ احتوت على مضامين دينية وعاطفية واجتماعية وعبرت عن اتجاهات كلاسيكية، وإحيائية ذات نزعة إصلاحية، ورومانسية، وواقعية، ومعظم ما كتب عندنا في الشكل العمودي الموزون المقفاة كان شعرا مناسباتيا (ومن العجيب أن هذا النوع من الشعر إذا جاز التعبير استمر حتى هذه المرحلة الراهنة). وقد انعكست بعض تلك الاتجاهات في مستويات مختلفة على بنية القصيدة من خلال أبعاد عديدة كظهور الطبيعة، والمرأة، والوطن، والإنسان في مستوياتها الوظيفية المختلفة والمتعددة (الفنية والنفسية والاجتماعية والفلسفية والسياسية).

ومع تطور وسائل المواصلات والتعليم، وانتشار الصحف والمجلات، ونشوء النوادي الرياضية التي كانت تُعنى بالشأن الثقافي أيضاً، ظهرت بؤر متعددة للتنوير في البحرين، وقد كانت تقودها مجموعات شبابية من التيارات اليسارية والقومية، شكلت حركة القوميين العرب الأوسع انتشارا عمودها الفقري، بينما كانت خاصرة الخليج العربي تشتعل بالثورة في ظفار.

وبذلك بدأ الوعي ينبثق عند مجموعة من الشباب الذين شكلوا حركة تجديد في شكل القصيدة العربية، وأوجدوا أقدم كيان ثقافي للأدباء والكتاب مستقل عن أية سلطة سياسية أو اجتماعية، وقد أنشئت أسرة الأدباء والكتاب في عام 1969م، وكانت تتبنى التجديد اتجاها في الشكل والمضامين، وهذا واضح في لوائح أنظمتها الداخلية ومنهجها الفكري والثقافي المكتوب آنذاك، وقد تجلى أيضاً في النتاجات الأدبية لمجموعة من الكتاب المنتمين إليها بالإضافة إلى مجموعة من اللامنتمين، و كان في غالبيتهم كتاب قصيدة تفعيلة ذات منحى واقعي على غرار ما كان يكتبه الرواد الأوائل والرواد الجدد في ما يسمى المراكز الثقافية العربية كالعراق ولبنان ومصر. وقد كانت بنية المضمون عندهم تتراوح بين الأبعاد المحلية والقومية والعالمية.

كما اشتغلوا على شحن مفردة المرأة بشتى الدلالات في القصيدة لتعبر عن الأرض والحرية والوطن، كما ظهرت رموز مثل النخلة والشخوص الشعبية الحقيقية والمتخيلة، كما مزج شعراؤها البحور المختلفة. وقد مزجوها بالنثر في بعض النماذج وقد عبرت معظم مضامينهم عن المعاناة الشعبية، مستلهمين إسقاطات من التاريخ المحلي القريب يتمثل في عذابات الإنسان البحريني في الاقتصاد التقليدي ما قبل النفط على واقعهم المعاش، وقد جرت آنذاك جدالات نقدية، توقفت عند موضوعات تتصل بأشكال الكتابة الشعرية كالعمود والتفعيلة وكمسألة الكتابة باللهجة الدارجة والفصحى.

وكانت أهم التهم التي تكال للشعراء الذين يكتبون الشكل الجديد في هاتيك المرحلة الغموض في القصيدة، والخروج على عمود الشعروالتقاليد الشعرية القديمة المألوفة، وطرح صور تسهم في الانحدار الذوقي العام، وجلب أفكار معلبة في الشعر، بينما رد هؤلاء الجدد بجمود أهل العمود، وعدم قدرتهم على التجديد، وأشاروا إلى ذلك الصراع الواضح بين الشكل والمضمون، والذي أفضى إلى كثير من الحشو. كما ظهر فيما بعد لدى جماعة من رواد الشكل الجديد اتجاه أشبه ما يكون بالنكوص عن عناصر التحديث التي قد تبنوها مسبقاً، فاتجهوا إلى كتابة الشعر العمودي أو الكتابة باللهجة العامية بطريقة شبه تقليدية.

بينما ظل البعض الآخر محافظا على تطلعاته الإنسانية وتطوير أدواته الفنية والفكرية والفلسفية معاً في النص متجهاً إلى مفهوم الكتابة المفتوحة على الأجناس الفنية والأدبية الأخرى كالموسيقى والتشكيل والسرد، بدلا عن مفهوم القصيدة الضيق ، لذلك أبدع بعضهم نصوصاً عالية المستوى فنياً وتحمل دفقا من حرارة ذلك الزخم الذي يسعى لتكون حياة الإنسان أكثر إنسانية، حتى حازوا مكانة ومكاناً لهم تحت شمس الوطن العربي الكبير، ومنهم أسماء حازت على جوائز عربية عديدة، وتوسعت دائرة قُرائهم عبر الترجمة إلى اللغات الأجنبية، أذكر منهم الشاعر قاسم حداد الذي فاز مؤخرا بجائزة الملتقى الشعري الخامس في القاهرة.

ولنا أن نشير إشارة مهمة وهي أنه في ذات الوقت الذي بدأت فيه حركة التجديد في هذا الأرخبيل من الجزر الذي يسمى البحرين، لم تقتصر تلك الحركة على قصيدة التفعيلة، حيث بشكل مواز لها ظهرت قصيدة النثر أيضا، والتي دارت ضدها معارك، وقد اتهمت بما اتهمت به قصيدة التفعيلة، وبشكل أعنف، كما اتهمت بأنها لا نموذج لها، وهناك استسهال في كتابتها واكتنازها بلغة هامشية ومجانية ويومية، وإن أي شخص مهما كانت ثقافته الشعرية يستطيع كتابتها… و ليس من الغريب أن يحدث ذلك عندنا حيث خرجت قصيدة النثر في المراكز الحضارية العربية في ذات الوقت مع قصيدة التفعيلة . ومن رواد تلك القصيدة في البحرين كانت الشاعرة إيمان أسيري، وظلت حريصة على كتابة تجربتها ضمن سياق قصيدة النثر، وقد واكبها فيما بعد العديد من الشعراء في الكتابة بهذا الشكل مثل الشاعر أحمد العجمي والشاعر قاسم حداد مجموعة وسواهما.

ويمكننا أن نلمس بعض تقنيات نصوص قصيدة النثر عندنا، وهي تتجلى في الحذف، و التكرار، والثنائيات الضدية، والجمل الاعتراضية، والكثافة، والإيجاز، والتوهج، كما يمكن رصدها وهي تتشكل في النص، والاعتماد في بعض الأحيان على التشكيل البصري، والاستخدام الفني للحروف، والألوان، و الأرقام … إلخ ، كما إن إحالات الضمائر الحائرة تشكل منطقة غائمة في نسيج اللغة التي يوظفها شعراء قصيدة النثر في بعض الأحيان، مما يربك التواشج واللحمة التي تعكسها الكلمات في علاقتها مع بعضها البعض ، وتعمد خلق الدهشة عند المتلقي، و هو ما يجبر القارئ على أن يتملى طويلا في النص حتى يمكنه أن يدخل عالمه باعتباره مشاركا في عملية الإبداع التي لا تعطي نفسها بسهولة، بل تتمنع كامرأة جميلة غامضة.

فصول الخارطة

ولست هنا بصدد ذكر كل من كتب شعرا في البحرين، فذلك كما هو معروف من عمل الببليوجرافيا، وهو أمر لا يتسع في هذه المقالة، ولكن يمكن أن نشير إلى بعض الأمور التي يمكن تلمسها في التجربة الشعرية في البحرين باعتبارها حركة حداثية لم تكن شكلية البتة، بل كان لها عمقها الاجتماعي والثقافي. ولكننا نلحظ بشكل كبير تراجع بعض التجارب الريادية عن التجديد، وذلك من خلال العودة إما إلى العمود وأغراضه الكلاسيكية أو إلى المدرسة الرومانسية في التفعيلة، والهروب إلى العامية في بعض الأحيان، كما سبق أن أشرنا، بينما ظل البعض يمارس نوعاً من اللعب بالكلمات، دون أن يقول شيئا ذا جدوى، وقد توقف البعض الآخر عن الكتابة أو يكاد.

إن ذلك التراجع الفني لدى البعض في إنتاج القصيدة الحديثة في البحرين، والذي بدأ منذ وقت مبكر قبل الألفية الجديدة، ولعله ما سينعكس في ذلك القلق الذي يتلمسه النقاد من الانقطاع بين التجارب المؤسسة والشعراء الجدد في البحرين. بينما يتعمق شعراء بحرينيون آخرون في تجاربهم على الساحتين المحلية والعربية، ويذهبون بها بعيدا، ضمن التطلع الإنساني المفتوح والمنفتح.

ويمكن القول بأن ثمة تجارب شعرية جديدة في البحرين لم تأخذ مكانها على الساحتين المحلية والعربية بعد، ويظل دورهم كمبدعين فاعلين يحفرون عميقا في التجربة الإنسانية رهن الزمن في الحكم عليه تطوراً أم وقوفاً عند نقطة محددة. ستظل مواهب واعدة تحمل تجارب معرضة لاحتمالات الظل والضوء والمراوحة والتطور. وهذه دعوة لأقلام النقاد لاستكشاف تلك التجارب الجميلة حتى تأخذ مكانها ومكانتها تحت الشمس، وهم حسب ظني من سيدفع مجايليهم ومن يليهم من الشعراء نحو مزيد من الإبداع.

يبدو أن هناك عدم إمكانية لظهور ظاهرة صراع الأجيال كما طرحتُ نظريا في السابق في مسألة العلاقة بين الشعراء الشباب ومن سبقهم من المبدعين في البحرين؛ ذلك أن صراع الأجيال ربما يظهر بوضوح أكثر في الصراع الاجتماعي، ونجد ذلك واضحا خارج خريطة الإبداع في تمجيد الجيل الأقدم، والذي صار مهيمنا على بعض المؤسسات الثقافية بحيث يتكرر وجودهم لفترات طويلة في إدارة تلك المؤسسات، حتى حق لنا أن نتساءل إن كانت الشيخوخة الإدارية والإبداعية عند بعض مؤسساتنا الثقافية أصبحت مشكلة بنيوية لا فكاك منها؟

استشعر اتجاها عند الشعراء الجدد وبعض القدامى نحو حساسية نصية جديدة، يتمثل في اللجوء للعزلة وللظل كفضاء لتخليق وتنضيج تجاربهم. أصادف أحدهم، وقد كتب نصوصاً كافية لمجموعة شعرية أو قد أصدرها فعلا، وهو لا يزال خارج الخريطة العامة لشعراء البحرين، بينما يكتب آخرون قصائد تنشر على صفحات الجرائد وفي فضاء الشبكة العنكبوتية بشكل مستمر، دون أن يكون لها صدى في أوساط المثقفين البحرينيين الذين يعانون بدورهم من التغييب.

كما أن هناك نزوعا فرديا لحوحا نحو تسويق الذات عبر تسويق كتاب ما، ولست أعرف كيف أفسر هذه الظاهرة، بغير أنها تشي بأن النص لا يقدم ذاته بذاته، فيحتاج إلى كاتبه أو من ينوب عنه ليقدمه، ولربما ساد شعور بالرضا عن الانتشار، والبروز على رؤوس المؤسسات الثقافية، بينما لا يهتم البعض بالجودة النصية والفنية في ما يكتب وما يُسوِّق. ولعلنا نجد في تاريخ الشعر شعراء لم ينتشر صيتهم في حياتهم كثيرا، ولكن نصوصهم عبرت جدران الزمن بعد حين، ذلك أن الشعر الحقيقيّ ضد الموت.

(5)

تحولات كائن الشعر

من الاهتمام بـ (ما) نكتب إلى الاهتمام بـ (م) نكتب

كريم رضي

في مقاربتي لتحولات كائن الشعر في البحرين، حتى لا أقول الشعر البحريني وأنا أضع في اعتباري تحذير الشاعر قاسم حداد من الوقوع في فخ البحرنة والخلجنة حيث بحسب حواره مع مجلة البحرين الثقافية (إبريل،2018)*

وبالتالي فإني أحاول فعل ذلك مثل مقاربة أي كائن آخر وهي عادة تقوم على مستويين هما: الكائن بذاته، الكائن بغيره.

وحين أقول الكائن بذاته أي بالشكل الذي يكتب به الشعر والإيقاع الذي يعزف عليه بقيثارته واللغة التي ينسج بها نصه. أما حين أقول الكائن بغيره فأعني الشعر و الشاعر في تفاعله مع مجتمعه وتاريخه.

بالطبع إن هذين المستويين متوازيان ومتقاطعان في الوقت نفسه كما هو الكائن الإنساني بطبيعته، حيث لا يمكنك أن تفصل كليا تحولات الكائن البيولوجية عن تحولاته السوسيولوجية. وهذا ما يقوله الدكتور علوي الهاشمي في سِفره الضخم من ثلاثة أجزاء (السكون المتحرك 1989، دراسة في بنى الإيقاع – المضمون -اللغة)، حيث يشير إلى أن الشكل واللغة والمضمون والإيقاع أمور تتداخل ولا تنفصل عن بعضها.

* يقول قاسم حداد في الحوار المذكور: “تم تكريس وهم خطير، لتجيير كل ما ينتج في هذه المنطقة بأنه خليجي، والأخطر من ذلك أنه دفع البعض إلى الحديث عن القطرية داخل المنطقة، فصار الحديث عن الأدب البحريني والكويتي والإماراتي…إلخ، فهذه كلها مبالغة في قوقعة الإنتاج الإبداعي الإنساني..”.

ولكي أؤسس لميثاق القراءة بيني وبين مطالعي هذه الورقة سوف أبين في نظرتي لكل جيل من أجيال الشعر الحديث ماذا ومن أقصد بهذا الجيل، على أني لن أزعم الإحاطة بكل من يمثلون هذا الجيل أو ذاك، فحتما سيسقط هنا أو هناك بعض الأسماء كما هو متوقع في مقاربة هدفها تقديم هذا الملف وهي مقاربة بانورامية لظاهرة تصل إلى نصف قرن من الزمن أو أكثر قليلا هي عُمر الشعر الحديث في البحرين:

1. شعراء السبعينيات أو الآباء المؤسسون لتجربة الحداثة الشعرية في البحرين، وهم الذين ولدوا في الأغلب الأعم في نهاية عقد الأربعينيات فبداية عقد الخمسينيات وبرزت أولى كتاباتهم أو صدرت أو أعدت للصدور أولى دواوينهم في النصف الأول من عقد السبعينيات في القرن العشرين وهنا أشير بشكل أساسي مثالا لا حصرا إلى كل: من علي عبد الله خليفة، قاسم حداد، علوي الهاشمي، علي الشرقاوي، يوسف حسن، يعقوب المحرقي، إبراهيم بو هندي وعبد الحميد القائد، سعيد العويناتي. وينبغي التنويه هنا إلى أن جميع تجارب البدايات المنشورة في هذه المجموعة كانت تتجه إلى قصيدة التفعيلة.

تكونت هذه المجموعة على خلفية مرور نصف قرن على بدء تعليم الرجال وأقل من ذلك على بدء تعليم النساء وبروز جيل من الكتاب والذي -بحسب تحليل خطاب أول رئيس لأسرة الأدباء والكتاب في أمسيتها الأولى في يناير 1970-هو أيضا بروز أول جيل من القراء. يقول الأنصاري في عبارة ملهمة جدا في تلك اللحظة: “إن تأسيس أسرة الأدباء والكتاب لم يكن ممكنا فيما سبق وإن كان الشعراء والكتاب موجودين إلا أن بيئة القراءة والتلقي لم توجد بعد، أما وقد وُجدتْ فقد حان وقت تأسيس الأسرة”.

كما تشكلت هذه المجموعة أيضا في زخم التحولات العربية والعروبية أولا مع المد الناصري ثم مع انعطافات ما بعد هزيمة 1967 من الفكر القومي إلى اليسار بشقيه الماوي والسوفيتي. كما تزامنت مع بروز الصحافة كمنبر مهم جدا خاصة الأضواء وأخبار الخليج ومجلة صدى الأسبوع حيث كان لهذا المنبر دورهُ في نشر هذه التجارب المفارقة والمغايرة للسائد الثقافي والأدبي ليس فقط في البحرين بل في حوض الخليج العربي بأكمله.

وبالإضافة إلى هذا الملمح على صعيد الإيقاع حيث تم هجْرُ العمود كليا في نتاجات هذه المجموعة المبكرة المتمثلة في دواوينها المنشورة الأولى والاتجاه إلى الشعر الحر، فقد كان الملمح الأبرز على صعيد الشكل هو الرمزية وأما على صعيد المضمون فهو اتجاه الواقعية الاجتماعية أو الاشتراكية والمعنية بالوطن والإنسان وعذاباته، وهي ملامح بالتأكيد تتواصل في سياق واحد مع الموجة الشعرية نفسها التي كانت في المراكز الثقافية في المشرق العربي: بغداد، القاهرة، بيروت ودمشق.

إن الاهتمام بـ (ما) نكتب كان أكثر من الاهتمام بـ (مَ) نكتب باعتبار أن (ما) هي الموضوع الوطني والإنساني و (مَ) هي الإيقاع و العلاقة الجوانية بين عناصر النص.

نعم صحيح أن العلاقة مع موضوعات الوطن والإنسان والطبيعة والمرأة لم تعد منذ هذه اللحظة هي تلك العلاقة الخطية بين الواصف والموصوف كما كانت لدى الجيل الأسبق من الشعراء الإحيائيين والرومانسيين، بل حدث ذلكم التداخل بين الذات الشاعرة وموضوعها في تبادل مواقعهما وتداخل أحدهما مع الآخر، إلا أنه كما سنرى في قراءتنا للموجات اللاحقة ظل الموقف الوطني والإنساني لدى هذه المجموعة وصوت الضحية إزاء صوت الطاغية أو المقموع تجاه القامع من الوضوح بمكان.

لا يداخلنا الشك في شيء – خاصة الشك في النص – ونحنُ نقرأ القصيدة السبعينية بكل ما هي مشحونة به من اليقين بالبطل الإيجابي. وليس صدفة أن هذه المجموعة ستختار ترويسة لأسرة الأدباء والكتاب هي (الكلمة من أجل الإنسان) وستكون عناوين دواوينها الشعرية الأولى مشحونة بهذا الوهج الثوري (أنين الصواري) علي عبد الله خليفة، (الدم الثاني) قاسم حداد، (الرعد في مواسم القحط) علي الشرقاوي، (عاشق في زمن العطش) عبد الحميد القائد، (من أين يجيء الحزن) علوي الهاشمي، (أغاني القرية) يوسف حسن، (إليك أيتها الوطن إليك أيتها الحبيبة) سعيد العويناتي، (عذابات أحمد بن ماجد) يعقوب المحرقي.

وبرغم هذا القدر من التعميم الضروري الذي تفرضه طبيعة الورقة كمقدمة أو كمدخل، إلا أنني أسمح لنفسي بالقول إن علوي الهاشمي في ديوانه الأول تميز ربما لوحده من بين شعراء تلك المجموعة بذلك الحس المتفرد تجاه موضوع المرأة والذي كان لا يزال يمتح من العشق الرومانسي لكن المندغم مع الحس الوطني والاجتماعي في وقت كان فيه ذلك الحب في غير موضوع حب الوطن يشكل بنحوٍ ما (تابو) إلى حد تعرض علوي الهاشمي إلى نقد زملائه في أتون ما اُعتـُبر معركةً على الشاعر أن يخوضها دفاعا عن الإنسان والوطن وألا يلتفت إلى غير ذلك. كان ذلك هو التعبير الأدبي عن الشعار السياسي الذي كان رائجا إلى وقت قريب وهو “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”.

سوف يثبتُ لنا فيما بعد أن علوي استبق تحولات هؤلاء الشعراء إلى التصالح مع رمزية المرأة معشوقةً في الشعر الحديث. بعد نحو عقدين من الزمن سوف يتندر بسخرية لطيفة كل من أمين صالح وقاسم حداد في نصهما المشترك (الجواشن) – 1989 – دار توبقال -بعبارة لافتة تغمز من قناة الطهرانية الأيديولوجية بالإشارة في النص المذكور إلى زمن كانت فيه “ممارسة الحب ما تعتبر عادة برجوازية” !!.

2. شعراء الثمانينيات وهم الذين ولدوا على الأغلب في نهاية الخمسينيات وبرزت أولى كتاباتهم أو صدرت أولى دواوينهم في النصف الأول فالثاني من عقد الثمانينيات في القرن العشرين. وهنا أشير بشكل أساسي مثالا لا حصرا إلى كل من: أحمد العجمي، إيمان أسيري، أحمد مدن، فوزية السندي، جعفر حسن (تحول فيما بعد إلى الكتابة النقدية مُنصرفاً عن الشعر).

وأنوه هنا أن جميع التجارب المنشورة في هذه المجموعة كانت تتجه إلى قصيدة النثر. بل إن هذا الجيل يتميز بأنه لم ينشر أي ديوان تفعيلة فيما عدا أحمد مدن والذي هو الآخر قد اتجه إلى قصيدة النثر لاحقا.

أجدُ أنهُ من المهم هنا أن أشير إلى أني لا أتكيءُ نقديا على التفريق بين أشكال الإيقاع الإطاري، العمود والتفعيلة والنثر، إلا بالقدر المحدود جدا الذي ألفتُ فيه النظر إلى تجرؤ التجربة على المغامرة في الشكل دون أن يعني ذلك بالضرورة تمييزا يتعلقُ بالجودة.

وبرغم أن الهم الوطني والإنساني سيظل يطبع بطابعه تجارب هذه المجموعة خاصة بدايات أحمد العجمي وإيمان أسيري، إلا أنه مقارنة بمجموعة التأسيس فقد بدأنا نشهدا زيادة نسبة الذاتية والتحول من الديالوج الخارجي إلى المونولوج الداخلي وهنا تم بالضبط تدشين التحول من الاهتمام بـ (ما) نكتب إلى الاهتمام بـ (مَ) نكتب.

3. شعراء التسعينيات وهم الذين ولدوا على على الأغلب في النصف الأول أو بعد النصف الثاني بقليل من الستينيات ونشرت أولى كتاباتهم في الصحف في منتصف الثمانينيات وصدرت أولى دواوينهم مع منتصف التسعينيات من القرن العشرين وهنا أشير بشكل أساسي مثالا لا حصرا إلى كل من: حسين السماهيجي، كريم رضي، نبيلة زباري، ليلى السيد، بروين حبيب، علي الستراوي، محمد البنكي، محمد الحلواجي، زهرة المدبوح، فاطمة التيتون، نعيمة السماك. ونلاحظ أن كلا من كريم رضي و حسين السماهيجي.

إن قصة شعراء التسعينيات هي قصة التشظي الذي بدأ يعوّم قراءة التجربة. جاءت من رحم تحولات عربية وعالمية أدت إلى ظهور الإسلام السياسي وإلى انهيار المعسكر الاشتراكي في نهاية الثمانينيات وسقوط جدار برلين و وصول ارتدادات موجة ما بعد الحداثة عالميا بكل ما يعنيه ذلك من زعزعة اليقينيات العقلية والمادية وبروز التراجع إلى التراث واستنطاقه سواء على صعيد الموضوع متمثلا في استلهام الرمزية الصوفية والقرمطية خاصة كما في تجربة حسين السماهيجي أوالتقاطع مع التاريخ الإسلامي وأحداثه وشخصياته كما في تجربة كريم رضي أو نوستالجيا القرية الوادعة التي مسحتها بلدورزات الحداثة كما عند علي الستراوي أو على صعيد الإيقاع متمثلا في العودة إلى العمود مع حضور واسع للتفعيلة في تجارب حسين وكريم . هذا بينما تميزت تجربتان شعريتان نسائيتان ضمن هذا الجيل بملمحين يناقض كل منهما الآخر حيث اتجهت نبيلة زباري إلى رومانسية الرضا فيما اتجهت فاطمة التيتون إلى رومانسية السخط. وأيا يكن، فإن هذه المجموعة قد ذهبت بعيدا في الفردانية بحيث بدأ منذها التنظير إلى أن ما لدينا اليوم ليس بنى شعرية قارة يمكن أن تشكل ظاهرة شعرية تبنى عليها قوانين كما كان الحال مع شعراء التأسيس في السبعينيات بل نحن أمام شعراء منفردين إلى حد كبير، انفراد أدى إلى تباعد كبير في الشكل. ففيما عدا حسين وكريم (الوزنيان)، قد كتب محمد البنكي وفاطمة التيتون وعلي الستراوي وليلي السيد وزهرة المدبوح ومحمد الحلواجي ونعيمة السماك وبروين حبيب قصيدة النثر، وتباعد في المضمون أيضا بين الوطني والفلسفي وبين الذاتي الخاص جدا، وتباعد في النوع نفسه فقد تشظت هذه المجموعة إلى مسارات أخرى حيث ذهب المرحوم محمد البنكي وبروين حبيب إلى النقد وذهب آخرون كانوا بدءا ضمن هذه المجموعة إلى التأليف والإخراج المسرحي أو تصميم الأزياء أو العمل الإعلامي.

وقد كان أهم حدث عاصرتْهُ هذه المجموعة في فتوّتها هو حدث غزو العراق للكويت وما خلفه من انقسام بين “الآباء المؤسسين” لأسرة الأدباء والكتاب وانعكاس ذلك الانقسام على جيل الأبناء بحسب تعدد البنوّة الشعرية، كلٌ لحق بأبيه. كما كانت ولادة صحيفة الأيام في هذه الفترة منبرا مهما قل نظيره في الفترات السابقة لتبرز هذه المجموعة بكتاباتها.

4. شعراء الألفية الثالثة وهم الذين ولدوا على الأغلب في منتصف السبعينيات إلى النصف الأول من الثمانينيات من القرن العشرين ونشرت أولى كتاباتهم وصدرت أولى دواوينهم في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين وصولا إلى نهاية هذا العقد وهنا أشير بشكل أساسي مثالا لا حصرا إلى كل من: مهدي سلمان، علي الجلاوي، فواز الشروقي، أحمد الستراوي، وضحى المسجن، منى الصفار، سوسن دهنيم، حسين فخر، فاطمة محسن، جعفر الديري، عبد الله زهير على أن هذا الأخير هو أقرب بحكم المجايلة إلى الجيل اللاحق من الشعراء. ويجدر التنويه هنا إلى أن جميع تجارب البدايات الأولى في هذه المجموعة بلا استثناء كانت تتجه إلى الموزون (العمود والتفعيلة) فيما عدا منى الصفار و سوسن دهنيم.

لقد شهدنا لأول مرة في تاريخ الشعر الحديث في البحرين هذا العدد من شاعرات التفعيلة المجيدات، وضحى المسجن، فاطمة محسن، وزينب المسجن ، سوسن دهنيم بينما كان هذا الإيقاع يأتي في مرحلة السبيعينات على تردد وخجل في تجربة نسائية واحدة فقط هي حمدة خميس والتي سرعان ما ضجرت منه وانطلقت إلى النثر.

وعلى صعيد المضمون فقد كان الوطن والمرأة والحب يمثلون مساحة بارزة من تجارب هذا الجيل.

وعدديا كانت هذه هي أكبر مجموعة بين جميع المجموعات التي سبقتها يُعتد بنتاجها مع تباينات طفيفة في تاريخ الشعر الحديث في البحرين. فإذا ما عدنا إلى المجموعات السابقة سنجد التجارب المكرسة والمتواصلة جدةً وجودةً وجديةً تتناقصُ معع مضي الزمن، بينما مع هذه المجموعة استمر الشعراء في حضورهم وقوتهم بمستويات متقاربة إلى حد كبير في الإنتاج والجودة.

و لحسن حظ الباحث فقد حظي عدد من شعراء هذه المجموعة بإصدار مشترك أصدرته أسرة الأدباء والكتاب بعنوان (في صحة الفراغ) الذي تم إصداره في عام 2007 ضمن فعاليات مهرجان الشعر العربي الأول للشباب الذي نظمته أسرة الأدباء والكتاب في إطار الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب.

لقد برزت هذه المجموعة في ظل حدثين مهمين جدا على الصعيد السياسي والاجتماعي يفصل بينهما نحو عقد كامل من الزمن.

أولهما هو الإصلاح والانفراج السياسي الذي بدأ مع بدء الألفية الثالثة في العهد الجديد للحكم والذي أطلق مجموعة من الآمال و في نفس الوقت أسس أيضا لخيبات أمل نظرا لأنه رفع سقف التوقعات في فضاء بدت فيه السماء للكثيرين قريبة جدا من متناول اليد!!.

أما ثانيهما فهو اندلاع أحداث ما عُرفَ بـ “الربيع العربي” في عام 2011 حين كانت هذه المجموعة في مسافة بين نهاية العشرينيات ومنتصف الثلاثينيات من العمر. وقد كان لجزيرة صغيرة مثل البحرين هي دائما في مهب التحولات العربية نصيبها من “الربيع” والذي كان مخاضا له ارتداداته الإيجابية والمدمرة أيضا على التجربة الشعرية في العالم العربي بأكمله تماما ككل تحول عظيم.

كانت هذه آخر مجموعة مارست في بداياتها تلك الكتابة شبه الجماعية التي تتأسس عبر تناص تجربة مع أخرى، نتيجة الحوار العميق أحيانا وحتى السطحي أحيانا أخرى فيما بينها، وهو ما أسميه بـ (الاجتماع الشعري)، وأقصد بذلك أي ممارسة التجربة في ظل تواصل في الكتابة والاستماع بين أفراد المجموعة داخل أسرة الأدباء أو خارجها.

هذا (الاجتماع الشعري) الذي برغم فردانية كل شاعر يسمح بمراقبة وقياس ظاهرة شعرية متجانسة في الإيقاع و المضمون والذي اتخذ كما ذكرنا من الحب والمرأة والوطن مكونات أساسية للتجربة.

تجدر الإشارة هنا إلى تحول في مقاربة الحب بشكل جميل وحميم خاصة في تجارب الشاعرات بعد أن كانت النسوية المفرطة لدى الشاعرات والطهرانية المفرطة لدى الرجال تجعل من الحب موضوعا من التابوهات فيما مضى أجيال الشعر الحديث كما ألمحنا إلى ذلك سابقا.

لقد استمر تقليد (الاجتماع الشعري) منذ تأسيس أسرة الأدباء والكتاب عام 1969 إلى هذه المجموعة من الشعراء وعنينا شعراء الألفية الثالثة وكان هناك دائما ما يشبه تسلم الشعلة الأولمبية الشعرية في تتابع المسيرة من جيل إلى آخر.

كانت وسائل التواصل الاجتماعي والهاتف الذكي لم تصبح بعد بالزخم الذي هي عليه اليوم، وكانت المنتديات الأدبية والاجتماعية هي الفضاء الافتراضي الأوسع استيعابا للشعر والفنون المتقاطعة معه وهو ما شكل منطلقا واسعا لبروز هذه التجارب.

ومع أن قسما كبيرا من هذا الجيل من الشعراء جاءوا من حواضن دينية إلا أنهم أبلوا بلاء حسنا لما اتصلوا بالتجربة الحداثية وأضاف المخزون الديني والتراثي إيقاعا ومضمونا إلى تجاربهم بالإضافة إلى اتصالهم بمن سبق من رعيل التأسيس، زد على ذلك معاصرتهم لتحولات سياسية واجتماعية كبرى لا زالت مفاعيلها في السياسة والثقافة نشطة حتى اليوم.

5. شعراء اللحظة الحالية وهي الموجة الأخيرة وهم الذين ولدوا ما بين منتصف الثمانينيات حتى نهاية التسعينيات من القرن العشرين وصدرت أولى كتاباتهم ودواوينهم في العقد الثاني من الألفينات في القرن الحادي والعشرين أي ما بعد موجة الربيع العربي.

وهنا أشير بشكل أساسي مثالا لا حصرا إلى كل من: حسين أبو صفوان، سيد أحمد العلوي، جعفر الحايكي، جعفر العلوي، رنوة العمصي، سمية جميلي، إيمان الشاخوري، ملاك لطيف، زينب مرضي، إيمان سوار.

تميزت تجارب هذه المجموعة بتماهي الشكل بالمضمون إلى حد كبير. الكتابة بوصفها هي موضوع نفسها صارت هي التي تحتل مساحة أكبر. الذاتية المفرطة والتي للمفارقة تتناقض مع كل هذا الانفتاح الذي يتيحه الفضاء السايبري على العالم.

إنني حين أنظر إلى هذه المجموعة أتمثل دائما سداسية رومان جاكبسون والتي جعل منها عناصر للعملية التواصلية وهي الرسالة، المرسل، المرسل إليه، السياق، التلقي أو فك الشفرة، القناة أو الأداة.

إن هذه المجموعة بلغ حجم أهمية العنصر الأخير أعلاه من سداسية جاكبسون وهو عنصر القناة أو الأداة أنه غطى على أهمية كل العناصر الأخرى.

لما اندلعت أحداث الربيع العربي كانت هذه المجموعة بالكاد في قبل أو بدايات سن المراهقة ولم تمثل لها هذه الأحداث شيئا ذا بال في تجربة المعايشة والكتابة. كما أن الانفجار السايبري في وسائل التواصل الاجتماعي والحضور الهائل للهاتف الذكي جعل هناك ظاهرة جديرة بالانتباه وهي أن الوسيط Median بسعته وتنوعه كان أكبر بكثير مما هو مطلوب لعرض المنتج. خلق هذا ولا بد بغض النظر عن إرادة المنتج / الشاعر عرضا يفوق الطلب، فهناك كل هذه الجدران الافتراضية المشعة متاحة مجانا بلا قيد أو شرط، بلا خشية من محرر القسم الثقافي واشتراطاته في الجريدة، ولا من السعر الذي يضعه الناشر لإصدار كتاب ولا من تدخل دكتور الجامعة في تقييم قصيدة ولا من مدير قسم الشعر في المننتدى الأدبي. صار القرار للشاعر فحسب. ليس مستغربا في جو كهذا أن يكون عنصر القناة أو الأداة من سداسية جاكبسون هو الأهم.

وأختم هنا بالإشارة إلى أهم إشكالية تواجه هذه المجموعة الأخيرة والتي يفترض أن أتوسم فيها مستقبل الحركة الشعرية في البحرين. هذه المشكلة أو الإشكالية هي في الوقت نفسه ميزة هذه المجموعة أو هكذا يفترض أن تكون ولكن كيف ذلك؟

الاجتماع الشعري: أتكلم عن مصطلح الاجتماع الشعري لا بمعنى Poetical Meeting أي على شكل جلسة شعرية مثلا لقراءة الشعر ونقده. أستخدم هنا مصطلح الاجتماع الشعري بمعنى Poetical Sociology وهو ما أعتبره نشأ مع حركة الحداثة الطليعية غداة التحول من المرحلة الرومانسية إلى المرحلة الرمزية على يد كوكبة ممن قادوا هذه المرحلة وأسسوا أسرة الأدباء والكتاب مع نهاية الستينيات وبداية السبعينيات في القرن العشرين. أعني ما اصطلحنا على تسميته ب (التيار) والذي لا يمكن الحديث عنه أبدا دون رافعة إيديولوجية تجعل من هذه المجموعة موجة تؤسس لمرحلة جديدة وتقطع مع المرحلة السابقة عليها.

صحيح أننا ومنذ انهيار المعسكر الاشتراكي مع نهاية الثمانينيات في القرن العشرين نشهد تراجعا في أهمية البعد الإيديولوجي كعامل مؤثر في صناعة الشعرية لجيل معين، غير أن هناك مصطلحا آخر يتخذ بعدا أكثر أهمية وهو مصطلح العقيدة. أميز هنا بين الأيديولوجية والعقيدة Ideology and doctrine فالأولى تشير إلى ميكانيكية مبتذلة بين البنية الفوقية والبنية التحتية للفكر كما هي في الماركسية المدرسية، أما الثانية فهي تشيرإلى رؤية تشكل من جهة وتتشكل من جهة أخرى. تشكل الشاعر وتتشكل منه أثناء الممارسة. إن هذه الحظوة التي نعُمت بها المجموعات السابقة ظلت تتضاءل في خط بياني منحدر منذ السبعينيات حتى الألفينات. نجد هنا أن هذا الانتقال بين عناصر سداسية جاكبسون من أهمية الرسالة والمرسل والمرسَل إليه والسياق والشفرة إلى أهمية العنصر الطاغي اليوم وهو قناة الاتصال قد عمل من ناحية على تقليل المحو أو التأميم الجماعي للتجربة الفردية إلى درجة سحق الموهبة الفردية تحت اشتراطات الفرمان الإيديولوجي السياسي والاجتماعي ما جعلنا نشهد اليوم هذا الانفجار الفردي في تقنيات النص وصولا اليوم إلى اتجاه ما وراء النص Meta Text وهذا أمرٌ إيجابي جدا. لكن هذا أيضا من ناحية ثانية عطل كثيرا ملكة صناعة العقيدة الشعرية التي كانت دائما رافعة الموجات الشعرية السابقة مثل الواقعية الاشتراكية والسيريالية وغيرها.

إنه ما لم تلتفت هذه المجموعة إلى أهمية صياغة هذا الـ Doctrine العقيدة عبر اللقاءات المباشرة والحوارت المعمقة بين التجارب الفردية واستعادة فضيلة النضال – وإن ليس السياسي بالضرورة – الذي كان أيقونة الجيل المؤسس، فلن تحفر هذه المجموعة طريقا يمثلها كجيل له بصمته في تاريخ صناعة الشعر في البحرين.

(6)

ما لا أمسكُ به

أحمد العجمي

أيَّ بابٍ سأفتحُ وأيَّ نافذةٍ سأغلقُ؟! عقلي يبحثُ عن النقطةِ التي أتحرّكُ منها لأنجوَ من الغرق. مع ذلك لن أكونَ بعيداً عن احتماليّةِ التشوّشِ حين أتجرأُ على كشفِ علاقتي بالشعر.

لا شيءَ غير الموهبةِ قادرٌ على الإفصاحِ عن إمكانيةِ الوجودِ داخلَ الشعر؛ فانعدامُها يعبرُ بالمحاولةِ إلى الضياع. والموهبةُ تحتاجُ إلى بصيرةِ الاكتشافِ بدقةٍ ووضوحٍ من حاملِها أولاً، وأيُّ خطأ ولو هامشي سيجرفُ القدمَ إلى الانزلاق.

قد لا يكفي أن ترفعَ الموهبةُ ريشتَها لكَ؛ إنّما يتحتمُّ أن لا تغفلَها ولا تؤجّلَ اللعبَ مع إشاراتِها بشغفٍ ووعي واجتهاد. التقاعسُ يغبشُ الطريقَ ويُفقدكَ الكنز.

البيئةُ الثقافيةُ الغنيّةُ بأصواتِ وأصداءِ الفنِّ والشعرِ عبرَ صورِها تمنحُ الحماسَ الممكنَ والطاقةَ للبدءِ في المشروعِ داخلَ المخيّلةِ الراسمةِ للمسارِ وللصيرورةِ المستقبليّةِ. والخطأُ الجسيمُ هو الاكتفاءُ بالتفرّجِ على الموجاتِ التي تصطدمُ بروحكَ وقلبكَ وعقلك.

بالإرادةِ الواعيةِ والضروريّةِ تنفتحُ الأقفالُ المانعةُ وتتسعُ الرؤيةُ مما يجعلُ الضبابَ يتحلّلُ، والجمالَ يستدرجُكَ إلى دوّامتِه.

الإصرارُ على التحدّي يُحرّرُ العقلَ من الموانعِ ويدفعُ بموهبتِكَ إلى إشعالِ مصهرِها لإظهارِ اللامرئي من الفائضِ الفنّي، وإلى تخليصِكَ من قلقِ الشعورِ بالهشاشةِ التي هاجمتكَ في البدايةِ.

القراءةُ تدفعُ العجلةَ على المرتفعاتِ وتنظّمُ منحنى النمو والتطوّر؛ بغيابِها أو حتى بفقرِها تجفُّ المخيّلةُ، ويتجعّدُ الشغفُ، وتنحسرُ مياهُ اللغةِ، وتضمرُ الموهبةُ. القراءةُ دمُ يُغذّي عروقَ السفرِ ويرفعُ مهاراتِها في التعاملِ مع اختلافِ الطقوسِ والعوائق.

داخلَ التمارين المتواصلةِ والمتنوّعةِ على الكتابةِ يسكنُ الزمنُ الربيعي المحتاجُ إلى التعمّقِ والسيلانِ، وفي الخارجِ يكمنُ التقهقرُ. الشعرُ له عضلاتٌ ومفاصلُ ينبغي الزّجُ بها في الحركةِ.

للفوزِ بالتحدي يلزمُ وجودُ محطاتٍ ومواقفَ نقديّةٍ ومراجعةٍ للتجربةِ من أجلِ طردِ الثباتِ ولتنظيفِها من الإخلالاتِ والتراخي، ومن أجلِ رسمِ فضاءاتٍ مغايرةٍ للتحليقِ فيها.

أطيافُ الطفولة

الطفولةُ بؤرةُ التكوينِ؛ في مرحلتها تتجمعُ العناصرُ والأطيافُ المؤثّرةُ لتثريها ولتخلقَ منها روحاً خصبةً للزمن القادمِ ولصيرورة الوجودِ. وكلما كانت موجاتُ الأطيافِ متنوعةً ومركزَةً أبانت الخطوطَ والعتباتِ المستقبليّةَ.

تراتيلُ وتجاويدُ القرآن تتدفقُ بسحرِها، والأغاني تتفجّرُ بألحانِها، والأشعارُ المأتميّةُ تتفايضُ على طُرقِها، والأناشيدُ المدرسيةُ ترفعُ من لذةِ التلقي. كلُّ هذه الرياحِ والنسائمِ تنسجُ الشبكةَ وتُصفّي الخيالَ وتدفعُ الفضولَ إلى التوغّلِ أعمق في شقوقِها.

الحياةُ الاجتماعيةُ والثقافيةُ اليوميّةُ بتنوّعاتِ أنشطتِها وأجراسِها وطقوسِها وخرافاتِها وأساطيرِها تغذي العقلَ والقلبَ بما يتناقضُ وبما يُغري باقتحامِه. المعرفةُ تملأُ الفراغَ وتنمّي القدراتِ وتوضّحُ دوائرَ الشغف.

كرمُ الطبيعةِ يشتغلُ بصورِه وتناثرِه على إغناءِ المائدةِ الطفوليّةِ وإكسابِها التصوراتِ المتناغمةَ بين التضاريس السائلةِ والصلبةِ، بين جنونِ البحر ومهادنةِ البيئةِ اليابسةِ. العنفوانُ يتمُ صقلُه بآلياتِ التعامل والتكيفِ والانسجامِ مع تنوعاتِ الطبيعة في جغرافيتِها، وفي كائناتِها، وفي ألوانِها وفي حراكِها الحيوي الذي يُنضجُ البصرَ والمخيّلة.

الإصغاءُ إلى هذه البراكينِ المتعاونةِ يراكمُ البصيرةَ والتحدي، ويؤمّنُ التوتراتِ والقلقَ والأحلامَ، ويهندسُ الرؤيةَ والرؤيا الآتية. إنّه يدفعُنا بإلحاحٍ إلى ما سنكون.

العبثُ الجميلُ

الرسمُ يُخرجُني من الكسلِ ويُريني العذوبةَ، يحثُّني على التجوالِ للبحثِ عن الإشباعِ والإرواء، يقوّي روابطي بالحياةِ. صرتُ طفلاً يمارسُ الذوبانَ في البصرِ، في موسيقى الخطوطِ والألوانِ. الاستمتاعُ بهذا اللعبِ غذّى تصوراتي الهشةَ عن الوجودِ، ودرّبني على خلقِ الصورِ وبناء ظلالِها البعيدةِ.

وضعتني تجربةُ الرسمِ في الطفولةِ على مدارِ الاكتشافِ والبوحِ، وألهمتني مهارةَ الانحيازِ للجمالِ المهملِ. لقد حققتُ انتصاراً نفسيّاً على الواقعِ.

لم يفصلني الرسمُ عن الشعرِ وإن تقدّمَ على خطوتِه؛ وهذه من اختباراتِ الطفولةِ واندفاعتِها. بل هيأ الرسمُ خارطةً لدهشةِ الشعرِ وأخذَ يناديه عبر الصورِ ومغامراتِها، خاصةً وأنَّ في روحي عمقاً يستقبلُ تدفقاتِ الشعرِ بهدوءٍ وحب. شغفتُ بقراءة الشعرِ والاستماعِ إليه في المدرسةِ، وحفظتُ منه ما فُرضَ عليَّ وما أحببتُ.

سارَ الشعرُ معي بصورةٍ خفيّةٍ كطاقةٍ تنتظرُ موعدَ الانبثاق. مُحرّكُه يرفضُ التراجعَ ويكتفي بالتباطؤِ المتوازنِ الذي يُوفّرُ السلامَ والتحريضَ على التجربة.

انكسارُ القشرة

أن أصبحَ أنا، يتطلّبُ الأمرُ جرأةً في مناخٍ ملائم، يحتاجُ حضانةً يقظةً تعرفُ معنى المغامرة والتوّرط. لاشيءَ يمنعُ مرورَ الهواءِ الجديدِ من النافذة.

حدثَ هذا الالتفاتُ للشغفِ الشعري وتجربتِه مع بدايةِ الدراسةِ الجامعيةِ؛ هذه المرحلةُ الخصبةُ في اكتشافِ نفسي وما أضمرُه وما يمكن قدحهُ من الداخل.

مع بداية انخراطي في عضويةِ الاتحادِ الوطني لطلبة البحرين فرع الكويت (1976) شرعتُ في تجريب الكتابة الشعريةِ كأغانٍ وطنيةٍ، وشرعتُ في الاطلاعِ على مشاريعَ شعريةٍ لشعراء لم أعرفهم من قبل، وعلى أنماطٍ كتابيةٍ حرّكتِ الروحَ للتقدّمِ أكثرَ، وللتوغّلِ في ديمومةِ التحدّي منذُ تلكَ الشرارة.

جاءَ انتسابي لأسرةِ الأدباء والكتابِ في البحرين وتعرّفي على أعضائها، وعلى اهتماماتهم وشغفهم وأحلامهم الأدبية ليعزّزَ الخيارَ الذي جعلتُه صوتاً لي. وهناك بدأتُ أسمعُ الأصواتَ الشعريةَ وأصداءها، فحفّزتني على عدمِ التنازلِ عن اللامرئي من الأنوارِ البعيدة في الشعر.

من الضرورةِ أن أعبرَ السكونَ كي أُلامسَ الزمنَ وإشعاعاتهِ المستقبليّةَ، ومن الضرورةِ أن أصرخَ لأفتّتَ الفراغَ المغلقَ المواجهَ لكينونتي. ولا يمكنُ تحقيقُ هذه القفزة بدون طباعةِ ديوانٍ يريني عتبةَ السلّمِ.

عام (1987) أنتجتُ ديواني الأول بعنوان (إنما هي جلوةٌ ورؤى) كتجربةٍ قطعتْ علاقتي بالأوزان والتنغيم، وجرجرتني إلى فضاء قصيدةِ النثرِ التي لم أجرّبها من قبل، والتي رسمت لي حياةً جديدةً في الشعر، أخلصتُ لها.

وفي هذا الأفقِ تواصلتِ الورطةُ المحبّبةُ لديَّ بإصداراتٍ أُخرى لها ذاتُ المياسمِ الأسلوبيةِ والرؤيويّةِ؛ وتمثّلتْ في ( نسلُ المصابيحِ – المناسكُ القرمزيّةُ – زهرةُ الرّوع). ومن خلال هذه الإصداراتِ الأربعةِ التي تحملُ أطيافُها غيوماً سرياليةً تعزّزَت لديَّ مهارةُ الاقترابِ من النار وتسلّلت إلى مُخيلتي فكرةُ الغرقِ في التزامِ الشعرِ بشعريته لا بشيءٍ آخر.

بعدَ تحقّقِ الإشباعِ في هذه التجربةِ خرجتُ منها إلى تجريبٍ آخرَ مغاير عن صلابتِها ولكنّه متصلٌ بهواجسِها؛ حدثتِ الانعطافةُ بديوان العاشق عام (1997)، الذي أغرى التجربةَ بالبناءِ عليه وتجاوزه.

تسلسلتِ الورطةُ وتفاقمَ الانغماسُ فيها عبرَ عددٍ من الإصداراتِ الشعريةِ المتنوّعةِ والمتتابعةِ، رغمَ المعوقاتِ المتآزرة، حتى تجاوزتِ الثلاثين إصداراً عندَ هذه اللحظةِ. وانقسمت هذه الإصداراتُ بين الورقي والرقمي، وآخرُ إصدارٍ ورقي هو (أناشيدُ البيضِ الفاسد).

تنوّعُ القراءاتِ في اختلافِ المجالات، وعدمُ اقتصارِها على الشعرِ أو الأدبِ أفادني وأثرى معجمي ولغتي وأفكاري وخيالي، ووسّع وعمّق من آفاق تصوراتي عن العالم وعن الوجود وعن الأنا.

واهتممتُ كثيراً بقراءةِ الشعرِ المترجمِ من الثقافاتِ والتجاربِ العالمية، ومن جميع القارات؛ وهذا التواصلُ منحني اتصالاً وتعالقاً بما يمكن للعقلِ والخيال الشعري العالمي أن يختلفَ أو يتشابهَ فيه، كما زوّدني بمشهدٍ جامعٍ لمفهوم الشعر ولطرائقَ وأساليب الكتابةِ والتخليق.

أعترفُ بأنّ ولعي بالفنِّ التشكيلي تسلّلَ إلى الشعرِ وأضافَ نكهته البصريّةَ في صورِه؛ فالصورةُ تكثّفُ سيلانَها داخلَ ما كتبتُ لتمنحَه انزياحاتٍ تأمليّةً ضدَّ التباطؤِ.

منذُ عام (1993) لم أتعاملْ مع القلمِ والورقةِ، وكانت كلُّ مجموعاتي الشعريةِ نتاجَ الشاشةِ الرقميةِ بشكلٍ مُباشرٍ؛ وهذا الانتباهُ المبكّرُ للسيلانِ الرقمي حفظَ لي ما أنتجتُه وسهّلَ عليَّ تحويلَه إلى كُتبٍ رقمية.

أرى الزمنَ يرتفعُ رقميّاً فاتخذتُ قراري بتحويل كل ما أنتجته إلى نتاجاتٍ رقميّة وقد أنجزتها. كما أنّني الآن أجدُ مزايا النشرِ الرقمي تتكاثرُ بلا عواطفَ وبلا امتثالٍ للحنينِ الورقي. أرى فضاءَ الإنتاجِ والنشرِ والتصفّحِ يذهبُ لأن يكونَ مُلكاً لخوارزمياتٍ رقمية، وأرى الأطفالَ سيستحوذونَ على مزاياه وجبروتِه.

لستُ غافلاً عن سحرِه

عليَّ أن أتساءلَ حولَ الأنا والشعرِ، عليَّ أن أتمعّنَ في الطاقةِ التي أمدّني الشعرُ بها، عليّ أن أقفَ أمامَ الهزّاتِ والأعاصيرِ التي وضعني فيها، عليَّ أن لا أثقَ في ما سأرى لأن الشعرَ دائمُ الهروبِ والتحوّل.

أنا مدينٌ له بحالتي الوجوديّةِ المتماهيةِ مع الطبيعةِ وما ورائها من عوالمَ تتناظرُ مع سحرها وغموضِها؛ لقد أدخلني أغوارَه الخياليةَ والحدسيّةَ والانفعاليةَ وتركني أرى بدونِ إبصار.

للسفرِ في مداراتِه زوّدني بطاقةِ التحدي للسائدِ والراكدِ اللذينِ يسحبانِ الوجودَ إلى التآكلِ والشلل، وأوصاني بمحوِ ما أراه من الموتِ، وبخلقِ ما يساهمُ في العصيانِ على الإحساس بالاكتفاءِ بما أُنجزَ من الدهشةِ والسحر.

مدَّ إشعاعاتِه لي في أوقاتِ الظلمةِ الوحشيّةِ وفتحَ طقوسَه لمغامراتي كي أتمكّن من تحويلِ الضغوطاتِ إلى لعبةٍ لغويّةٍ تُعيدُ هندسةَ الواقعِ وما بعدَه.

تعلمتُ من خلالِه فنَّ التلاعبِ بالآلامِ والانكساراتِ لتفادي الخساراتِ الصادمةِ ولتحويلِها إلى أصواتٍ تُعزّزُ روحَ المقاومةِ الفنيّةِ وتخيطُ الجروحَ المزمنةَ بضوءِ الأمل.

أراني ذاتي في عمقِها، وعرفّني على تناقضاتِها التي تتعايشُ بالاحتكاك بما هو في الخارج. أظهرَ لي كتلةَ الزخمِ التي أحتاجُها للسفرِ الجوّاني وأرشدَني إلى مكامنِ الماءِ والنارِ التي تغذّي الانفجاراتِ الروحيةَ ضدَّ الاختناقِ والاستسلامِ لألحانٍ مكرّرة.

وسّعَ من فضاءاتِ رؤيتي للإنسانِ في هويّاتٍ إنسانيّةٍ متنوعةٍ وغير متقاتلةٍ داخلَ شبكةِ الوجودِ؛ أراني صوري في الآخر، وصور الآخر فيَّ، وأتاحَ لروحي مقابلةَ صنوها البعيد ومحاورتَه بالفنِ والجمال وبعوالمَ مشتركة.

فتحَ لي الدهاليزَ المسكونةَ بالغرائبيةِ حتى أغرفَ منها ما يمنحُ حياتي ملامحَ غيرَ قابلةٍ للارتهانِ إلى ما يطفو من مرايا باهتةٍ تعكسُ الجمودَ، وحتى تتجدّدَ تأملاتي الباطنيّةُ وترسلَ صورَها إلى الأمَام.

من دونِه كنتُ سأقعُ في سذاجةِ الواقعِ وسأعجزُ عن النفاذِ إلى تصوراتٍ تخترعُ عوالمَ لا واقعَ لها.

قوّتُه حررتْ عقلي وروحي من ظلالٍ متوارثةٍ تفتقدُ الجمالَ السرّي الذي ينشدُه الإنسانُ، كما خلّصتهما من الرتابةِ القادرةِ على ابتلاعِ الزمن.

وهبني فضاءً ملأتُه بحطامِ الأيامِ لأبني كينونةً منتفضةً يستحيلُ أن تركنَ للنبرةِ المستساغةِ من أيِّ سلطةٍ أو سكون، وهب خيالي حججاً للهروبِ من صرامةِ الأُطرِ، ومن نغماتٍ لا تستطيعُ تجاوزَ الأبواب.

غيّرَ طُرقَ تفكيري، وجعلَ التمرّدَ على ما هو أصمُ محوراً في حركتي المترجمةِ للحريّةِ الممتلئةِ به.

أوجدَ الانسجامَ الغامضَ بيني وبين نبضِ الاختلافِ والمغايرةِ، كما عزّزَ عدمَ التوافقِ بيني وبين التوقِ إلى التشابه.

عشتُ فيه لحظات الفنَاءِ للاقترابِ من نفسي، وتعذّبتُ العذاباتِ الحارقةَ للحصولِ على الإرواءِ، ولم أكنْ قادراً على الإفلاتِ من نمطيّةِ الكينونةِ لولا اعتناؤه بما يتراكمُ فيها.

حماني من الانهيارِ تحتَ وطأةِ السائدِ الباردِ المحكومِ بالعنف والسوادويّة، ودرّبني على فنِّ التعامل مع المآسي وألغازِها وتحويلِها إلى ارتداداتٍ ترفعُ من أهميةِ الحياةِ خارجَ البؤس والسيطرة.

هذا قليلٌ مما رأيتُ خلالَ غرقي في الشعر الذي ما زلتُ أجهلُه ولا أستطيعُ تعريفه.

(7)

الشِعر، المتسكّع الأبدي في المدينة.

أحمد رضي

يقول شاعرٌ بحريني في إحدى لقاءاته الصحفيّة، بأنّه من الأوائل “الذين تغنّوا بحياة المدينة، وهذا بخلاف أغلبيّة الشعراء العرب الذين ينتصرون إلى الريف”. وعلى ما في هذا التصريح من تناقضٍ بين قصائده باللهجّة العاميّة المُغرقة في الحنين إلى التراث، وبين بعض قصائده بالفصحى التي تتصالح أكثر مع بيئة المدينة. يخفي هذا التصريحُ نزعةً مكبوتةً لايضاح أنّ انحيازه التامّ إلى المدينة هو نوعٌ من تقدُّميّة مُتقدِمة على التقدُّم!. ليسَ مهمّا في هذا المقال بحثُ هذا الزعم، بقدر ما سنعتبرهُ مدخلًا لبحث العلاقة بين الشعر والمدينة. فهل تكون القصيدة حداثيّة بالتصالحِ مع بيئة المدينة ورفض الريف؟.

وهل كان الشعراء العرب في رفضهم المدينة، بسبب جوهرٍ أصيلٍ في الشعر ذاته؟ أم كان نابعًا من انتقال غالبيتهم من الأرياف وتعقّد حياة المدينة بنظرهم؟ أم إنهُ بحث عن مدينةٍ أخرى، تقعُ في المستقبل؟. كل هذا سنجده في الشعر العربي، على اختلافه بين شاعرٍ وآخر.

فالأكيد أنّ أفلاطون لم يطرد الشعراء من مدينته الفاضله، إلا لأنهم ـ كما قال ـ يُغيِّرون في العلاقات الحاكِمة في مدينةٍ يَفْترضُ أفلاطون فيها أنّها بلغت مرحلة الكمال، ولهذا لن يكون لديه حاجة للشعراء في مدينته إلا بصنفٍ معيّن، ألا وهو الصنف الذي يتغنّى بمباهج هذهِ المدينة.

ماذا يقول أفلاطون عن الشعراء: “إنهم يتقنّعون باللهو البريء فيغيّرون في علاقات العامّة حتى إذا تمكّنوا من قلوبهم، انتقلوا للمعاملات الحكومية”. وهكذا ترفض كل يوتوبيا فاضحة أو متخفية أن يكون للشعر وجودٌ حتى في الهامش، فتحاربه أو تنفيه أو تهمّشه عبر عدم أخذه بجدية. أفلاطون على عكس مما نعرف عن عدائهِ للشعراء، لم ينفِ الشعراء من مدينته إلا بسبب إدراكه لدور الشعر المُهم والخطير. حيثُ يعرف الشعر بأنه “الكلمات المجنحه المقدسة”. فالشعر بطبيعته مثالي وينقل العادي للميتافيزيقي. وهذا آخر ما كان أفلاطون سيحتاجهُ في مدينته الكاملة.

و لكن لماذا يبدو الشعراء فعلاً، الأقلُّ تكيفًا مع بيئة المدينة، رغمّ أنّهم الأكثر تمثيلًا لها في الآن ذاته؟

سنرى هذا الاغترابَ يبدأ منذ تشكّل المُدن الأولى وتدويناتِ النصوص المقدّسة عليها.

برج بابل:

من أوائل الأبراج التي عرفتها البشرية “برج بابل” الذي كثُرت حوله الأساطير، فمنهم من يقول بأنه يعني “باب الإله”. بينما في التوارة اليهودية تعني شيئًا آخر، وهم كانوا آنذاك مجرد بدوٍ ساميين بهرتهم تلك المدينة وأشعرتهم بالغربة، فجاء في التوارة عن أبراج بابل: ” هَلُمَّ نَبْنِ لأَنْفُسِنَا مَدِينَةً وَبُرْجًا رَأْسُهُ بِالسَّمَاءِ. وَنَصْنَعُ لأَنْفُسِنَا اسمًا لِئَلاَّ نَتَبَدَّد عَلَى وَجْه كُلِّ الأَرْض». فَنَزَلَ الرَّبُّ لِيَنْظُر الْمَدينَةَ وَالْبُرج اللَّذَيْنِ كَانَ بَنُو آدَمَ يَبْنُونَهُمَا. وَقَالَ الرَّبُّ: «هُوَذَا شعبٌ واحِدٌ ولسانٌ واحِدٌ لجَمِيعِهِمْ، وهذا ابْتِدَاؤُهُمْ بِالْعَمَلِ. وَالآنَ لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهم كُلُّ ما يَنْوُونَ أَنْ يَعْمَلُوهُ. هَلُمَّ نَنْزِلْ وَنُبَلْبِلْ هُناكَ لِسَانَهُمْ حَتَّى لا يَسْمَعَ بَعْضُهمْ لِسَانَ بَعْضٍ”.

فتسمية البرج “بابل” من بلبلة اللسان، حيث يَكْثر في المدينة الخليط من كل الأجناس والألسنة واللهجات. ومنهم من يرى أنّ برج بابل قد أنشأه النمرود تمردًا على الإله.

كيف نقرأ اجتماعياً، هذا التراث الذي لا يستسيغ البناء العمودي الشاهق؟

أظنُّ أنّ هذا البناء لم يكن ليوجد لولا تكدُّس الثروة لأول مرة في التاريخ بيد شخصٍ واحد وهو الحاكم السياسي والديني، فكان هذا البرجُ رمزًا لانتهاء عصر القرى والحياة المشاعية. وربما هذا هو سرُّ كراهية إنسان ذلك العصر لمثلِ هذهِ الأبراج. ولهذا اعتبرتْ التوارةُ أن بلبلة اللسان هوعقاب من الرب إلى المدينة، لأنها بلغتْ من التطور ما يجعلها تنافسُ الخالق. ففي المدينة التي تجتمعُ فيها مختلفُ الأعراق والإثنياتِ نتيجةَ ازدهارها، يأخذها الزهو لتنسى أنّ التقدُّم لهُ وجهانِ: تقدُّمٌ تقنيٌّ، وتقدُّمٌ روحيٌّ.

هل تغيرت هذهِ النظرة كثيراً للمدينة ؟ ففي التوراة، هناك إعجابٌ مضمر بهذهِ المباني الفخمة، لكنَّ هناك خشية من أن يتطاول هذا البناء على الإله بما يمثله من قيمٍ أخلاقية.

لا يشعر بالغربة في المدينة إلا المُسْتبعَد منها. كما في قصة الكاتب البحريني أحمد المؤذن “من غابات الإسمنت” حيث بائع الملح العجوز، واعتيادًا منه على مهنته التقليديّة، يتجول بحماره في شوارع المدينة، فيتعرّض للنبذ. فلا المدينة تشتري الملح من الشوراع، ولا أنظمة المرور تسمح له بممارسة مهنته التي عفا عليها الزمن.

والمدينةُ إذ تتقدّم عمرانيًّا، أو تتطوّر. فإنها لن تقومَ إلا على أنقاضِ فئاتٍ يستبعدونَ منها، أو يُجبْرونَ على التكيّف معها بشروطِ المنتصرين. لاشك أنَّ المدينة بماديتها، وتعقدها، وتضخُّم جهازها الإداري، هي نقيض الحياة الفطريّة. المدينة كلما تعملقتْ كبَّلتْ الإنسان في حريته وبساطته وحيويته، وخاصةً حين يتكاثر فيها البناء العمودي الشاهق الذي يحجب الفضاء، فهو وإن دلَّ على قوة المدينة ومتانتها فإنه يقزِّم الإنسان الساكن فيها. فيزداد شعورهُ بالغربة والنفور. كما أن هذا البناء العمودي يؤدي إلى تكدُّس الناس في بقعٍ جغرافيةٍ ضيقة لينتجَ عنه الشعور بالازدحام، والزيف، والتسليع، والاغتراب.

فكيف يمكنُ للشعر أن يكون في بيئةِ المدينة؟

شاعرٌ في نيويورك:

بين عاميْ (1920 ـ1930) زار الشاعر الإسباني لوركا مدينة نيويورك، وأصدر بعد ذلك ديوانه الشهير ” شاعرٌ في نيويورك”، ويمكننا أن نتخيّل كيف لشاعرٍ موغلٍ في الحسيِّة والحماسة، وهو الذي تغنّي بالغجر وغرناطة الأحلام، كيف سيرى تلك المدينة وماذا سيلتقط من صورٍ فيها: “صورة القط الذي بترت مخالبهُ في الطريق السريع”، “الفجر الذي يئن تحت السلالم بعدما حجبته البنايات”، الضواحي التي تعيش فيها الأقليات المهمشة من السود والصينيين، اختفاء الروح تحت وطأة المكاتب والأرقام، الحيوانات التي تذبح بالملايين بمكائن الموت ببرودةٍ ميكانيكية لتغذية المدينة باللحم، السماء المبتورة المتهدّلة الفارغة، الجماهير التي تتقيأ جماعياً.

لقد رسم لوركا صورةٌ كئيبةُ بسوريالية كابوسية، وكأنّه يستشف ما سيصبحُ عليه العالم وهو يسير في رحلته نحو التمدن بلا رؤية إنسانية. وهي الصورة التي ضخّمها الشاعر”آلن غيتسبيرغ” لمدينة نيويورك في الخمسينات، واصمًا إياها بـ”المولوخ” ذلك الإله الأسطوريّ الذي لا يقبل سوى قرابين الأطفال محروقة على مذبحه.

فهل كان هذانِ الشاعرانِ رجعيّيْن بسبب رفضهما هذهِ المدينة؟ّ! أم إنّهما على العكس من ذلك؟! ربما يمكننا أن نتلمّس شيئًا من الجواب بالرجوع إلى مبتدأ القصيدة الحديثة في باريس.

ضجرُ باريس:

الشعر طاقةٌ حيويّة تصبو نحو التحرّر، وإنْ تمّ تدجينه فقد شعريته، ولهذا سيكون الشعرُ تعبيرًا عن الإنسانِ المُدجّن الذي لا يتمكّن من العيش كما كانَ في البيئة الطبيعيّة، ولا يستطيع التكيّف في قفصِ المدينة. وهو وإن تأثر بمظاهرها وأسلوب حياتها وكيّفها ضمن معجمه، مُغيّرًا بذلك في أشكالِ الكتابة، إلا أنّه لا بدّ ويحتفظُ بشيءٍ من السويداء في نصوصه. هي سويداءُ المغلوبين في الماضي والحاضر حين يتماثلُ معهم الشاعر.

فقصيدة النثر، التي نراها الأكثر تعبيرًا عن حياة المدينة وتعقّد علاقاتها. قد لا تكونُ مصادفةً أن ظهر هذا الشكلُ الكتابيُّ في مدينة باريس على يدِ بودلير، وذلك بعدَ قيام مُحافِظها “جورج أوسمان” (1809ـ 1891م) بتدمير مدينة باريس القديمة، بأزقّتها التي تسمحُ بالخطى المتمهّلة، وبنسجِ علاقاتٍ اجتماعيّة. وتحويلها إلى مدينة حديثة، قاطعةً علاقتها بماضيها القروسطي، وذلك وفق رؤية اقتصاديّة وأمنية. حيث الشوارعُ الواسعةُ والجادّاتُ الفارهة التي تسمحُ بانتقال أكثر سلاسة للبضائع، وتصبحُ أكثر صعوبةً لإقامة المتاريس التي كان ثوّار باريس يسدّون بها الأزقة. فأصبحتْ بذلك باريس ملتقى للهجرة، وللازدحامِ، وللتسليعِ. إذ أصبحتْ الشوارعُ تعجُّ بالمحلاتِ التي تعرض بأناقةٍ أحدث المنتجاتِ الاستهلاكيّة.

وحين هربَ كثيرٌ من الشعراء من هذهِ البيئةِ المُصنعة، العمليّة. نحو شعرٍ رومانتيكيٍّ ينسحبُ إلى الطبيعة. قرّر بودلير أن يكون المُعبّر عن زمنه، أن يكونَ المتسكّع الأبديُّ في المدينة.

فكما يقول الناقدُ “فالتر بنيامين”، هناك ثلاثةُ أصنافٍ من المارّة في الشارع، المتبطّل: الذي يتواجد في الشارعِ بلا غاية أو هدف، وهنالك العابر: الذي لا يكونُ الشارعُ بالنسبةِ إليهِ سوى ممرٍّ إلى وجهته، وهنالكَ المُتسكّع: الذي يمشي بخطى متمهلة، ومتأمّلة في ما حوله من حيوات وأشياء. بودليرُ” 1821ـ 1867م” هو هذا المُتسكّع في المدينة الحديثة التي بناها أوسمان، حيث ارتضى أن يرى المدينةَ كما هي، في خيرها وشرّها، أن يرى أوراق الوردة الجميلة فيها، وأن يرى جذور هذا الجمال في السّماد. ولذا نراهُ مفتونًا بمنتجاتِ هذهِ المدينة في مصانعها، دونَ أن يغفلَ عن عذاباتِ العُمالِ في صُنعها. وبخطاهُ المتمهّلة في شعرهِ النثري، أصبحَ يلتقطُ العابرَ مثل ابتسامةِ امرأة مغويّة عابرةٍ بين الزحام. فالمدينةُ العمليّة التي تخطو وئيدًا نحو وجهتها، والتي هي مزيدٌ من الوجهاتِ والخطواتِ. يصبحُ فيها لزامًا على الشِعر أن يغيّر من أسلوبهِ ولغتهِ ليكيّف هذا السريعَ المتبدّل، واضعًا إياهُ في كاميرا القصيدةِ البطيئة، وذلكَ دونَ أن يغفلَ عن الجوهريّ في ما هو عابرٌ وزائل. “كلُّ شيءٍ مَجاز”، كما يُصرّح بودلير، ولهذا سيجدُ الشعر في كل زوايا المدينة، بدءًا من محلاتها التجاريّة، وليس انتهاءً بالإنسانِ الذي تحوّل هو الآخر إلى سلعة، سواءً كانَ مومسًا، سِلْعتُها جسدها. أو كان إنسانًا نمّطتهُ المدينة، وجعلتْ منّه شيئًا للاستعمالِ، وحصرتهُ في ما يُمثلّه من مهنة، في زيّه وسلوكياته.

يغيبُ بودلير في زحام المدينة، لأنّه يرى فيهِ عزلةً أخرى، عزلةً بين الحشودِ التي لا روابطَ بينها. وفي ما يبدو، تبدو لهُ هذهِ العزلةُ أكثر وطأة من عزلةٍ تتجنّب الناس.

إلى ما يرنو الملاك الساقط؟ الذي صوّره في قصيدته. إنه مكبّل بالأرض، وفيما جناحاهُ قد كسرا، يرنو إلى السماء. إنّه متورطٌ في المدينة، ولهذا كان الأكثر تعبيرًا عنها. لأنّه يعبّر عما فقدته في الماضي، وعمّا ستفقده في المستقبل.

الاغتراب في المدينة:

لا شك أنّ الآلة أكثر كفاءة من الإنسان، المستشفيات تفتخر بأحدث الأجهزة الطبية، الجيوش بأحدث الأسلحة، الأفراد بأحدث الهواتف الذكية، الإدارات ذات الكفاءة العالية هي التي تشبه الآلات المعقدة، حيث الأفراد مجرد تروس داخلها، كل من لا يستطيع أن يكون ترساً، يسقط من الآلة معرضاً حياته للخسران. وأما محاولة عقد صفقة بين أن تكون ترساً في الخارج، وآدمياً من الداخل لن تنجح في الغالب، لأن للآلة تقنيات حديثة تكشف ما تفكر به قبل أن يرد لذهنك. ولأن الآلة هي الإله العصري، لابدَّ من التشبُّه بها قدر الاستطاعة، أن ترى جسدك كجهاز، أن تقيّم ذاتك اعتماداً على السوق والعرض والطلب، أن تصبح دون أن تعي، موظف علاقات عامة بداوم كامل، بابتسامةً نادلٍ معَ بطاقة تعريف تختصرك مع العنوان ورقم الهاتف، ماذا يستطيع أن يفعل شاعر في هذا العصر التقني، هل يردّد مع نيتشه “فرَّ إلى وحدتك يازرادشت”، أمْ يرتدُّ إلى الماضي؟. لماذا كتبَ الشاعرُ بدر شاكر السيّاب عن حنينهِ إلى قريتهِ الصغيرة “جيكور”، مستعملاً أدواتِ القصيدةِ الحديثة التي كانَ من روّادها. من الأحكام المتعجّلة أن نزعمَ أنّ كلّ كتابةٍ لا تتأقلمُ مع حياة المدينة، وتحاولُ إحياءَ الأماكن القديمة، هي قصيدةٌ رجعيّة. كما لو أنّ الشاعر يعاني من صدمةٍ حضاريّة، لم يَعد معها مستوعبًا المتغيرات في تعقيد المدينة.

جيكور ستولد من جرحي

من غصة موتي من ناري

سيفيض البيدر بالقمح.

إنّ إحياء الشاعر لهذهِ الأماكن، التي ولّتْ من غير رجعة، هو مساءلةٌ لحاضر المدينة، حيث الشاعر يستحضرُ أطيافُ المغلوبين، الذينَ جرفتهم المدنيّة بشروطها. فكما يقولُ فالتر بنيامين: مع كلّ انتفاضةٍ للمهزومين، ومع كلِّ رعشةٍ من أمل تحضرُ في انتفاضتهم أطيافُ المهزومين في الماضي، لتتشاركَ المنتفضينَ الوعدَ بالنصر. وذلك في “مدينةٍ بلا قلب”. الذي هو عنوان ديوانٍ أحمد عبد المعطي حجازي 1956م. إن استحضار الشاعر، لقريتهِ في هذا الديوان، لن يكونَ مجرّد حنينِ مُغْتربٍ عن قريته، وإنما هو استيعابٌ للتقدّم التقني الذي يفتقر إلى تقدّم روحي، تقدّمٍ مؤجّلٍ دائمًا. فبعد وصف القريّة بحميميّتها وعلاقتها بالطبيعة، يبدأ وصف رحلته في القاهرة إلى حيّ السيدة:

والناسُ يمضونَ سراعًا،

لا يحفلون.

أشباحُهم تمضي تباعًا،

لا ينظرون.

حتى إذا مرّ الترامْ،

بين الزحام،

لا يفزعون.

لكنني أخشى الترام

كلُّ غريبٍ ها هنا يخشى الترام.

فمن الحُكم المتعجّل، أن نزعمَ بأنه مجرّد قروي يرى الترام للمرّة الأولى، ففي القصيدة، يمكنُ تحويلُ كلَّ شيْ إلى مجاز، ولعلّ ما يلي من أبياتِ قدّ يوضّح المعنى حين يقول: لا لن أعودَ ثانيًا بلا نقود.

الشعر في جوهره يحوي بذور المثالية، والتي بدورها تكشف عن المثالي في الحاضر الذي يطرح نفسه كواقعٍ وحقيقي. وأن الشعر والفن عموماً يفعلان ذلك، دون علم منتجيهم أو حتى بالضد من رغباتهم، فكما يقول المسيح :”مملكتي ليست من هذا العالم”. فهل كان يقصد المسيح أنَّ تعاليمه ليست خاصة بالأرض، وإنما هي هناك في عالم المُثل؟.

هكذا يقول أيضاً الشاعر الحقيقي “قصيدتي ليست من هذا العالم”. بمعنى آخر، على الوطن أن يصل إلى عالم المُثل الذي يصنعه الشاعر، فمن خلال هذهِ الغربة بين وطن الأحلام ووطن الواقع يتولّد الشعر. وهي علاقةٌ جدليّة لا تُختزل بصراعٍ طبقيّ، أو غير ذلك. وإنما بجوهر الشعر نفسه.

فالشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي، بانتمائهِ الأيديولوجي استطاع أن يعرّي المدينة العربيّة، ولكنّ هذا النقد توقف في ديوان “عشرون قصيدة إلى برلين” حيث يتغنّى بمنجزات برلين الشرقيّة.

النخلُ الخرافي:

في كلِّ فكرٍ هنالكَ ماضٍ فردوسيٍّ، وتاريخٍ من الهزائم، ووعدٍ بخلاصٍ آتٍ، ففي الفكرِ الدينيّ هنالكَ جنّة عدن التي طُردَ منها آدم، وهنالكَ المسيحُ المُخلّص أو المهديُّ المنتظر. وفي الماركسيّة، هنالكَ الماضي المشاعيّ حيثُ كانتْ الثرواتُ لكلّ الناس، وهنالك وعدٌ بالخلاصِ من خلال الثورة. بينما في الشعر، ومهما كان الشاعرُ ملتزمًا بفكرٍ ما. هنالكَ أيضَا ماضٍ فردوسيٍّ مُتخيّل، وسلسلةٌ من الهزائم، ووعدٍ بانتصارٍ مؤجّل.

يكتبُ الشاعرُ البحريني الشهيدُ سعيدُ العويناتي( تـوفي 1976م)، في ديوانهِ اليتيم “إليكَ أيها الوطن.. إليكِ أيّتها الحبيبة.

أيها النخلُ الخرافي استفقْ

وتذكّر زمن الماءِ،

وأسماءَ رجالِ الحقلِ.

ثمَّ يستطردُ في وصفِ زمن طفولته، والهناءَة التي عاش فيها الشاعرُ في كنفِ القريّة، مع الجّدّات والصبايا وعيون الماء، وهي هناءةٌ لا يبدو أنّها تختصّ بزمن طفولته وحسب، وإنما هي ممتدّة في ماضٍ سحيقٍ لإنسانِ هذهِ الأرض. ويغدو تذكيرُ النخلِ بماضيهِ، والمطالبةِ باستفاقته، ليس حنينًا لزمنٍ راحل، وإنما من أجل غايةٍ أخرى.

أيها النخلُ الخرافيُّ استفق

قد غدونا غرباء

وغدا البحرُ شقاء

وغدا العالمُ في أعيننا محض التقاء.

غدًا الساعةُ تأتي

حينها تلعنهم كلُّ عصافيرِ البلاد

وطيورِ البحر والأسماكِ وليلِ الذكرياتْ.

فلا أحدَ يستطيعُ أن ينزعَ صفة التقدميّة عن الشاعر”العويناتي”، وهو الذي دفعَ دمه في هذا السبيل، وهو الذي يتمُّ الاستشهادُ ببيته الشعريّ الذي يقول “مُقبلٌ موعدُ المهرجان الذي نكتبُ الآن تاريخَهُ”، لتُبيِّن أنّ القصيدة حُلمٌ نحو المستقبل، ولكننا سنجدُ أن الشاعرَ أيضَا، ومن أجل هذا المهرجانِ القادم، يبتكرُ ماضيًا فردوسيًا، مستلهِمًا إياهُ من زمن طفولتهِ في قريةِ البلادِ القديم.

ويكتبُ بعد ذلك، الشاعرُ علي الجلاوي، في ديوانهِ” المدينةُ الأخيرة” الصّادرِ عام 2002م، ذاتَ هذهِ الفكرة، ـ المدينةُ الحُلم في الماضي، والهزائمُ في الحاضر، بما يشبهُ الحواريّة مع شاعرٍ كان قد استشهدَ منذ عقود.

إن كلَّ النخيلِ التي آمنتْ

بسماءٍ المدينةِ، بالضوء..

قد راهنتْ، أنّ حُلمًا يجيءُ

ولكنها انتظرتْ

المدينةُ يغسلها ليلها من دمِ المرحلة.

وفي قصيدة الشاعر مهدي سلمان، التي ألقيتْ 2018م، في ذكرى استشهاد الشاعر العويناتي، يتجسّد فيها مشروعه، في علاقتهِ بالحلمِ والماضي، حيث يقول:

لا أقيسُ الزمانَ،

إنني أتذكّر مستقبلي، مثلما أتخيّل ماضيَّ

لاشيء إلا الذي هو يجري هنا الآن.

يحدثُ.. لا شيءَ يمنعه، ويعودُ كنهرٍ إلى الجريان.

لا أقيسُ الزمان، يتكرّر، تفصلُ ما بينه واستعادته خطوتان

هما نصف هذا الطريق الطويل إلى نفسه،

مقبلٌ موعدُ المهرجان.

وهكذا فإن قراءة الشعر، تعطينا الطبقاتِ المتعدّدة في المدينة برؤيةٍ واحدة، بين ماضيها المُتخيّل، وأحلامها الموؤودة، وحاضرها الماثل الذي لن نستطيعَ استنطاقهُ دون صورٍ من لاوعي شعرائها. فأن تعرف المدينة أو تفهمها، يستلزمُ الأمر جولة بين شعرائها.

يُعْتبر الشاعرُ الحقيقيُّ ـ أيًّا كان انتماؤهُ الفكريّ ـ الأكثر تعبيرًا عن مدينتهِ، لأنه -تحديدًا- الأكثر تمرّدًا عليها.

إذ من غيرِ هذا التمرّد، يدخلُ الشاعرُ في الاعتيادِ، ولا يستطيعُ أن يرى بعينِ الغريب أو عينِ الطّفل. فمن قصيدةٍ للشاعرِ الكرديّ المعروف “شيركو بيكه سي” عن سعيد العويناتي، والتي كتبها بعد أن التقى بأحد البحرينيين، كما هو واضحٌ في سياقِ قصيدته. يطلبُ منه أن يبلغَ العويناتي الرّاحل سلامه، ويستعمل مفردات الطبيعة في بلدهِ ليعرّف بنفسه، ومفرداتِ الطبيعة في البحرين، ليعرّف عن سعيد العويناتي. وهي من ترجمة “آزاد البرزنجي”.

* المحارة

رجاءً، إن سافرت إلى البحرين

من الجبل وصية، ومن الثلج رسالة، ومن غابة البلوط تحية

إلى شاعرٍ هناك ..

ـ من هو؟

ـ سعيد العويناتي

ـ هو في الغياب، ولم يعد لهُ عنوان

ـ كلا ..اسمع

هو ابن البحر.. اسأل أية موجة

لتدلّك على ضفافه الجديدة.

هو أغنية، أسأل الطير

ليدلك على عشّهِ الجديد.

هو التمر، اسأل نخلة

لتدلك على سعفهِ الجديد.

ـ وأين مسكنه؟

في محارة أرجوانيّة اللون

هي تماماً، يسار رئة الشعب.

سِماهوي:

(الصور على البطاقات البريدية القديمة لا تُمثّل مدينة “موريللا” ..

ولكنها تمثل مدينة أخرى، كانت تُسمى ، مصادفةً، موريللا أيضاً).

إيتالو كالفينو، “مدن الخيال”.

في قريةٍ بحرانيّةٍ مُتَخيَّلة، تبدأ أحداث هذهِ الروايّة “سماهوي” 2017م، التي هي أقربُ إلى نصٍّ شعريّ سردي. حيث اللغةُ تأخذُ زمامَ الحكايةِ لاستكناهِ معنى المنفى والهجرة عن القرية الأسطوريّة الوادعة، والتي يصوّرها حسين المحروس كما لو أنّها جنّة عدن التي طُردَ آدمُ منها. وإن كان آدمُ طُردَ من الجنّة بسبب عصيانهِ أوامرَ الربِّ، فإن أولاد “بن غانم” نزحوا عنها بسبب تفاقم الظُلم. إنهم لا ينجبون سوى أولادٍ على قيدِ القتل أو الهجرة. أو الموتِ في الانتظار.

ليس الكِتابُ تأريخًا، أو لغايةِ سياسيّة. إنّه غَرْفٌ من المخيّلة الجمعيّة الشعبيّة، لاستكناهَ معنى النفي الوجوديّ، في الأرضِ وعن الأرض، بدا هذا واضحًا منذ الصحفةِ الأولى للكتابِ، حيثُ جاءَ الإهداءِ إلى طفلتينِ هاجر أبواهما حديثُا، وكأنّهما امتدادٌ لهذا الماضي. ويُحسَبُ للمحروسِ، عدا عن قدرتهِ على تصويرِ الشخصيّات التقليديّة، بحركاتها وسكناتها والتفاتاتها، قدرتهُ على استنطاق الطبيعةِ التي تشاركُ ابن الأرضِ روحهَ، فالضبابُ بين النخيل ليس سوى هجرة، وسلوم الشمس (الغروب)، ليس سوى الغياب.

إنّ الكتابَ زاخرٌ بمفردات الطبيعةِ البحريّة والزراعيّة والتي تشكّل روح ابن الأرضِ ومزاجهُ. ( في البساتين نعرفُ الحياة، وفي البحر نقاوم الموت). إن “سماهوي” ليستْ قريّة محدّدة وإن تشابه إيقاعُ اسمها وبعض الوقائعِ فيها، مع قرية سماهيج. إنها قريةُ “سما/هوي”، قرية السماءِ والقاع.

ففي كلّ فردٍ منّا ذاكَ الحُلمُ بقريةٍ وادعةٍ في عُزلتها، تقبعُ في ماضٍ سحيق. إلا إن هذا الحُلم يتحوّل إلى كابوس مع قدوم الغرباء.

بلغةٍ حالمةٍ يسردُ المحروسُ أنَّ في قاعِ بحر “سماهوي” قريةٌ أخرى طمرتها المياه. والمياهُ هنا هي الزمنُ، والمياهُ هي مرايا الحُلم أيضًا. وكما أنّ خطايا بني آدم حكمتْ عليهم بالشقاءِ في الأرضِ وبالطوفانِ العظيم. فاض البحرُ أيضًا ليغمرَ قريةَ “سماهوي” ويُلحقها بالقريّة المغمورة التي وردَ ذكرها في مقدّمة هذا السرد. أي أنها غرقتْ في عالم الأحلام القابعِ في نفسِ كلٍّ فردٍ منّا عاش بين البحرِ والنخل. ولكن ما هي خطيئة القريّة، أكانتْ خطيئتها الوداعة، وأنّها لا تتقنُ سوى العمل. هذا ما ليسَ لهُ إجابة.

في هذا الكتاب يستدرجك حسين المحروس مثل “أبو مغوي” الذي هو في المخيال الشعبيّ صوتٌ يناديكَ في عتمة البحرِ الراكد، يستدرجكَ ليغويك، فتضيعَ في البحر. وكما هو أبو مغوي، يستدرجكَ حسين المحروس، إلى خيالكَ ذاته، القابعِ في ركنٍ منسيٍّ فيك، إنه يحلمُ بالنيابةِ عنك. فأبو مغوي ليس سوى صوتكَ أنت، وقدّ تلحّف بالصمتِ، ليسعل عنك، أو ينبّهك إلى وجودك.

إن القصيدة الحديثة، تغرفُ من مادة الأحلام في الماضي الفردوسيّ والوعدِ بالخلاصِ في زمنٍ آتٍ. ثمّ أليس هذا واقعنا العربي، حيث المدينة لم تستطع أن تتحوّل إلى مدنيّة. أوليس دور الشعر هو مساعدتها في هذا التحوّل؟.

القصيدةُ في الفضاء المديني:

“كلُّ شيءٍ مجاز”، كما كتبَ بودلير، معلّلاً استعمالهُ لكل مظاهر المدينة، ومنتجاتها، وفضاءاتها، ومحوِّلًا إياها إلى رموز شعريّة. وهكذا سنجدُ الشعر البحريني الحديث، يستعملُ أمكنة المدينة وفضاءاتها في قصيدته، ويزدادُ هذا الاستعمالُ كلّما انتقلنا من القصيدةِ العموديّة، إلى قصيدة التفعيلة، ثمّ إلى قصيدة النثر.

ورغم أن القصيدة الحداثيّة، قد كتبتْ في البحرين مع روّادها الأوائل مع تأسيس أسرة الأدباء والكتّاب1969م، إلا أنها، لا زالتْ تثير إشكاليّة في تقبّلها مجتمعيّا، ولا زالً السؤالُ حولَ مشروعيّتها فنيًّا يُطرحُ بين الفينةِ والأخرى، وبخاصّةٍ قصيدة النثر. مما يحيلكَ إلى أنّ الإشكاليةِ بين القديم والحديث، لم تحلّ حتى الآن. ورغم ذلك فإن قصيدة النثر تكسبُ كلّ يومٍ قُرّاء جددا، وانتاجها يتواصل ويزداد. ويتيحُ لها انتشارُ المقاهي الثقافيّة، وسيلةً للتواصل مع الحضور. في مكانٍ يختفي فيه المنبرُ الذي يميّز إلقاء القصيدة العموديّة، وكثيرًا من قصائد التفعيلة. إلى طاولةٍ في المقهى، أو ركنٍ على شاطئ البحر، يلقي فيها الشاعرُ قصائدة، برتمٍ أقربَ للحوار. فإذا كانت قصيدة النثر معبّرة عن تطوّر المدينة، فيحقُّ لنا أن ندّعي بأنّ المدينة اجتماعيًّا لا زالتْ تعيشُ في فضاءِ الريف الغنائي، إلا بجيوبَ ثقافيّة هنا وهناك، وخاصّة بين الجيل الجديد.

ورغم تعدّد أسباب ظهور قصيدة النثر في البحرين، كالتأثر بالحواضر العربيّة أو الغربيّة. إلا أنّها لم تتعمّد كشكلٍ فنيٍّ حاضرٍ إلا بسبب وجودِ بيئةٍ مدنيّة آخذتٍ بالتعقيد، وذاتٍ فرديّة آخذتٍ بالتشكّل، ذاتٍ تتواصلُ مع العالمِ الآخر في الفضاء المفتوح. والتي بدأت مع روّادها في البحرين وهم: أحمد العجمي، إيمان أسيري، فوزيّة السندي. وذلك خلال حقبة الثمانينات من القرن المنصرم.

وسيتجلّى في هذا الشكل الجديد، التعبيرُعن الاغتراب في المدينة بمعناه الوجودي، ودخولُ مفرداتٍ أكثر جِدّة لم تكن لترد في قصيدة التفعيلة، هي من واقعِ البيئة المدينية، بعد أن تمّ تحويلها إلى مجاز. ويمكن الاستشهادُ هنا بعدّة دواوين شعريّة، لا يتسعُ لها المقام، نوردُ منها: “السيرُ وحيدةً برفقةِ أغنية وكلب” 2013م، للشاعرة وضحى المسجّن، والذي سنرى فيه ازدياد المفردات الدّالة على بيئة المدينة، عن ديوانها الشعريّ الأول “أشيرُ فيغرقُ مائي” الذي جاء تفعيلة، من مثل “نيون الإعلانات، بلاطات الرصيف، مجلات الموضة” وكذلك ديوان “هل ابتسمتَ لجنيٍّ قط” للفنان التشكيلي محسن المبارك 2013م، وكذلك ديوان “للتوضيح فقط” للشاعر جعفر العلوي، و”كونشيرتوـ نحو جهةٍ مأهولةٍ بالسلام” للشاعرة جنان العود، ليلى السيد وديوانها “معرفة بطعم الكاكاو”. وغيرهم كثر لا يتسع هذا المقال لحصرهم.

وسنرى في هذهِ الدواويين الشعريّة، بدايةَ تمظهر الوعي المديني، من حيث: المشهديّة في الإحساس بالمكان، تنميط الآخرين وفق مهنهم أو وضعهم الاجتماعيّ، وهي من سماتِ العيشِ في المدينة. ولن أزعمْ بأنّ تلك السماتِ لم تكن لتردَ في القصائد العموديّة أو التفعيلة، ولكنّها تتجلّى أكثر في قصيدة النثر، وبخاصّة مع الجيل الجديد في الدواوين الصادرة في الألفية الثالثة. فليس السببُ هو تطوّر المدينة وحسب، وليس السببُ شكلانيًا باعتماد قصيدة النثر، وإنما لاندماجهما معًا.

فلا يمكنُ الزعمُ بأنّ قصيدة النثر لن تنشأ إلا في الحواضر، في زمنٍ أصبح مفتوحًا بفعل تطوّر وسائل التواصل.

وسنلمح بروز المشهديّة في القصيدة، التي تصوّر الذات تتفاعل مع المكان في صورةٍ كليّة، من مثل، قصيدة إلى قصيدة ” فبراير 2011م” للشاعرة “وضحى المسجّن”، في ديوانها السير وحيدةً برفقة أغنية وكلب:

“لا أذكر متى كان ذلك

كتبي على الأريكة

حذائي قرب السرير

علبة المياه المعدنيّة في خزانة الملابس

جواز سفري في حوض الأسماك

أقراطي على المكتب

كلُّ شيءٍ ينصهر ويسيلُ بمنطقٍ سلفادوري:

ضوء المصابيح، اللوحات، نغمة هاتفي،

وأنا”.

وسنرى هذهِ المشهديّة أيضًا في مقطع للشاعرة “منى الصفار” في ديوانها “أحبّك والمرآة بيننا”

“سأحدّثك كما يفعل العاشقون

نحنُ الجالسانِ على مقعدين متوازيين

وبيننا طاولة

وشمعة نسي النادلُ أن يُشعلها.

موحشة أنا

وصدرك خواء”.

أمّا عن تنميط الشخصيات في بيئة المدينة حسب مهنهم أو وضعهم الاجتماعي، فلقد لاحظنا في النص السابق، ظهور “النادل”. وهذا التنميط لا يحدث كثيرًا في قصيدة النثر البحرينية، إذا ما قارنّاه بقصيدة النثر الحديثة في مصر مثلاً، وهي بيئة أكثر تجذّرًا في المدينة.

وهناكَ أسئلةُ لا بدُّ ستُطرحْ على قصيدةِ اليوميّات، هي: ما مدى قدرتها على صوغ تجربةٍ فردانيّة، دون أن يكون في هذا انغلاقًا على الذات، أو تضخّمًا نرجسيًا. وهو السؤال العكسي الذي كان يُطرحُ على القصائد العموديّة، في كونها ذاتًا جمعيّة، أو صياغةً شعريّة لمطالب جماهيريّة.

والسؤال الآخر هو في قدرتها على ايجادِ ما هو كونيٌّ وشامل، في العابر والجزئي، الذي يميّز الحياة في المدينة؟.

وفي فضاءٍ معولمٍ، سفرًا وتواصلاً عبر الوسائط، ومشاهدةً للسينما التي تتأثر بها قصيدة اليوميّات، إلى أيّ مدى ستظلُّ محتفظةً بخصوصيّتها في المكان، وهل تدمجُ بينهما أم إنها تنزاحُ نحو التغريب حتى لتبدو كما لو أنها قصائد مترجمةً لكاتبٍ أجنبي؟

وأخيرًا، ما مدى وفائها لأطياف المهزومين في الماضي، الذين تختارهم القصيدة، والذي تستطيعُ من خلاله الاحتفاظ بوحمة الشعر “السويداء”، أم إنها ستؤخذ بمباهج المدينة غارقةً في صورها الزائفة. هي أسئلةُ تُطرح على قصيدة النثر في البحرين، والتي تختلفُ إجابتها من شاعرٍ لآخر.

كان الشاعرُ نزار قبّاني في شبابه، الشاعر العربيّ الأكثر اندماجًا في حياة المدينة، لكنّه انزاح في دواوينه الأخيرة إلى هذهِ الوحمة، وحمة السويداء، وخاصّة في قصائده النثريّة. ربما بسبب العمر، أو ربما بسبب الهزائمِ العربيّة المتوالية. لا نعرف تحديدًا.

إنّ الحنين لماضي الأزمنةِ أو أمكنتها، ليس جريمةً ضدّ المدنيّة أو التقدّم، بل لعلّه احتجاجٌ يائسٌ كما في ديوان الشاعر قاسم حداد المبّكر “خروج رأس الحسين من المدن الخائنة” وسيكتبُ حدّاد عن “جنّة اليأس” كما لم يكتبْ شاعرٌ مثله.

(8)

ليس بالإمكان أن نقلق أكثر…

حسين بوصفوان

هذا زمان ضبابي. ولعلّي أنأى بنفسي عن كذبة الحياديّة، ولا آمل أن يركن أحد إليها. في نهاية المطاف كلّنا أبناء الذائقة التي تحدونا، تغيّر أهواءنا وتعصف بنا. لكنّنا نظلّ أوفياء للأسئلة التي نصدر عنها، فتفضحنا أو نفضحها مع اتساع الزمن، ويتكشّف الأفق المنعتق عن ذلك المنغلق، وهذا ما لا مراء فيه. غير أنّ الصوت الرّطب كثيرًا ما يلتصق في الحلق، وقليلًا ما يخرج.

وإن مسايرة تجارب شعرية على مدى عقد فائت، ومراجعة أخرى تمتدّ إلى خمسة عقود من الآن، من غير ادعاء بالإحاطة ولا تمرّس في النقد. فمجرد القراءة / التلقي كافيان – كما أدّعي – أن يفضحا الدروب غير السالكة التي تؤول إليها غضون الشعر بعد طراوة البدايات، وتبدو الملامح أكثر وضوحًا وهي خشنة لريح الوقت عليها.

فليس مخولًا للقلب أن يغض الطرف عن شاعريّة بقت حبيسة أسئلة البداية، جامدة، لم تتجدّد ولم تكلّف نفسها عناء البحث – على الأقلّ – عن أسئلة تجيب على ما تقدّم فيها! فكأنما المكابدة فعل ماضٍ مهما اختل زمنه، وكأنّما المتلقّي رهين لحظة بائتة. أمّا اللغة الصلصال، فلا تزايل لدونتها إذا لم تحرق. وهذا مقام مؤلم لكثير.

هذا وإنّي ممن يؤمن أن الشاعرية ليست حكرًا على النّصّ، وأنّ النص مجرد انعكاس قاصر عن حقيقتها المعاشة، وهي نفسها العلّة التي تأمّ الكلم أن يكون شيئًا، أو يفنى.

الآن، قصر الوقت أن يتسع لكلّ ما يقال تحت ظلّ الشعر، واللحظة هلامية بحق. وكما رأينا التجربة النقدية متأخرة لعقود، نرى الإبداع ذاته مشتتًا متشظيا.

الآن، لم يعد واضحًا لدينا في هذا المشهد غيرشيء واحد هو: عدم الوضوح. غياب المشروع ابتداءً من الفرد ذاته وصولاً إلى الشعراء بصفتهم تكتلات مجتمعة فاعلة. فها نحن موزّعون بين نشر فوري متعجل على وسائل التواصل الاجتماعي، ونشر خديج ناقص غالبًا أن يُشكِّل التجربة.

والسؤال: لماذا يكتنفنا كلّ هذا الغبش؟

—————————————–

  • قصائد الشعراء المختارة، انتظروها في الحلقتين القادمتين تباعا من هذه الأنطولوجيا المتكونة من حلقات ثلاث.

رأي واحد حول “أنطولوجيا الشعر المعاصر في البحرين/ الحلقة الأولى/ المقدمات والتاريخ..

اضافة لك

أضف تعليق

إنشاء موقع إلكتروني أو مدونة على ووردبريس.كوم قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑