كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

أصيل الشابي

لم تكن له معرفة حقيقيّة بالخيول، في طفولته كان فقط يراها تمرّ أمامه من بعيد مخلّفة آثارها المرعبة في سمعه، وكان اللذين يكبرونه يشيرون إليها بأصابعهم الغليظة المنتفخة مبتسمين له، وكانوا في أحايين كثيرة يتخيلون بل ويعبّرون له وهم إلى جانبه عمّا يدور في خيالهم، وكان هو من ناحيته يتذكّر باستمرار طيف ” ZORRO ” على حصانه إلى درجة أنه يستطيع اليوم أن يتخيّله بنفس الوضوح.
وبهذه الطريقة ربّما يكون قد تكوّن لديه حبّ الخيول رغم أنّه قد حدث ذات يوم أن بكى، وذلك حينما شعر وهو صغير أن الحصان الخشبي في منتزه الألعاب يدور به تحت أنظار لا تحصى وأن عيونا سوداء، خضراء، زرقاء، كستنائيّة راقبته.
كان أصدقاؤه يقلدون ” ZORRO ” تقليدا حقيقيا يؤثّر في من حولهم، ثمّ قدّر له بعد سنين أن نطقوا بالحرف X متوجهين لشخصه، وكانوا بالفعل يدعونه على الورق بالخيّال X، وكان هو حينما يطلب توضيحات يعيد مرتين على الأقل X.. الخيّال X.. من فضلك، إلى أن نسوا أخيرا اسمه الحقيقي.
كان في يوم عطلته كما هو الآن يقبع في شرفة بيته ينظر إلى لا أحد، ليرى بعد ذلك الأمّهات ينقلن صغارهنّ بين الأيادي البيض، ثم ليرى بعد ذلك حبّات العنب الخضراء، الصفراء تعكس النور السماوي الساحر، ثم ليرى أخيرا الستائر الشفّافة ترفرف كالطيور.
مرّر أصابعه على أرقام التليفون بعد أن فكّر قليلا، حامت عيناه قليلا كما لو كان على ظهر حصان، ثمّ قال خيّال A.. ما رأيك في فتاة جميلة تبزغ بين عينيك مثل زهرة. ضحك الآخر بصوت أرعن، تحرّكت بعض الستائر، أصابعه الخمسة إلى جانيه، مجموعة من الفتيات يربطن شعورهن إلى الخلف.. يشرن إشارات موحية.. إحداهنّ تشبه الثانية.. الثانية تشبه الثالثة، يلتصقن بالبلور ويتدحرجن إلى الأمام وإلى الخلف.
مرّر أصابعه بسرعة على أرقام التليفون قال خيّال A هل تذكر القبلات الرمزية ؟ أجابه المرسلة من بعيد  وأضاف إلى الخيول الجامحة ؟.. ووجهك طبعا قال له ثمّ صمت وهو يضيف إنّها الدعابات فلا تخفها.
في تلك اللحظات بالذات تنبّأ بأنّ الخيّال A يعرف معرفة تامة ما يفكّر فيه، وتخيّله يحضن بين أصابعه المرتجفة أزهار الخشخاش النابتة في حديقته كعادته في كلّ ربيع. كانت عطلته الأسبوعية القصيرة على وشك الانتهاء بينما ظلّ يتذكّر الفتيات اللواتي كانت ثيابهن شبيهة بالدروع حتّى إنه عندما شعر بهن أوّل مرة حوله نظر بنصف عين.. بربع عين، وسمع آنئذ صوتا داخليا يقول له أخرج لسانك.. حرّك أنفك.. أفرد أذنيك مثل سنبلتين، ثم كأنّه سلّم إلى ذي ناب أزرق. ذو الناب الأزرق صاح فيه بلّ لسانك.. جفّفه.. لفّ به عنقك، ثمّ كانّه سلّم إلى ذي عين حمراء. ذو العين الحمراء تحسّس جلده.. ربّت على شعر صدره.. أتلف الجلد وأمسك في اللحظة القياسية بالقلب من ذيله.
كان يعلم أن صديقه سيضحك لأنه وقع بسرعة في فخّ نساء ثقيلات يشبهن سلاحف غلاباغوس، ثم إنه كان بوسعه أن يتنبأ وهو يفكر بأنّهن لا يصلحن إلا للعروض. في تلك اللحظات هاتفه الخيّال A.
ـ إنهن لا يصلحن إلا للعروض.
ـ 
ـ ويمكنك حشرهن وراء الزجاج في الصالون.
ـ 
ـ ويمكنك مشاهدتهن حتى وأنت تحتضر.
ـ 
ـ ويمكنك احتقارهن أحيانا حينما تشعر تجاههن بالرتابة.
وهنا صاح الخيال X ثمّة سرّ ما…
وفيما انقطعت المكالمة أغمض عينيه بشدّة كما تفعل الجمال، نظر إلى ذي الناب الأزرق وذي العين الحمراء، وكان الخيّال A يتلصص عليه متحدّثا بلهجة غير مفهومة، وكان هو من ناحيته يشعر بحركته في حديقة بيته وهو ينثر على التراب أزهار الأقحوان الصفراء وأصابعه ما تزال ملوّثة باللون الأحمر الكردينالي لأزهار الخشخاش، إلى أن شعر فجأة بالكراهية.
سرت الكراهية في دمه من تحت إلى فوق.. إلى فوق، وعندما نفض ذو العين الحمراء القلب من ذيله فتح الخوف عينه مرّة أخرى، وكان يشعر لأوّل مرة أن لحمه سيفسد ويصدر رائحة كريهة، ثم تذكّر أنه عبّر لأحد أصدقائه القدامى عن رهتبه في ذلك اليوم الذي بدأ فيه تدريباته الأولى على ركوب الخيل.
بعد ذلك كان يتخيل سقوطه إلى أن انتابته أخيرا أحلام مزعجة فنصحه مدرّبه بالترويح عن نفسه، وكان هو قد اختار بالتوازي مع ذلك العودة إلى تلك القرية الصغيرة المنسية التي ظهر منها إلى الوجود، وقد فكّر بأنه بمجرد عودته إلى ذلك المكان بالتحديد سيظهر إلى العام من جديد، وانه تبعا لذلك قد ينجح في رؤية الأمور بشكل أفضل.
لم يستطع النوم لليال، وكان دائما في خياله جماعة من الناس يعرفها جيدا تخز الخيول بالدبابيس الرفيعة، ثم تلاطفها بعد ذلك طويلا، وقد رأى أن تلك الخيول تلجأ إلى الصمت باستمرار إلى أن تحمرّ عيونها وتصبح مقرفة.
وكان يعلم أن شيئا من ذلك لم يكن ليدر بخلد أحد غيره، وأن الجميلات اللواتي اصطففنا دائما وأبدا على المدرجات كنّ يعتقدن للأسف أن تلك الخيول ما هي إلا فراشات، وكان قد اصطلح صحبة الخيّال A على اعتبار أن قبلات الجميلات المرسلة من بعيد رمزية، فهي لم تكن شيئا حقيقيا، وكان الخيال A يعتقد أن تلك القبلات هي ما يجعل الخيول تركض بوحشية، وكان هو من ناحيته يفكّر في لفظ آخر عوض وحشيّة. ظلّ يبحث عنه على مدى شهور طويلة، وكان يعتقد أن ذلك اللفظ هو وحده ما يحتفظ في داخله بما يخيفه، فجأة تكلّم الخيّال A كأنه بالجوار :
ـ يمكنني أن أراك وأداعب خوفك.
ـ 
ـ وعندما أداعبه للمرة الثالثة سيبتسم.
ـ 
ـ ثمّ سيضحك عاليا.
ـ 
ـ .. إلى أن ينهار كليا بين أصابعي.
لم يحاول الردّ على تلك السّخرية، لن يظفر بشيء ذي قيمة، ولن يجيبه أحدهم كما يستطيع هو أن يجيب نفسه. وبدلا عن ذلك فقد رأى في خياله هؤلاء المربّين ذوي المناديل البيضاء التي توحي بالرحمة.. رآهم يستلمون  الخيول اللاهثة جاذبين أحابيلها إلى داخل الاسطبلات، ثم رآهم ينزعون عنها لجم الجلد المحيطة بأعينها القاسية متحصلين في نهاية الأمر على أطياف شاحبة،و قد دفعه ذلك إلى تذكّر مدرّبه حينما رمق الخيل قائلا إنّها أكثر قدرة. فجعل يبحث مرّة أخرى عن لفظ ما أكثر تعبيرا، كان يفكر بحذر فقد كان متأكّدا من أن الخيال A يتلصّص عليه.
ابتعدت الشمس، وعندما بدأ الأصيل في التحليق عاليا رفعت الستائر.. حبّات العنب تنتشر كمجموعة نجميّة حارّة.. الفتيات ذوات الأذرع البيض ينتشرن بين عينيه. عندما أنشأ الخيال A يداعب مخيّلته قال له هيّا لا تتوانى.. اقبض بأصابعك الخمسة دفعة واحدة على خوفي.

2 responses to “الخيّال X”

  1. صورة أفاتار medsnour
    medsnour

    رائع

    Liked by 1 person

  2. صورة أفاتار أصيل الشابي
    أصيل الشابي

    شكرا جزيلا لمجلّة كناية الغرّاء، شكرا للمبدع الكبير حكمت الحاج رئيس التحرير، شكرا لسكرتيرة التحرير الأستاذة عواطف محجوب

    Liked by 1 person

اترك رداً على medsnour إلغاء الرد

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.