- عواطف مـحجوب (ناقدة من تونس)
… يبدو العالم مجرد كابوس مشحون بالحروب والصراعات والقطيعة والقلق والعزلة، في خضمه وجد الإنسان نفسه مضطرا للعيش وهو يقاوم من أجل التخلص من وضعه المزري. وللأسف، هذه المقاومة لن تعدو أن تكون سوى صعود جبل شاهق مع حمل ثقيل، يستنفذ قواه دون أن يصل إلى وجهته. في لحظة ضياع قصوى وقد خبا كل أمل بحياة فاضلة، سيتمرد الإنسان على واقعه الأسود، لكنه سيجد نفسه في مواجهة احتمالات عبثية صرفة، تخمد ثورته. فإما موت عن طواعية، وإما تبني مزحة سوداء تعبر عن خوفه ووحدته وهشاشته أمام العالم الذي يدفعه إلى التساؤل عن جدوى وجوده فيه. إنه اللامعقول الذي يسعى أن يعطي معنى جديدا للحياة والإنسان انطلاقا من اللامعنى واللاتواصل. في هذا الإطار، تتنزل نصوص حكمت الحاج المسرحية في محاولة جادة للإجابة على سؤال ملحّ: هل تستحق الحياة أن تعاش؟ مقتفيا آثار رواد مسرح اللامعقول كصمويل بيكيت، ويوجين يونيسكو، متأثرا بالأدب بالتجريبي، والوجودية كفلسفة.
إن المتأمل في سيرة حكمت الحاج سيلاحظ أنها سيرة خصبة مليئة بالتجارب والانشغالات، فهو صحافي من العراق يقيم في تونس، شاعر وكاتب مسرحي، دراماتورغ ومعد نصوص مشهدية. له الكثير من الإصدارات التي تنوعت بين الشعر والنقد. ونشر في مسرح اللامعقول تحديدا العديد من الكتب التي هي محور هذه القراءة نذكر أهمها: “دروس خصوصية” ، “جِنْ أو الموعد القاتل” ، “تلاث مسرحيات بالتونسي من أدب اللامعقول” . وله تحت الطبع، بالاشتراك مع د. زينب بن ضياف، التي قامت بترجمة معظم أعماله إلى العامية التونسية، مسرحية “في انتظار غودو”، في نسخة متونسة مائة بالمائة، علاوة على كتاب مزمع صدوره قريبا تحت عنوان “مونو، ديو، تريودرامات”، بالعربية الفصحى، ومن عنوانه واضح على ماذا سيحتوي هذا الإصدار المسرحي.
لقد شهد مسرح اللامعقول أوْجَهُ في خمسينيات القرن الماضي، وقد تأثر تأثرا جما بالفلسفة اللاعقلانية، وتمرد على مقومات المسرح التقليدي، مطلقا العنان للتجريب واللامنطق.
فما هي خصائص ومميزات هذا النوع من المسرح، من خلال تجربة الشاعر والمسرحي العراقي حكمت الحاج؟
في هذا السياق، يمكننا ملاحظة ما يلي:
كسر القواعد المسرحية الأرسطية:
ينزع الكاتب حكمت الحاج في كل نصوصه المسرحية إلى الاعتماد على الفصل الواحد المقسم إلى عدة مشاهد، أو أحيانا يقتصر على مشهد واحد طويل. هذا الفصل الواحد هو مختصر لوجود إنسان منعزل يعيش قطيعة مع الآخر، يقضي عمره على وتيرة واحدة، لا أنباء عن تغيير، ولا يُتوقع حدوث أي جديد في مستقبله. نستشف ذلك من خلال الحوار داخل النصوص والذي انبنى بلغة فقدت مقصدها الطبيعي بإعطاء المعنى وإنتاج الفهم، فغاب منطقها وأصبحت مجرد رموز لغوية تتبادلها الشخصيات فلا يتحقق هدف التواصل المنوط بطبيعتها وانعدم الفهم، مما نتج عنه غياب العلاقات الطبيعية بين الأفراد، وسقوط هذا الإنسان في غربة مقيتة. ولهذا سمي مسرح اللامعقول بمسرح اللاتواصل، وإن اللغة فيه هي مجرد أداة للسخرية، خاصة مع تحطيم الحدود بين الكوميديا والتراجيديا وجمعهما بكل تناقضهما في نوع واحد من المسرح. وإمعانا في الخروج على قواعد أرسطو، دارت أحداث المسرحيات في أمكنة وأزمنة غير معتادة، أفقدها المؤلف قيمتها بإغراقها في ظلمة حالكة، وغدت مجرد خلفيات تبعث الخوف في النفس، وتثبط الشعور الواعي بها. إذ بدت فضاءات الأمكنة ضيقة جدا غريبة ومنفّرة. فمسرحية “جن أو الموعد القاتل”، والتي حمل الكتاب اسمها ، دارت أحداثها في مخزن مهجور، ومسرحية “أصوات” التي وقعت مشاهدها في غرفة في طابق أعلى لمنزل قديم، أما مسرحية “دروس خصوصية”، فقد توالت ردهاتها في صالة الاستقبال في منزل أستاذ من الطبقة الوسطى. ونلاحظ أن الأمكنة غطتها وحجبتها ظلمة الإطار الزماني، فالمسرحيات جلها وقعت أحداثها عند المساء، وفق ما يجيء في الإشارات المؤطرة للمناظر في بداية كل مسرحية: “الساعة تشير إلى السادسة والنصف مساء، لقد حل الظلام تقريبا” (ص9، جن أو الموعد القاتل)، و”الوقت الآن بعد غروب الشمس بقليل” (ص47، جن أو الموعد القاتل)، و”الخلفية تمثل السماء التي تتغير باستخدام الإنارة من نهار ساطع إلى ليل دامس” (ص65، جن أو الموعد القاتل). لكأن هذه الأطر ليل طويل لا يتبدد يحاكي سوداوية الواقع. هوة مملوءة بالقاذورات والموت سقط فيها الإنسان ولا مخرج منها إلا بالعبور من نافذة قصية مهجورة قُدت من العبث.
لا مسرح بلا صراع:
في نصوص مسرح اللامعقول، بشكل عام، لا نجد تلك السيرورة التقليدية المتصاعدة نحو توقيت التأزم، ولا أثر لأية عقدة أو حدث قادح يعقبه انفراج. وبدلا عن ذلك نجد صراعا يمتد من أول النص إلى نهايته. ففي مستوى أول، نجد صراعا بين الشخوص التي تحضر وهي في حالة تأهب دائم وهجوم، منطلقهُ هو التباين الفكري، ففي مسرحية “أصوات” يحاول الشاعر الخائف الضعيف، وتحاول العجوز قوية البنية، فهم مصدر الأصوات القادمة، فيتحول ذلك إلى صدام:
الشاعر: لا أعتقد أننا نتحدث عن نفس الأصوات.
العجوز: انتبه، ها أنت ذا تجادلني وأنا لا أحب ذلك.
(تخرج العجوز، ويبقى الرجل وحيدا مرة أخرى)” (ص51)
وفي مسرحية “الملاك عازف الكمنجة” ، تلخص العجوز الصراع القائم بينها وبين الآخرين قائلة: “أرأيتم الطريقة التي يعاملون بها امرأة عجوزا؟ يجرجرونها من بيتها ويركبونها سيارة ويأتون بها إلى هنا.. من هناااااك إلى هنا.. يدفنونها في الرمل ويتركونها حتى تتعفن.. لماذا؟” (ص71).
إن التباين في النوع الإنساني أي الجندري، في مسرحية “جِنْ” يدفع بالرجل إلى أن يتحسس بكل استثارة مناطق حساسة من جسد الفتاة المتحولة من شبح إلى مانيكان إلى فتاة إلى امرأة، معللا ذلك بالسعي إلى المعرفة. وكذلك في مسرحية “دروس خصوصية” نلمح الصراع بين الأستاذ وأخته، وبينه وبين التلميذة، والذي يؤول إلى نتائج كارثية. هذه الحركة في الصراع من خلالها يحاول الكاتب أن يجعل الشخصيات نامية وتتطور بتقدم النص، لكن ذلك لا يحدث مع معظمها فتبقى ثابتة بالكاد تقوم بردود أفعال واضحة. وفي مستوى ثان نجد صراعا مع عالم غير مرئي مفارق. ففي مسرحية “جن” يجد الجاسوس بوريس يلتسين نفسه تحت مراقبة شديدة من قبل شبح لا يعرف مكانه. وفي مسرحية “أصوات” يجاهد الشاعر لمعرفة مصدر الصوت الذي يصله من الأسفل هل هو شبح أم شيطان. وفي مسرحية “الملاك عازف الكمنجة” ترى العجوزُ الشابَّ العازفَ، لكنها لا تعرف أنه ملاك الموت الذي ينتظرها ليزهق روحها. وفي كل هذه الوضعيات يكون الإنسان ضعيفا خائفا، لأنه لا يعرف خصمه من هو بالتحديد.
في مستوى ثالث، نجد صراعا نفسيا، وبخطاب داخلي كالمونولوج يكشف لنا المجهود الهائل ومحاولات مد جسور التواصل مع الذات. سينعكس ذلك على أقوال الشخصيات، الذي ينكشف للقارئ، ويبين حقيقة هواجسها وأفكارها وحالتها. في مسرحية “أصوات” على سبيل الذكر يقول الشاعر (لنفسه) لماذا أنا أرتعد، يجب أن أتماسك. يجب أن لا أشعر بالخوف مطلقا. (يرتعد من الخوف) كان عليّ أن أكتب شيئا ما”. (ص49) وهو ما يجعلنا نتساءل عن طبيعة الشخصيات في نصوص حكمت الحاج المسرحية.
الشخصيات دمى في مهب العبث:
لقد اعتمد المؤلف على شخصيات لا يكاد يتجاوز عددها أصابع اليد في المسرحية الواحدة. هذا الاختزال في العدد يقطع مع المسرح التقليدي، ويكتفي بعرض نماذج بشرية تختلف بتغير موضوع الطرح في النصوص. فمثلا في مسرحية “أصوات” أو “الكلمات والأشجار” في نسختها الفصيحة، نجد ثلاث شخصيات، واحدة منها غير حاضرة جسديا بل تحضر كصوت فقط. وفي مسرحية “جن” نجد فتاة ورجلا يتقمصان شخصيات كثيرة. كذلك مسرحية “دروس خصوصية” تؤديها ثلاث شخصيات. واللافت أن هذه الشخصيات كلها قادمة من مناطق الظل المظلم، مغمورة ومجهولة تماما لا نعرف عنها سوى ما تضمنته الإشارات الركحية، فاقتصر الكاتب على وصفها وصفا خارجيا. فنجده مثلا في مسرحية “الملاك عازف الكمنجة” في تعريفه للرجل بأنه “أشيب ضئيل نحيل الجسم في الخمسين من عمره”، أو الجدة تلك المرأة ضئيلة الجسم سبعينية حسب تقديم الكاتب لها تحاول التعريف بنفسها داخل النص المسرحي “كان كي عمري سطاش سنا خذيت واحد زوالي فالس.. أنا مرا عزوزة مكملة” (ص38 تلاث مسرحيات بالتونسي من أدب اللامعقول) هذا التعريف لم يقدم جديدا من أجل تحديد هويتها بدقة. وإن حدث وذُكرت أسماءها فإن الذاكرة لا تكاد تحفظها لأن الشخصيات تمارس لعبة التخفي والظهور إلى ما لا نهاية. فكأن المعطيات الشخصية يتم إخفاؤها عن قصد. ويقتصر الأمر على تقديم أمثلة تختصر كل الفئات، وتلخص فيها صورة كائن من درجة دنيا، إنسان ميت وهو على قيد الحياة في انتظار موت مادي. إنها دورة فارغة تتلقف هذا الإنسان وتعبث به ليصبح كأنه غير مرئي وغير موجود.
إنّ اقتصار الكاتب على التقديم المادي للشخصيات، يكشف عن كمّ التناقض بينها. على سبيل المثال، في مسرحية “أصوات” نجد الشاعر الذي يوحي مظهره بأنه سجين وليس له سوى الكلمات، وفي المقابل نجد امرأة عجوزا في يدها سوط ، كأننا بالضعيف في مواجهة القوي، وبالمسن أمام الأصغر عمرا، وبالمعرفة أمام الجهل، وبالاهتمام أمام التجاهل. هذا التنافر الجسدي المادي والنفسي يكشف أن هذا النوع من المسرح هو ضد التواصل وضد تكوين علاقات طبيعية، ويكرس فقط الفردانية.
صرخات من مسرح اللامعقول تتميز عن غيرها:
إن نصوص مسرح اللامعقول ليست سوى صرخات احتجاجية عن الوضع البائس الذي وصل إليه الإنسان ككائن جوهري في هذا العالم. ولئن تشابهت في القالب العام، وتخلت عن البناء الأرسطي، فإنها لا تخلو من ميزات خاصة تميزها عن البقية، وهذا ما نلمحه في نصوص حكمت الحاج التي اتسمت بِسِماتٍ أربع، وهي:
أ. الطابع السياسي: إن المتأمل في ردهات الصراع سيلاحظ الطابع السياسي الذي تكتسيه نصوص حكمت الحاج المسرحية. ويتجلى ذلك من خلال وجود شخصية “جان” في مسرحية “جن أو الموعد القاتل”، والتي في إحدى تحولاتها تحمل اسم “بوريس يلتسين”، نفس اسم الرئيس الروسي الأسبق، وقد عرفه الكاتب بأنه “جاسوس وعضو جديد في منظمة إرهابية” (ص7). اختيار الاسم والصفة لم يكن صدفة بل هو انتقاء واع، لأن روسيا ولسنوات طويلة كانت طرفا قويا في الحرب الباردة ونفوذها فيما كان يسمى بالاتحاد السوفياتي، والكل يعرف باعها في الجوسسة، ودورها المخابراتي الذي يطال كل دول العالم . كذلك الخطاب داخل النص في حد ذاته والذي جاء في مجمله بصيغة الأمر من قبل شخصيات قوية متسلطة، فالشاعر في مسرحية “أصوات” كأننا به سجينا صودرت أوراقه تأمره سجانته التي تحمل سوطا “ابعد وآقف على جنب” (ص12 تلاث مسرحيات بالتونسي من أدب اللامعقول)، والأستاذ يأمر التلميذة تباعا “هيا مالا ما عندناش وقت نضيعوه يعيشك يا مدموازال نبدو توا توا” (ص18 دروس خصوصية) أو وهو يخاطب أخته بلغة خشنة قائلا: “إلتوا ما كملت إنتي؟وزيد أختي أش مدخلك؟ هذيا حاجات تخصني أنا وأنا نعرف شنوا نعمل وشنوا ما نعملش”. أما في مسرحية “جن”، فالسلطة الكاملة بيد الفتاة المتحولة من شبح إلى مانيكان ثم إلى فتاة تحمل سلاحا أوتوماتيكيا، إلى أن تتحول إلى فتاة عادية تجلس في المقهى وتحدد للجاسوس برنامجه وجدوله الزمني. العنف أيضا هو أحد تجليات الطابع السياسي والذي يولده الصراع، فنجد العنف اللفظي “أيتها الأشجار الخبيثة المسنة الشائخة القاسية” (ص 50 جن أو الموعد القاتل). والعنف في الحركة من خلال الإشارات الركحية التي تترجم لنا ردود الأفعال الحركية “تغلق النافذة بعنف” (ص13 تلاث مسرحيات بالتونسي من أدب اللامعقول). والعنف المادي الذي يبدأ بالتحكم في الحركة: “تعود المرأة ومعها الرجل وهما يحملان الجدة من تحت إبطيها وهي متصلبة” (ص34) وينتهي بالقتل كما حدث في مسرحية “دروس خصوصية”: “وبعد الطعنة الأولى يلاحقها بطعنة ثانية من السكين” (ص77). كذلك حضور المرأة المتسلطة في المسرحيات الثلاث تأمر وتنهي، تحمل سوطا أو عصا، تصفع وتنصح وتبحث عن حلول، وتقود عمليات جوسسة. كل أوجه العنف هذه تعلي كفة القوي الذي يفرض كلمته وسلطته مقابل إلغاء الآخر، وكأننا أمام معادلة سياسية ملخصها: إن لم تتبع سياستي، فأنت تعارضها، ويجب إزاحتك من الطريق.
ومن الجدير بالذكر هنا أن نشير إلى أن تصوير أوجه العنف هكذا ليس تبريرا له، بل إن مجرد عرضه بهذه الدرجة من السفور هو إدانة مطلقة للعنف بكل أشكاله من قبل المؤلف، وليس هناك من مجال يضم هذا الكم من العنف سوى المجال السياسي.
ب. الطابع الذهني: رغم أن مسرح اللامعقول لا يقوم بتعديد أسباب الظواهر السلبية ومسبباتها واستعراض الآراء والأفكار أو التنظير، بل يذهب مباشرة إلى إظهار الإشكالات دون أي تفسير معقد، وإبراز نتائجها مباشرة بأسلوب مبسط جدا يستهدف القارئ البسيط، إلا إن هذا المسرح “لا يستثير العقل مباشرة” بل يحرك غريزته بالضحك في مقام أول عبر السخرية السوداء. لكن لا يمكن تجاهل الطابع الذهني الذي تتميز به نصوص حكمت الحاج المسرحية، وتأثره الواضح برائد المسرح الذهني توفيق الحكيم. فالخطاب داخل النص رغم بساطة لغته وغرابتها من حيث أنها فقدت منطقيتها ومعناها فإنه يحمل كمّا من الرموز والمعاني المنبثقة عن اللامعنى تشجع المتقبل على التأمل والتفكير العميق لاستنباط معنى حقيقيا. الأمر لا يخلو من متعة سريالية تحدث في الأحلام تتنزل إلى النص أو الركح فتصبح عبثية اللغة نوعا من الفلسفة الوجودية التي تطرح سيلا من الأسئلة يستطيع القارئ البسيط خوض تجربة البحث عن إجابات لها دون أي اتهام بالشعبوية.
ج. رحلة النص وتحولاته: للنص المسرحي عند الكاتب حكمت الحاج دورة حياة كاملة. فالنص الفصيح تتم ترجمته أو اقتباسه عن النص الأصلي باللغة الإنكليزية أو الفرنسية، كمسرحية “الملاك عازف الكمنجة” المبنية على نص مسرحية “صندوق الرمل” لصاحبها إدوارد ألبي، ومسرحية “جن أو الموعد القاتل” مقتبسة عن رواية “جن” للكاتب الفرنسي ألان روب- غْرِييه، كذلك مسرحية “أصوات” أو “الكلمات والأشجار” المقتبسة من قصة قصيرة بعنوان “أصوات” للبريطاني غابرييل غوزبيوفتشي، وبطبيعة الحال فإن مسرحية “دروس خصوصية” معدة دراميا عن مسرحية “الدرس” ليوجين يونيسكو. كل هذه الترحلات يوثقها المؤلف حكمت الحاج، ليسمح لنا مرافقته الرحلة من النص الأصلي إلى ترجمته إلى الفصحى، إلى تدوينه بالعامية العراقية، وصولا إلى مغامرته الأخيرة إبان سني إقامته الطويلة في تونس، ودخوله عالم المحكيات التونسية الزاخرة، وتعاونه المثمر مع مترجمته الأثيرة الدكتورة زينب بن ضياف في نقل معظم نصوصه المسرحية إلى العامية التونسية، بل ووصل الأمر بهما إلى إصدارهما لكتاب مشترك بهذه اللهجة، وهو كتاب يحمل عنوانا كتب بالمحكية التونسية “تلاث مسرحيات بالتونسي من أدب اللامعقول”، حيث جاء الكتاب بمسرحياته الثلاث، مزدانا بأسلوب سلس متخلصا من الرطانة اليومية، ومكتسبا إيقاعا جديدا تستسيغه الأذن. وفي رأيي فإن ذلك يدل على قدرة حكمت الحاج على الاندماج في المجتمع التونسي، خاصة على المستوى الفكري، وتمكنه من فهم نفسية الفرد التونسي بكل هواجسه وقلقه واضطراباته. وإن حدث وتحوّل النص إلى عرض مسرحي يعرض على الركح، فإن نصا جديدا يتولد ويرى النور على يدي المخرج، ينفذ فيه تصوره ورؤيته في ملاءمة بين النص المدون، والمتطلبات الركحية، ما يعطي للكاتب فرصة اختلاق نص آخر، كما صرح المؤلف بذلك في أكثر من مناسبة، لعلي شهدت إحداها إثر عرض مسرحية “أصوات” في مدينة بني خداش، حيث أشار إلى ذلك بكل وضوح . هذه الدورة والتي ترصف طبقات من النصوص تتلخص في أربع نسخ للنص الواحد، وأحيانا خمس، حتى يصل النص إلى الركح أين سيكتشف القارئ/ المشاهد حصول تغييرات جوهرية، كما حدت في مسرحية أصوات التي أخرجها الفنان جلال حمودي، والتي عرفت تغيير العجوز بفتاة في مقتبل العمر تحمل عصا عوضا عن السوط ولا يحافظ أبطالها على التباعد المعتاد بل ينخرطان في رقص وهما متعانقان ويتغير طبق الطعام الذي يبقى فارغا إلى آخر النص المكتوب إلى كتب تلقيها المرأة كطعام للشاعر، وكأني بالمخرج يحاول تقريب وجهات النظر وتقليص هوة التصادم حتى يعطي مشروعية لخطاب فقد منطقيته لكنه يتسم بشعرية تنضح بالمعنى.
د. شعرية النص: راوح حكمت الحاج في إنتاجه الأدبي بين القصة القصيرة، وقصيدة النثر، والنص المسرحي المكتوب، وبما أننا بصدد قراءة النص المسرحي فإننا نلمس أثرا للشعر داخله. فهل نحن أمام مسرح شعري؟
في المسرح الشعري عادة ما تتم الاستعانة بنصوص من الشعر العمودي أو من شعر التفعيلة، لكن الشاعر والكاتب المسرحي حكمت الحاج يكسر المتعارف عليه في معادلة جديدة، حيث تنهل نصوصه المسرحية من قصيدة النثر. فنجد خطابا يتسم بالشعرية والشاعرية وحضور قوي للإيقاع والصورة والانزياحات والاستعارات، ووجود شخصية الشاعر في مسرحية “أصوات” والذي يقول كلامه ضربا من الشعر القريب من الغناء “كم من جدار للرأس؟ إنني أتساءل. كم من جدار…أيتها الكلمات، تراقصي في المكان الخالي تراقصي تراقصي تراقصي”. (ص49). وتقول شخصية العجوز في ذات النص: “أشجار تصرخ في وجه الريح.. جاء الشتاء وأحاط بالأشجار سجن من الثلوج حجب رؤية حدود أغصانها بوضوح. كانت تعلم أنها مسجونة هناك في الأسفل وعندما طلعت الشمس الباردة البيضاء خافت الأشجار من صورتها المنعكسة. (ص52)”. وفي مسرحية “الملاك عازف الكمنجة” يقول الشاب: “لا إسم لي، وأحمل كل الأسماء. أنا هو الموت، صديق البشر”. وفي مسرحية “جن”، يدور حوار بين شخصية الرجل، وشخصية “جون”، يعتبر قصيدة متكاملة:
- جون: الحب حزين.
- الرجل: الحب أعمى.
- جون: أنت حزين.
- الرجل: إذن أنا أعمى.
- جون: الحب أعمى.
- الرجل: الحب حزين.
- جون: أنت تحب.
- الرجل: إذن، أنت حزين. (ص 30).
والملاحظ أن كل نصوص حكمت الحاج المسرحية كتبت بنسق منتظم يخلو من الحشو والزوائد والتفرعات، وتم ترتيب مشاهدها وصورها على طريقة كتابة النصوص الشعرية، أفلا يمكن القول إن هذه المسرحيات تصب قالب في المسرح الشعري؟
إن اللغة وباعتبارها أداة التواصل بين أطراف الحوار وبما أنها في مسرح اللامعقول أصبحت مجرد أصوات خشنة مبهمة لا يمكن فهمها، فإن شعريتها في نصوص حكمت الحاج أخرجتها من هذا المأزق وقدمتها في قالب شعري يحكمه نسق وإيقاع، تلفه جمالية وسحر يجعل القارئ يتفاعل معها ويطلق العنان لخياله وفكره للوصول إلى المقصود المطمور، ويشجع الشخصيات على أن تتفاعل أكثر فيما بينها وتتخفف غربتها ويتطور الخطاب ويُلغى خيار الالتجاء إلى الصمت والقطيعة ،كما حدث في مسرحية “النادل” لهارولد بنتر، وهو من كبار كتاب مسرح اللامعقول في العالم.
أضف تعليق