قراءة نقديّة في مجموعة “لاعب الظلّ”..

د. دورين نصر

أحببت أن أستهلّ هذه القراءة بعبارات انتقيتها من قصّة بعنوان “شارون”، وهي: “الموت هو أن تذهب إلى الله”. “نرتدي الأبيض ونذهب إلى الله”. “إن كنّا نحبّ الله” ، فلماذا كلّما زاره أحد من القرية تلطمُ عائلتُه وتبكي؟”
تبدو هذه المجموعة القصصيّة، لاعب الظل للكاتبة التونسية عواطف محجوب، مختلفة في القضايا التي طرحتها. فالمواضيع تتنوّع فيها بين الحقيقة والخيال، بين الحياة والماوراء، إذ حاولت الراوية من خلالها أن تقدّم رؤية جديدة عن الموت. فطرحت قضايا مرتبطة بالأسطورة والفلسفة، بالوجود والعدم، وكلّ ذلك بلغة قريبة إلى اللّغة اليوميّة.
ولو أردنا أن ننطلق من العنوان “لاعب الظلّ” لأدركنا بأنّ الراوية تعي جيّدًا الدور الذي يؤدّيه الظلّ في الخيال الإنساني، إذ رغم أنّه يتشبّه بالأصل، وهو أمر لا مفرّ منه، إلاّ أنّه في شكله شيء آخر له جماله الخاصّ وحضوره المميّز، إذ في اللّحظة التي يكتشف فيها الطفل الظلّ، حين يكون في الخلاء يلعب ويلاحظ هذا الذي يتبعُه دون فَكاك. يحاول الهروب منه ذات اليمين وذات اليسار، إلى الأمام وإلى الخلف.
وهنا السؤال الذي يطرح نفسه: كيف وظّفت الكاتبةَ دلالة الظلّ في هذه القصص؟ أهو مجرّد أثر للأشياء والكائنات أو هو خيال شبحيّ؟
في الواقع، تكشف قصّة “المَهجوس” عن هذا “الطيف” الذي يلوّح من وراء الجموع، تارةً يضحك عاليًا وطورًا ينسحب مُقهقهَا، وفي المواجهة مع المرآة، ينكشف العدم. ربّما أرادت الراوية أن تطرح من خلال هذا النّصّ سؤال ما قبل الهويّة ومأزق مآلها، إنّها الصورة الباطنيّة للمعنى، ولعلّها المعنى نفسُه: الوجود الذي يسبق الهويّة فتنقلنا إلى عالم متداخل كتداخل الخيال والواقع، هو تلك المساحة والبرهة بين الأرق والنوم، الأنا والأنت، الشخص وظلاله، بل التماهي والتوحّد بين الإنسان وظلّه.

في هذا السياق أريد أن أقرأ على مسامعكم المقطع الأخير من النّصّ، ثمّ أنتقل إلى قراءة المقطع الأوّل: “رأى نفسه يمشي على رأسه والقيح الأصفر يملأ فمه ويُغرق أنفَه، سُدّت منافذ الهواء برأسه. اختنق، انتفض، قاوم بشدّة. ثمّ رأى نفسه ينفجر. تناثرت جثّته… التقط بملقط معدنيّ نثار لحمه والتهمه بنهم. ثمّ استيقظ. قام يتقيّأ، استلقى على الأريكة يأخذ نفسًا من شدّة الإنهاك. ببطء، ارتدى ملابسه وقصد النزل الذي يُقام فيه المؤتمر”.
المقطع الأوّل:
“تدحرج الرأس وغادر الدّماغ جمجمته، استقرّ في حذائه الذي صعد بين كتفيه متّخذًا هيئته. مشى على رأسه كثيرًا ولم يستطع التوقّف فتورّم من شدّة انحدار الطريق…
يمكننا أن نقرأ النهاية في البداية، والبداية في النهاية؛ هكذا فكأنّنا أمام فلسفة العبث يقابلها إنسانيّة التمرّد التي تحدّث عنها ألبير كامو وتختصرها الراوية في هذه الجملة: سُدّت منافذ الهواء اختنق، انتفض، قاوم بشدّه. إذ الإنسان على فراش الموت ينتفض، ثمّ يقاوم، ثمّ يستسلم.
ويلفتنا في هذا الإطار توالي الأفعال: تناثر، التقط، التهم، استيقظ وكأنّنا في فيلم Action، إذ تحاول الراوية بعد مشاهد العنف أن تريح نظر المتلقّي. فتسمح له بالتقاط أنفاسه: “استلقى على الأريكة، ببطء ارتدى ملابسه”.
وهنا نتساءل لمَ وظّفت الكاتبة هذا الحقل المعجميّ للعنف؟ أناتج هذا الأمر عن نزعة ساديّة أو تريد أن تنقل المتلقّي إلى عالم آخر تدعوه من خلاله للبحث عن المعاني الخفيّة للأشياء؟
في قصة “ثرثرة الظلال”، تستهلّ عواطف محجوب نصّها بالاستشهاد “بابن خلدون” و “السيد المسيح” وكأنّها تسعى إلى خلق حوار بين الفلسفة والدين وتنهي القصّة بالجملة التالية: “ظلاّن في أوّل الشّارع لا ينفكّان يفكّران بصمتهما الأبديّ”.
فالظلّ من وجهة نظر الفلسفة يعتبر أنّ البعض من البشر لا يستطيع أن يعيش إلاّ في الظلّ، ظلّ شخص آخر، ظلّ فكرة، ظلّ حائط؛ ففي الظلّ حياة، بعيدة عن الضوء وعن الظلام. تستطيع بالتالي أن تشاهد الحقيقة ساطعة وتميّز بينها وبين الوهم. فنحن بشر نعتقد أنّ الحدّ الفاصل بين الضوء والظلمة حدّ واضح وفاصل، لكن خلف الضّوء والظلمة يقع الظلّ المليء بملامحنا وقصصنا وخواطرنا وأفكارنا.
إذن، فالضوء موجود دائمًا، إنّما موقعنا هو ما يتغيّر والظلمة والظلّ ما هما إلاّ نتاج ابتعادنا عن الضوء، والحوار بين الدين والفلسفة بهذا الشأن ليس إلاّ معضلة لم تجد حتّى الآن جوابًا قاطعًا. ويبقى لكلّ طرف معتقداته الخاصّة.
بالانتقال إلى قصّة “ثمنًا للحريّة والكرامة”، تحاول القاصّة بأسلوب ساخر أن تسلّط الضوء على موضوع الحريّة والكرامة. وهي بذلك لا تتناول قضيّة تمسّ وطنها فحسب، بل تمسّ كلّ البلاد العربيّة، ولعلّ الجندي المبتور الأطراف يرمز إلى كلّ الأوطان التي بتروا أطرافها، فسقطت في غيبوبة أبديّة.
وتثور الكاتبة على التقاليد البالية في قصّة “قضبان للصّدفة”، فتلعن كلّ الأعراف الاجتماعيّة التي تجعل المرأة كحصاة على شاطئ مهجور.
نادية، تلك الفتاة التي اقتديت ظلمًا إلى السّجن، تتعرّض للاغتصاب، وكلّ أنواع التنكيل. بفنيّة عالية تعالج عواطف محجوب هذه القصّة، تحاكي ما يقوله تودوروف، إنّ المهمّ عند مستوى السّرد، ليس ما يُروى من أحداث، بل المهمّ هو طريقة الراوي في اطّلاعنا عليها. وقد حاولت الكاتبة أن تنقل تفاصيل “حالة متعثّرة” وهي حالة نادية التي تحوّلت إلى فاجعة مؤلمة بين قضبان السّجن.
لقد أعادت عواطف محجوب صياغة العالم في مختبر الاستبطان، الذي يستدعي التأمّل الرصين في الذات والعالم، وليس الإصغاء للداخل فقط، ومحاكاة الأحاسيس الداخليّة، ولكنّه يتطلّب قدرًا كبيرًا من الانتباه للعالم الخارجي ورصد أحواله.
وقد اعتمدت فنيّة التوالي بين الوحدات السرديّة، موظّفة حقول معجميّة عديدة كالعبث والجريمة، فتلتقط صورًا للحياة من زوايا مختلفة وكأنّها حياة على مشارف الغياب، حياة معطّلة تلوح كسراب، كطريق انقطع فجأةً، كحلم لم يكتمل. فالاستدعاء والتوالي يطغيان على الإخبار والوصف والتعبير. فالنهايات أشبه بلغز، وكلّ شيء لقول العدم واكتشاف الهاوية.
ما يدفعنا إلى القول بأنّ الكاتبة أقرب إلى مصوّر أو مفكّر. فلا حضور لـ أنا ولا أنتَ أو أنتِ، بل رسمٌ لظلّ، لكائن وحيد يبحث عن الطريق إلى صورة للعالم.

* لاعب الظل، قصص قصيرة، عواطف محجوب، مومنت للكتب والنشر، المملكة المتحدة 2021.

أضف تعليق

إنشاء موقع إلكتروني أو مدونة على ووردبريس.كوم قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑