بقلم: حكمت الحاج *
_
مقدمة:/
لا يعتمد مستقبل المسرح العربي على إنقاذ الكتابة الدرامية من الانحدار، بل على إعادة وضعها في سياق تطور أوسع للشكل المسرحي. وما يبدو كأزمة في النصوص هو، عند النظر إليه عن كثب، انتقال هيكلي في أنطولوجيا المسرح نفسه. يُظهر تاريخ المسرح العربي أن لحظات عدم الاستقرار في الكتابة غالباً ما تشير إلى تحولات أعمق في كيفية فهم المسرح لوسيلته الخاصة في التعبير، ولعلاقته بالجمهور.
حين نتحدث عن “أزمة المسرح العربي”، فإننا غالبًا ما نضع اللوم على البنية التحتية على غرار: التمويل، الرقابة، الجمهور، الإعلام، التعليم، أو غياب السياسات الثقافية المستدامة. غير أن كل هذه العناصر، على أهميتها، تبقى أعراضًا لا تمسّ جوهر الإشكالية. فالأزمة الأعمق إنما تكمن في الكتابة ذاتها: في النص المسرحي، في بنيته، وفي لغته، وفي تخييله، وفي علاقته المتوترة بالركح أو خشبة العرض.
هذا التشخيص منا ليس انطباعيًا. في الأدبيات الغربية الحديثة حول “موت النص” أو “ما بعد الدراما”، نجد نقاشًا مشابهًا. هانز تييس ليمان في كتابه المؤثر “مسرح ما بعد الدراما” (1999) يعلن أن المسرح الأوروبي نفسه قد تجاوز “مركزية” النص الدرامي، وأن “العرض” (البيرفورمانس) بات يتقدم على “الكتابة”، وأن البنية الأرسطية الكلاسيكية لم تعد مرجعية إلزامية للكتابة الدرامية. لكن الفارق بين السياقين حاسم: ففي أوروبا وأميركا، جاء “تجاوز النص” بعد قرون من تراكم الكتابة الدرامية المتينة والمتقنة؛ أما في السياق العربي، فإن الحديث عن تجاوز النص يحدث في ظل هشاشة أصله الكتابي أو المكتوبي.
هنا تحديدًا تبرز الحاجة إلى إعادة التفكير في مسار تطوري مرحلي، لا يقوم على القفز فوق “انوجادية” النص، بل على إعادة بنائه، ثم مساءلته، ومن ثم تفكيكه. ومن هذا المنطلق يمكن تصور خطاطة ثلاثية نقترحها على النحو التالي:
أ\. مرحلة الاقتباس أو التأليف الموازي.
ب\. مرحلة التأليف الإبداعي الخالص.
ج\. مرحلة إلغاء الكتابة الدرامية بوصفها مركزًا للتمسرح.
هذا المسار لا يدّعي كونه وصفة جاهزة، بل يقترح أفقًا تاريخيًا تدريجيًا، أقرب إلى تصور “ماركسي” جدلي، لكن بوعي ما بعد حداثي، يشكك في كل يقين نهائي.
# من منظور تاريخي، لم يتطور المسرح العربي في سياق داخلي عضوي كما حدث في اليونان القديمة مثلا أو في إنكلترا الإليزابيثية. المسرح العربي الحديث نشأ، كما هو معلوم، في القرن التاسع عشر تحت تأثير الاحتكاك بالغرب، سواء عبر البعثات التعليمية أو الترجمة أو الاستعمار. ومنذ مارون النقاش ويعقوب صنوع، ظل النص المسرحي العربي في حالة تذبذب ما بين “المحاكاة” و”التعريب”.
في المقابل، تطور النص المسرحي في الغرب داخل تقليد نظري متماسك، بدءًا من أرسطو في “فن الشعر”، حيث حُددت عناصر الحبكة، العقدة، الانقلاب، التعرف، الكاثارسيس، وصولًا إلى تحولات إبسن، وتشيخوف، ثم بريشت، وليس انتهاءا إلى بيكيت وبِنتر وفوسه. هذا التراكم منح الكتابة الدرامية صلابة نظرية وفنية.
أما في السياق العربي، فقد بقي النص غالبًا أسير البلاغة والخطابة والشعرية العالية، أو غارقًا في خطاب أيديولوجي مباشر. كثير من النصوص المسرحية تُقرأ كبيانات سياسية أو قصائد مطولة، لا كبنى درامية متوترة تُبنى على الصراع، الإيقاع، والاقتصاد اللغوي.
في السياق الأوروبي يتم التمييز ما بين “الدراما” بوصفها نصًا، و“المسرح” بوصفه حدثًا أدائيًا، و“الأداء” بوصفه مفهومًا أوسع يشمل الطقس والسياسة وحتى الرياضة. في السياق العربي، لم تتبلور بعدُ علاقة جدلية ناضجة بين هذه المستويات الثلاثة. وغالبًا ما يبقى النص إما أدبًا خالصًا معزولًا عن العرض، أو مجرد مادة خام ضعيفة لا تصمد أمام اشتغال المخرج. من هنا، فإن أي مشروع إصلاحي لا بد أن يبدأ من النص، لا لأنه الأصل الميتافيزيقي، بل لأنه الحلقة الأضعف.
# المرحلة الأولى المقترحة: تقوم على ما يمكن تسميته “التأليف الموازي” أو “التأليف الثاني” أو “المعالجة الثانوية” أو ما يتعارف عليه بمصطلح فضفاض هو “الإعداد أو الاقتباس المسرحي”، أي تحويل نصوص سردية أو شعرية إلى نصوص مسرحية. قد يبدو هذا للوهلة الأولى تراجعًا عن “الأصالة”، لكنه في الواقع يشبه ما حدث في بدايات المسرح الغربي نفسه. شكسبير لم يخترع معظم حبكاته؛ بل استند إلى مصادر تاريخية وسردية سابقة. المسرح اليوناني اقتبس من الأساطير. حتى بريشت أعاد كتابة نصوص كلاسيكية في سياقات جديدة.
تقول ليندا هيتشيون Linda Hutcheon في كتابها الخطير “نظرية الإعداد أو الاقتباس” A Theory of Adaptation أن الاقتباس ليس نسخة ثانوية، بل عملية إبداعية قائمة بذاتها، تُنتج معنى جديدًا في سياق جديد. الاقتباس، إذن، ليس استعارة كسولة، بل إعادة تأطير، وإعادة توزيع للقوى الدلالية.
في السياق العربي، لدينا مخزون سردي وشعري هائل: من ألف ليلة وليلة إلى الرواية الحديثة، ومن معلقات الشعر الجاهلي إلى نماذج قصيدة النثر المعاصرة. ويمكن أن يشكل هذا المخزون مختبرًا تدريبيًا للكتاب المسرحيين. فبدل البدء من فراغ، يبدأ الكاتب من مادة متخمة بالصور والدلالات، ثم يتعلم كيف يختزل، ويعيد البناء، ويخلق صراعًا، ويحوّل السرد إلى حوار، والوصف إلى فعل أداء.
من الناحية التقنية، الاقتباس يدرّب الكاتب على مهارات أساسية: تحويل السرد الداخلي إلى فعل خارجي. بناء مشاهد بدل فصول سردية. الاقتصاد اللغوي. إعادة توزيع الزمن. هذه المهارات غالبًا ما تكون غائبة في النصوص المسرحية التي تنطلق مباشرة من خطاب فكري أو شعري دون خبرة بنيوية في التأليف.
ثمة اعتراض تقليدي على الاقتباس مفاده أنه يفتقر إلى الأصالة. غير أن هذا الاعتراض يفترض تصورًا رومانسيًا للإبداع. فعلى سبيل المثال، رولان بارت، في “موت المؤلف”، يحرر النص من مركزية الأصل، ويجعل الكتابة شبكة من الاقتباسات السابقة. إذا كان كل نص هو نسيج من نصوص، فإن الاقتباس المسرحي ليس استثناءً، بل تكثيفًا لهذه الحقيقة. من منظور تفكيكي داريدي، يمكن القول إن النص السردي يحتوي دائمًا على “إمكانه أو احتماله المسرحي” المؤجل. الاقتباس ليس إضافة من الخارج، بل كشفًا عن بُعد كامن. جاك دريدا في حديثه عن “الأثر” يشير إلى أن المعنى لا يُستنفد في حضوره الأول. الاقتباس المسرحي يحرر هذا الأثر من سجنه السردي. لكن الدفاع عن الاقتباس لا يعني تطويبه دون شروط. الاقتباس الغبي أو الكسول، الذي يكتفي بنقل الرواية أو القصة إلى الخشبة دون إعادة بناء درامي، ينتج عروضًا ثقيلة ومترهلة. المطلوب هو اقتباس “تحويلي”، يجرؤ على الحذف، والتشويه البنّاء، وحتى الخيانة المنتجة.
في الثقافة الأميركية، ثمة مسرحيات اقتُبست عن روايات وشكّلت لحظات مفصلية. فمثلا مسرحية “عناقيد الغضب” The Grapes of Wrath المقتبسة عن رواية بنفس العنوان لجون شتاينبك، في نسختها المسرحية التي كتبها فرانك غالاتي، أعادت صياغة العمل ضمن بنية جماعية تركز على الجوقة والحركة الجماعية. هنا لم يكن الهدف نقل الرواية حرفيًا، بل إعادة تخييلها أدائيًا. كذلك، اقتباسات بيتر بروك من المهابهارتا الهندية قدّمت نموذجًا لكيف يمكن تحويل نص ملحمي ضخم إلى عرض مسرحي مكثف، دون ادعاء أمانة حرفية. هذه التجارب تؤكد أن الاقتباس ليس مرحلة دونية، بل أداة تأسيسية. وفي السياق العربي، يمكن أن يشكل هذا المسار بداية ضرورية لبناء تقليد درامي أكثر صلابة.
من الناحية المؤسسية، يمكن للمرحلة الأولى أن تتجسد في أوراش تدريبية، ومهرجانات متخصصة في “الاقتباس المسرحي”، ومسابقات تشجع تحويل الروايات والقصائد إلى عروض. هذا سيخلق حراكًا مزدوجًا: فمن جهة ستتم إعادة قراءة التراث السردي والشعري من زاوية أدائية. ومن جهة أخرى سيتم تدريب جيل جديد على تقنيات البناء الدرامي.
إن الكثير من برامج الكتابة المسرحية في الجامعات الغربية تبدأ بتمارين اقتباس أو إعادة كتابة مشاهد كلاسيكية. الهدف ليس التقليد، بل التعلم عبر الاشتغال على بنية قائمة. بهذا المعنى، المرحلة الأولى ليست غاية بحد ذاتها، بل هي جسر يعبر به الكاتب من البلاغة إلى الدراما، من الخطابة إلى الصراع، من النص المغلق على الأدب إلى النص المفتوح على العرض.
من منظور أوسع، الاقتباس يعيد وصل ما انقطع بين الأدب والمسرح. في العالم العربي، ثمة قطيعة ضمنية بين الروائي والمسرحي، بين الشاعر وكاتب الدراما. الاقتباس يخلق حوارًا خلاقًا بين الحقول، ويمنح المسرح شرعية ثقافية أوسع. لكن هذه المرحلة، مهما كانت ضرورية، فهي لا تكفي. بل هي تظل، بحكم تعريفها، كتابة على كتابة. وإذا توقف المشروع عندها، فسنبقى في دائرة الاشتقاق. لذلك، لا بد من الانتقال إلى المرحلة الثانية: التأليف الإبداعي الخالص، حيث يجرؤ الكاتب على خلق عالمه الدرامي الخاص، مستفيدًا من الخبرة المكتسبة في الاقتباس، لكن متحررًا من عكازه.
# المرحلة الثانية: التأليف الابداعي الخالص. فإذا ما كانت المرحلة الأولى تقوم على الاقتباس بوصفه مختبرًا، فإن المرحلة الثانية تمثل لحظة القفزة النوعية: لحظة الكتابة التي لا تستند إلى نص سابق، بل إلى وعي درامي متراكم، وخبرة تقنية، ورؤية فكرية واضحة. هنا ينتقل الكاتب من الاشتغال على مادة جاهزة، إلى خلق عالمه الخاص. من إعادة توزيع الدلالات إلى توليدها من الصفر. لكن “الصفر” هنا ليس فراغًا ميتافيزيقيًا. إنه محمّل بالقراءة، بالتراث، بالتجارب السابقة، وبالتاريخ الشخصي والاجتماعي. لا وجود لكتابة خالصة بالمعنى الرومانسي، كما لا وجود لأصل نقي غير مشروط. ومع ذلك، ثمة فارق حاسم بين كتابة تتكئ على بنية جاهزة، وكتابة تبني بنيتها وهي تمشي. المرحلة الثانية، إذن، هي لحظة الاستقلال. لكنها استقلال تقني وفكري، لا عزلة عن السياق.
ولكن، ما الذي نعنيه بعبارة “التأليف الإبداعي الخالص”؟
المقصود هنا كتابة درامية لا تنطلق من تحويل رواية أو قصيدة أو نص تاريخي، بل من تصور درامي أصيل، سواء أكان واقعيًا، تجريبيًا، عبثيًا، ملحميًا، أو هجينًا. هذه الكتابة ينبغي أن تتأسس على وعي نظري ببنية الدراما، وعلى إدراك عميق لتحولات المسرح العالمي. فمن أرسطو إلى إبسن، تطورت الدراما حول مفهوم الصراع بوصفه محرك الحدث. لقد أدخل إبسن البعد النفسي والاجتماعي، وحوّل المسرح إلى مختبر للطبقة الوسطى الأوروبية. لاحقًا، جاء بريشت ليكسر الإيهام ويؤسس المسرح الملحمي، حيث المتفرج لا يُستغرق في العاطفة، بل يُستفز فكريًا. ثم جاء بيكيت ويونسكو ليزعزعا بنية المعنى نفسها. فإذا كان المسرح الغربي قد مرّ بكل هذه التحولات، فإن السؤال الجوهري هو: أين يقف الكاتب المسرحي العربي من هذه السلسلة؟ هل ما زال يعيد إنتاج الواقعية الاجتماعية أو الاشتراكية المباشرة؟ أم يتبنى العبث بشكل سطحي دون عمق فلسفي؟ أم يكرر خطابًا أيديولوجيًا بلغة مسرحية؟ التأليف الإبداعي الخالص يقتضي وعيًا بهذه السلسلة التاريخية، لا بوصفها قيدًا، بل بوصفها تراثًا نقديًا يمكن محاورته، لا تقليده.
الكاتب العربي في هذه المرحلة يواجه معضلة مزدوجة. إذا كتب من داخل محليته، فقد يُتهم بالانغلاق أو الفولكلورية. وإذا كتب بلغة كونية مجردة، قد يفقد خصوصيته. هذه الثنائية نحن نراها زائفة جزئيًا. الشاعر تي. إس. إليوت في مقاله الشهير “Tradition and the Individual Talent” (التقاليد والموهبة الفردية) يطرح فكرة أن الإبداع الحقيقي لا ينفصل عن التقاليد، لكنه يعيد ترتيب الماضي في ضوء الحاضر. الكاتب ليس منقطعًا عن التاريخ، لكنه يعيد صياغته. بهذا المعنى، يمكن للكاتب العربي أن ينطلق من واقعه الاجتماعي والسياسي، دون أن يسقط في المباشرة، شرط أن يحوّل المحلي إلى بنية درامية تتجاوز المناسبة. صمويل بيكيت كتب عن الانتظار والفراغ والعجز، في سياق أوروبي بعد الحرب، لكن أعماله لم تبقَ حبيسة إيرلندا أو فرنسا. السبب ليس أنه كتب “كونيًا” بشكل مقصود، بل لأنه اشتغل على البنية الوجودية للإنسان. الدرس هنا واضح: الكونية لا تُصنع بالتصريح، بل بالبنية. المرحلة الثانية، إذن، تتطلب جرأة في إعادة صياغة المحلي، لا تجميله ولا إنكاره. الكاتب العربي قادر على إنتاج دراما معاصرة إذا تعامل مع واقعه بوصفه مادة خام لتحليل بنيوي، لا شعارًا سياسيًا.
من المفارقات المؤسية أن الحديث عن “التأليف المسرحي الخالص” يحدث في عصر أعلنت فيه النظرية الأدبية عن “موت المؤلف”. لكن موت المؤلف عند رولان بارت لا يعني غياب الكاتب، بل سقوط سلطته المطلقة على المعنى. ميشيل فوكو، في “ما هو المؤلف؟”، يرى أن المؤلف هو وظيفة خطابية (نسبة للخطاب)، لا جوهرًا ميتافيزيقيًا. بالنسبة للكاتب المسرحي، هذا التحول حاسم. النص لم يعد سلطة فوق العرض. المخرج، الممثل، السينوغرافيا، الجسد، الإضاءة، كلها شركاء في إنتاج المعنى. لذلك فإن التأليف الإبداعي الخالص لا ينبغي أن يعود إلى مركزية النص المتعالية، بل أن يكتب وهو واعٍ بأنه يدخل شبكة أدائية متعددة. في أميركا وبريطانيا مثلا، تطورت حركة “الكتابة الجماعية” في بعض المسارح التجريبية، حيث يُبنى النص عبر أوراش عمل مع الممثلين. هذا لا يلغي دور الكاتب، بل يعيد تعريفه. الكاتب هنا ليس ديكتاتورًا لغويًا، بل منسقًا لبنية درامية.
في السياق العربي، لا يزال النص غالبًا يُعامل ككيان مغلق. المرحلة الثانية تقتضي تحرير النص من قدسيته، دون إفراغه من قيمته. إنها معادلة دقيقة: نص قوي، لكنه غير متعالٍ على التمسرح.
إن أحد أسباب ضعف بعض النصوص المسرحية العربية هو خلط الدراما بالمنطوق الآيديولوجي أو المناقبي، أو كليهما معا. المسرح بطبيعته فضاء نقدي، لكنه ليس منشورًا حزبيًا. بريشت نفسه، رغم وضوح مواقفه الماركسية، لم يكتب بيانات، بل بنى مواقف درامية تُجبر المتفرج على التفكير.
الناقد اليساري فريدريك جيمسون، في تحليله للأدب بوصفه “لاوعيًا سياسيًا”، يرى أن النص الأدبي يحمل أبعادًا أيديولوجية حتى حين لا يصرّح بها. لكن هذه الأبعاد تتجسد في البنية، لا في الشعارات. النص القوي سياسي بقدر ما يكشف التناقضات البنيوية في المجتمع.
المرحلة الثانية، إذن، مطالبة بأن تتجاوز المباشرة، وأن تنتج دراما تحليلية، تفكك البنى الاجتماعية، لا أن تعيد إنتاج خطابها السائد. وهذا يتطلب ثقافة نظرية عميقة لدى الكاتب، وقدرة على تحويل الفكرة إلى صراع، لا إلى خطب ومواعظ.
وهنا نؤكد مجددا أنه من دون بنية تعليمية وتدريبية، يصعب تحقيق هذه المرحلة. في بريطانيا، برامج الكتابة المسرحية في الجامعات مثلا، أو عبر برمجيات مثل Royal Court Theatre Writers تلعب دورًا حاسمًا في اكتشاف وتدريب كتاب مسرح جدد. هذه البرامج لا تكتفي بتعليم تقنيات، بل توفر فضاء تجريب معقول. في العالم العربي، لا تزال الكتابة المسرحية تُمارس غالبًا بجهد فردي. المرحلة الثانية تتطلب بنية تحتية ثقافية: مثل أوراش دائمة، مختبرات درامية، دعم إنتاج النصوص الجديدة، نقد مسرحي جاد يواكب التجارب. وواضح لنا أنه من دون نقد، يظل النص في دائرة المجاملة. والدراما التي لا تتعرض لنقد حقيقي، لا تتطور.
ومع كل ذلك، ينبغي الاعتراف بأن هذه المرحلة، مهما بلغت من نضج، تظل محكومة بمركزية النص. حتى لو كان النص متحررًا، فإنه لا يزال في قلب العملية. لكن المسرح العالمي، منذ ستينات القرن العشرين، بدأ يشهد تحولات جذرية: فقد ظهر الأداء الحي (البيرفورمانس)، المسرح الجسدي، العروض التركيبية، التجارب التي تكاد تلغي النص أو تجعله هامشيًا.
# ثالثا: مرحلة إلغاء أدبية الكتابة الدرامية (نحو مسرح مشهدي ما بعد درامي)
هنا نصل إلى المرحلة الثالثة: مرحلة إلغاء الكتابة الدرامية بالكامل، بوصفها مركزًا، لا بوصفها عنصرًا. مرحلة يصبح فيها العرض المشهدي، الجسد، الفضاء، الوسائط الرقمية، شركاء متساوين أو حتى متقدمين على النص. هذا الانتقال ليس هروبًا من الكتابة، بل تتويجًا لمسارها. فبعد أن يتقن الكاتب فن كتابة النص، يمكنه أن يغامر بتفكيكه. أما تفكيك ما لم يُبنَ أصلًا، فليس سوى فوضى. وفيما يلي، سنناقش هذه المرحلة الراديكالية نوعا ما: فما معنى “إلغاء أدبية المسرح”؟ هل هو إعلان حرب على اللغة، أم إعادة توزيع لوظيفتها؟ وكيف يمكن للمسرح العربي أن يدخل أفق ما بعد الدراما دون أن يسقط في استعراض فارغ أو تقليد سطحي لتجارب غربية؟ سنحاول تفكيك هذه الأسئلة دفاعًا عن أفق مستقبلي جريء، لكنه محسوب بدقة.
حين نطرح فكرة “إلغاء الكتابة الدرامية” أو “إلغاء أدبية المسرح”، قد يبدو الأمر كأنه دعوة إلى هدم البيت فوق رؤوسنا. لكن المقصود ليس محو اللغة، بل إزاحتها من مركز السيادة. الفرق دقيق لكنه حاسم. الإلغاء هنا ليس عدميًا، بل تحويليًا. إنه انتقال من المسرح بوصفه أدبًا يُمثَّل، إلى المسرح بوصفه حدثًا أدائيًا تُسهم فيه اللغة بوصفها عنصرًا من العناصر، لا عنصرا أوحد ذا سلطة. في هذا السياق، يصبح من المفيد استحضار هانز ليمان مرة أخرى. في تنظيره لـ “المسرح ما بعد الدرامي”، يبيّن أن كثيرًا من التجارب المسرحية منذ ستينيات القرن العشرين لم تعد تنطلق من بنية درامية تقليدية (حبكة، صراع، ذروة) بل من تركيبات بصرية، جسدية، صوتية، رقمية، حيث النص قد يكون مجزأً، أو شذريًا، أو حتى غائبًا. هذا التحول لا يعني أن النص يفقد قيمته، بل أنه لم يعد المهيمن فحسب. المسرح أصبح مختبرًا للوسائط المتعددة، وللتجريب في الزمن والفضاء والجسد.
في حديثنا لتوسيع مفهوم “الأداء”، سننقل النقاش من حدود المسرح إلى فضاء أوسع يشمل الطقوس، الاحتفالات، السياسة، وحتى الحياة اليومية. إذا كان الأداء أوسع من الدراما، فإن المسرح المعاصر بدأ يستعير من هذا الاتساع، ويتحرر من النص المكتوب بوصفه أصلًا أساسياً.
غيرزيه غروتوفسكي في مقاله/كتابه “نحو مسرح فقير” قلّص الديكور والتقنيات، لكنه ركّز على الجسد بوصفه أداة تعبير قصوى. لاحقًا، طوّر بيتر بروك مفهوم “المكان الخالي”، حيث يمكن لأي فضاء أن يصبح مسرحًا إذا وُجد جسد يؤدي وفعل يُشاهَد. في تجارب لاحقة، مثل أعمال روبرت ويلسون، أصبح الضوء والفضاء والزمن عناصر توازي النص، بل قد تتقدمه. في هذا الأفق، يصبح النص واحدًا من مكونات العرض، لا أساسه. قد يُكتب أثناء البروفات، أو يُستبدل بحركة، أو يُختزل إلى إشارات صوتية. المسرح هنا يتحول إلى تركيب حي، لا إلى تمثيل أدبي.
التحولات المسرحية هذه لم تكن معزولة عن المناخ الفلسفي لما بعد الحداثة. لقد تحدث جان فرانسوا ليوتار عن “انهيار السرديات الكبرى”، أي فقدان الثقة في الحكايات الشاملة التي تفسر العالم. الدراما الكلاسيكية، ببنيتها المحكمة، كانت في جوهرها سردية كبرى مصغّرة: بداية، وسط، نهاية، قم الحلّ. لكن في عالم متشظٍّ، لم يعد هذا النموذج مقنعًا دائمًا. التفكيك الداريدي (نسبة الى جاك دريدا) أظهرَ أن المعنى غير مستقر، وأن النص ينطوي على تناقضاته. فإذا ما كانت اللغة بحد ذاتها غير مستقرة، فكيف يمكن أن تبقى مركزًا ثابتًا في العرض المسرحي؟ إلغاء مركزية النص، إذن، ليس نزوة جمالية، بل استجابة لتحول معرفي أعمق. المسرح، بوصفه فنًا حيًا، يعكس تحولات وعي الإنسان بذاته وبالعالم.
في العقود الأخيرة، ومع الثورة الرقمية، دخل المسرح مرحلة جديدة. العروض لم تعد تكتفي بالجسد والضوء، بل استعانت بالفيديو، بالإسقاطات الرقمية، بالواقع الافتراضي، بالصوت المعالج إلكترونيًا. أصبح العرض فضاءً هجينًا. في الولايات المتحدة وأوروبا، تجارب مثل “The Wooster Group” أو عروض كيتي ميتشل التي تمزج السينما الحية بالمسرح، كشفت إمكانات هائلة لتجاوز النص التقليدي. العرض قد يُبنى على صور، على مونتاج حي، على تداخل بين الواقعي والافتراضي. في هذا السياق، يصبح النص عنصرًا ضمن شبكة وسائط. قد يُقال عبر مكبرات صوت، أو يُعرض مكتوبًا على الشاشة، أو يُفتت إلى مقاطع غير مترابطة. المهم أن مركز الثقل ينتقل من “الحكاية” إلى “الحدث”. (انظر الملحق أدنى هذا المقال وتعريف السايبرفورمانس كإنقاذ).
السؤال الجوهري هو: هل السياق العربي مهيأ لهذه القفزة؟ قد يُقال إننا لم نستكمل بناء النص الدرامي، فكيف نقفز إلى ما بعده؟ هذا الاعتراض مفهوم، لكنه يفترض خطًا تاريخيًا تماثليا واحدًا. الواقع أن المسرح العربي، بسبب نشأته المتأخرة، يمكنه أن يستفيد من تجارب الآخرين دون أن يمرّ حرفيًا بكل مراحلهم. ليس مطلوبًا إعادة إنتاج القرن التاسع عشر الأوروبي لنصل إلى القرن الحادي والعشرين. يمكن التفكير في مسارات متوازية. لكن القفز إلى “المشهدية” دون وعي نظري وتقني قد ينتج عروضًا شكلية، تعتمد على المؤثرات البصرية دون عمق. المرحلة الثالثة ليست دعوة إلى استعراض تقني، بل إلى إعادة تعريف وظيفة المسرح.
إلغاء أدبية المسرح لا يعني إقصاء اللغة، بل تحريرها من وهم أنها الرافد الوحيد. اللغة تبقى عنصرًا أساسيًا، لكنها تتجاور مع الجسد، بالصورة، بالصوت، بالفضاء. في بعض التجارب ما بعد الدرامية، يُستخدم النص كشظايا، كصوت خلفي، كاقتباسات متداخلة. هذا ينسجم مع تصور ما بعد بنيوي للمعنى بوصفه تعدديًا. النص لم يعد وحدة مغلقة، بل مادة قابلة للتفكيك وإعادة التركيب. من منظور نقدي، يمكن القول إن المرحلة الثالثة تحقق نوعًا من العدالة الجمالية: تمنح الجسد حقه، والصورة حقها، والزمن حقه، بعد قرون من هيمنة الكلمة.
في هذا الأفق، يتحول المسرح من كونه فضاءا لسرد حكاية، إلى كونه فضاءا لإنتاج تجربة حسية وفكرية. المتفرج لم يعد يتابع حبكة، بل يعيش حدثًا. هذا التحول يتطلب جمهورًا مختلفًا، ونقدًا مختلفًا، وتعليمًا مختلفًا.
جاك رانسيير، في حديثه عن “المشاهد المتحرر”، يرى أن المتفرج ليس كائنًا سلبيًا، بل شريك في إنتاج المعنى. المسرح ما بعد الدرامي يعزز هذا التصور، إذ يترك فراغات، يفتح احتمالات، لا يقدّم رسائل مغلقة.
مع ذلك، لا بد من الاعتراف بالمخاطر. فكثير من التجارب التي تتذرع بـــ “ما بعد الدراما” تقع في فوضى شكلية، أو تعتمد على الغموض بوصفه قيمة بحد ذاته. الغموض ليس فضيلة تلقائية. العرض الذي لا يملك بنية، حتى لو لم تكن سردية، ينهار. المرحلة الثالثة، إذن، ليست دعوة إلى الفوضى، بل إلى بناء نوع آخر من البنية: بنية إيقاعية، بصرية، حسية، قد لا تعتمد على الحبكة، لكنها تعتمد على تنظيم دقيق للزمن والفضاء.
إلغاء الكتابة الدرامية، في نهاية المطاف، ليس إلغاء للكاتب، بل تحرير له. الكاتب الذي أتقن النص في المرحلتين السابقتين، يمكنه أن يغامر الآن بتفكيكه، أن يكتب نصًا يقبل أن يُمزق، أن يتحول، أن يُعاد ترتيبه. هكذا فقط يمكن للمسرح أن يبقى حيًا: لا بعبادة الماضي، ولا بإنكار اللغة، بل بوعي نقدي يضع كل عنصر في مكانه المتحرك.
# والآن إذا نظرنا إلى الخطاطة الثلاثية كاملة، نجد أنها ليست مسارًا خطيًا مغلقًا، بل هي حركة جدلية متناسقة:
– المرحلة الأولى تؤسس التقنية عبر الاقتباس.
– المرحلة الثانية تثبت النص بوصفه إبداعًا مستقلاً.
– المرحلة الثالثة تفكك مركزية النص وتفتح المسرح على المشهدية.
هذا المسار، إذا تحقق، يمكن أن يمنح المسرح العربي موقعًا فاعلًا في المشهد العالمي. لا بوصفه تابعًا، ولا بوصفه منغلقًا، بل بوصفه فاعلًا واعيًا بتاريخ الفن وتحولاته.
المستقبل، على الأرجح، لن يكون نصيًا خالصًا ولا بصريًا خالصًا، بل هجينًا. المسرح الذي ينجح هو الذي يعرف متى يتكلم ومتى يصمت، متى يكتب ومتى يترك الجسد يتكفل بالمعنى.
هذا المسار لا يلغي الأدب، بل يحرر المسرح من الاحتكار الأدبي. إنه يسمح للمسرح باستعادة طبيعته المتعددة الأصوات، البصرية، والجسدية، والمكانية، والتكنولوجية. إذا تم ترتيبها بشكل صحيح ودعمها مؤسسيًا، فإن هذه التحول لا يَعد بالانحدار، بل بالتجديد. من خلال تبني التطور الهيكلي بدلاً من الاستعادة النوستالجية، يمكن للمسرح العربي أن يحول الأزمة إلى فرصة ويعيد تموضعه كمشارك نشط في إعادة تعريف الأداء المعاصر في جميع أنحاء العالم. بهذا التصور، ينتقل المسرح العربي من التأسيس التقني، إلى الاستقلال الإبداعي، ثم إلى المغامرة التجريبية الواعية، في مسار جدلي يوازن بين البناء والتفكيك، ويؤسس لأفق مستقبلي غير تابع ولا منغلق.
* الملحق:/
# السايبرفورمانس أو فنّ الأداء السيبراني..
لم يعد ممكناً، من وجهة نظري كمؤلف مسرحي، أن نستمر في التفكير في مستقبل المسرح بالأدوات المفهومية ذاتها التي صاغت ماضيه القريب، وَأَوحَلتنا في مشاكله. من هنا سأطرح مفهوم السايبرفورمانس Cyber-Formance أو “فن الأداء السيبراني” (اشتققت المصطلح من دمج مفردتين هما: سايبر و بيرفورمانس) لا بوصفه خياراً تقنياً إضافياً، بل بوصفه أفقاً تأسيسياً يعيد صياغة المسرح العربي من جذوره، ويحرّره من مركزية الخشبة المغلقة، ويعيد تعريف الحضور، والجمهور، والنص، والحدث.
\—
أولاً: في تفكيك “الطبيعي” المسرحي..
حين يُطرح الحديث عن التحول الرقمي، يتقدم اعتراض جاهز: “المسرح جوهره الحضور الحي”. لكن هذا الاعتراض يفترض أن ثمة تعريفاً مستقراً للحضور. ما هو هذا الحضور؟ هل هو التلاصق الفيزيائي بين الأجساد؟ أم هو انكشاف متبادل في زمن مشترك؟
هايدغر حين تحدث عن الحضور لم يقصده بوصفه مجرد وجود مكاني، بل انفتاحاً في أفق المعنى. الحضور هو تزامن ووعي متبادل. وإذا تحقق هذا التزامن عبر وسيط رقمي، فهل ينتفي الحضور؟ أم يتحول؟
إن ما نسميه “المسرح الطبيعي” هو في الحقيقة نموذج تاريخي: العلبة الإيطالية، الخشبة المرتفعة، الجمهور الجالس في الظلام. هذا النموذج لم يكن أزلياً. المسرح الإغريقي كان مفتوحاً على الطبيعة. مسارح القرون الوسطى جابت الساحات. الطليعة الأوروبية حطمت الجدار الرابع. فلماذا يصبح نموذج واحد معياراً أبدياً؟ إن التمسك بـ”الطبيعي” هو تمسك بالمألوف، لا بالجوهر. والجوهر، إن وُجد، هو العلاقة الحية بين مؤدٍ ومتلقٍ ضمن أفق تخييلي مشترك.
\—
ثانياً: من المحاكاة إلى العلاقة..
لقد رأى أرسطو في المسرح محاكاة لفعل. هذا التعريف ظل مسيطراً قروناً طويلة. لكن في القرن العشرين، ومع صعود الحداثة، بدأ المسرح يزعزع فكرة المحاكاة. بريشت لم يعد يريد إيهاماً، بل مسافة نقدية. أنطونان آرتو دعا إلى مسرح قسوة يتجاوز النص. وثمة من تخيل ممثلاً يتجاوز الجسد البشري. ثم جاءت ما بعد الحداثة، ففككت المركز، واحتفت بالتشظي، وخلخلت السلطة النصية. لكن ما نعيشه اليوم يتجاوز حتى ما بعد الحداثة. نحن في زمن التشبيك أو الشبكات. لم يعد السؤال عن الأصل والنسخة كما عند بودريارد، بل عن الترابط والعلاقة. وتحدث نيكولا بوريو عن “الجماليات العلائقية”، حيث يُقاس العمل الفني بقدرته على خلق فضاء تواصلي. السايبرفورمانس يحقق هذا البعد بامتياز. إنه لا يكتفي بتقديم حكاية، بل ينشئ شبكة من العلاقات المتزامنة بين المشاركين. المسرح، في هذا الأفق، ليس تمثيلاً لواقع، بل إنتاجاً لعلاقة.
\—
ثالثاً: تعريف السايبرفورمانس وشروطه..
السايبرفورمانس ليس بثاً رقمياً لعرض تقليدي. إنه حدث يولد داخل الوسيط الرقمي ويتشكل عبره. ويمكن تحديده بأربعة شروط بنيوية:
1\. التزامن الزمني: العرض يحدث في زمن واحد يشترك فيه المؤدون والجمهور، حتى لو اختلفت مواقعهم الجغرافية. التزامن هو ما يمنح الحدث حياته.
2\. خيط سردي أو لغوي: ليس تكريساً لمركزية النص، بل حفاظاً على البعد الحكائي الذي يميز المسرح عن الرقص الخالص أو الفيديو آرت.
3\. الوسيط الرقمي بوصفه مولداً للمعنى: التكنولوجيا ليست قناة نقل، بل أداة إنتاج وتحوير فوري للصور والأصوات والبيانات.
4\. التفاعل الحي: علاقة متبادلة تؤثر فعلياً في مسار العرض، سواء بين إنسان وإنسان، أو بين إنسان وآلة.
بهذه الشروط، يختلف السايبرفورمانس عن مجرد أرشفة رقمية، ويختلف أيضاً عن الأداء الرقمي غير المسرحي.
\—
رابعاً: السايبرفورمانس وأزمة المسرح العربي..
المسرح العربي يعاني من مركزية مفرطة. العروض تتركز في العواصم. الجمهور محدود. الرقابة تضيق الأفق. التمويل هش. والنتيجة: مسرح يدور في حلقة ضيقة. تفتح الرقمنة أفقاً جديداً. حين يُبث عرضٌ مسرحيٌ رقمياً، فإنه يمكن أن يصل إلى جمهور عابر للحدود. تقارير مجلس الفنون في المملكة المتحدة أظهرت أن البث الرقمي يجذب جمهوراً أصغر سناً وأكثر تنوعاً. هذه ليست مسألة تقنية فقط، بل مسألة ديمقراطية ثقافية.
في السياق العربي، حيث تعيق الحدود السياسية والاقتصادية حركة الفنانين، يصبح السايبرفورمانس وسيلة لتفكيك المركزية. يمكن لفرقة في مدينة هامشية أن تقدم عرضها لجمهور عالمي. يمكن لنص جريء أن يجد فضاءً أوسع من حدود الرقابة المحلية. إنه انتقال من اقتصاد الندرة (عدد مقاعد محدود) إلى اقتصاد الاتساع الشبكي.
\—
خامساً: البعد السوسيولوجي المركز والهامش..
المسرح التقليدي يفترض مركزاً: مدينة كبرى، مسرح رسمي، جمهور قادر على الحضور. هذا النموذج يستبعد تلقائياً الأطراف، والطبقات الأقل دخلاً، وذوي الاحتياجات الخاصة. السايبرفورمانس يعيد توزيع الجغرافيا. لم يعد المركز مكاناً ثابتاً. كل نقطة اتصال يمكن أن تكون مركزاً مؤقتاً. هذا التحول يحمل إمكاناً ديمقراطياً، لكنه ليس مضموناً تلقائياً. يتطلب بنية تحتية رقمية، وسياسات ثقافية داعمة، ووعياً نقدياً بالتفاوت الرقمي. هنا لا بد من الحذر من رومانسية مفرطة. الرقمنة لا تلغي الفوارق الطبقية، بل قد تعيد إنتاجها بأشكال جديدة. لكن تجاهل الفضاء الرقمي لا يحل المشكلة، بل يعمقها.
\—
سادساً: الاقتصاد المسرحي الجديد..
التحول إلى السايبرفورمانس يفرض إعادة التفكير في اقتصاد المسرح. لم يعد الدخل محصوراً في بيع تذاكر لعدد محدود من المقاعد. يمكن اعتماد اشتراكات رقمية، تذاكر افتراضية، دعم جماهيري، شراكات عابرة للحدود. كما يخلق هذا التحول مهنًا جديدة: مهندس بث مباشر، مصمم تفاعل، دراماتورغ وسائط، مدير مجتمع رقمي. هذه المهن تعيد تشكيل الفريق المسرحي وتوزيع السلطة داخله. إنه انتقال من نموذج إنتاج مغلق إلى نموذج شبكي أو تشبيكي.
\—
سابعاً: نموذج تطبيقي افتراضي..
لنتخيل مشروع سايبرفورمانس عربي بعنوان “مدن بلا جدران”. النص يُكتب خصيصاً للعرض الرقمي الشبكي، يعتمد على تعدد الشاشات. الممثلون موزعون بين القاهرة، تونس، بيروت، وستوكهولم وباريس. الجمهور يدخل عبر منصة تفاعلية تتيح له اختيار مسارات درامية. في لحظة معينة، يُطلب من الجمهور التصويت على قرار شخصية رئيسية. النتيجة تؤثر فعلياً في مسار العرض. الصور الرقمية تتداخل مع البث الحي. الموسيقى تُولد آنياً عبر برمجيات تفاعلية. العرض لا يتكرر بالطريقة ذاتها مرتين. كل ليلة هي حدث جديد. هنا يتحول المسرح إلى تجربة علائقية مفتوحة. تقنياً، هذا ممكن بأدوات متاحة. ما ينقصنا هو الإرادة المؤسسية والجرأة الفكرية.
\—
ثامناً: الرد على الاعتراضات الأنطولوجية..
الاعتراض الأول: “المسرح بلا جسد حي ليس مسرحاً”.
الرد: الجسد حاضر، لكنه ممثل عبر وسيط. السؤال ليس عن وجود الجسد، بل عن كيفية إدراكه.
الاعتراض الثاني: “الشاشة تقتل الطاقة”.
الرد: الطاقة ليست خاصية فيزيائية فحسب، بل علاقة إدراكية. يمكن لتصميم ذكي أن يخلق كثافة حضور عالية.
الاعتراض الثالث: “التفاعل الرقمي تفاعل سطحي”.
الرد: السطحية لا ترتبط بالوسيط، بل بالتصميم الدرامي. التفاعل يمكن أن يكون عميقاً إذا أُحسن بناؤه.
\—
تاسعاً: السايبرفورمانس ونظرية التلقي..
من منظور جماليات التلقي، كما عند هانز روبرت ياوس، يتشكل العمل الفني في أفق توقعات الجمهور. يعيد السايبرفورمانس تشكيل هذا الأفق جذرياً. الجمهور لم يعد متلقياً سلبياً، بل مشاركاً في إنتاج المعنى. الأفق هنا ليس مجرد خلفية تأويلية، بل أداة فعلية تؤثر في الحدث. إننا أمام تحول من “تأويل بعدي” إلى “تأويل متزامن”. هذا التحول يفرض إعادة كتابة نظرية التلقي في ضوء الوسيط الشبكي، أي بكل بساطة: الإنترنت.
\—
عاشراً: نحو أفق تأسيسي..
إن الدعوة إلى السايبرفورمانس ليست احتفاءً أعمى بالتكنولوجيا، ولا استسلاماً لمنطق السوق الرقمي. إنها محاولة لإعادة تأسيس المسرح العربي على قاعدة علائقية، شبكية، مفتوحة. المسرح إن لم يدخل الفضاء الرقمي بوصفه فاعلاً، سيدخله بوصفه تابعاً. التحول جارٍ. السؤال هو: هل ننتج جمالياتنا الخاصة، أم نستهلك ما ينتجه الآخر؟ هل يمكن لنص مسرحي عربي أن يُقرأ أو يُعرض عالميًا بوصفه نصًا معاصرًا، لا بوصفه “صوتًا من الشرق”؟ الجواب مرتبط بقدرة الكاتب على الاشتغال على البنية الدرامية، لا على الزخرفة الثقافية. في العقود الأخيرة، ظهرت نصوص من بلدان غير مركزية استطاعت أن تفرض حضورها عالميًا لأنها كانت متقنة بنيويًا، حتى وإن كانت محلية المرجعيات. هذا يدل على أن المعيار لم يعد جغرافيًا، بل جماليًا وتقنيًا. السايبرفورمانس إذن، ليس مجرد طموح إبداعي أو ترف مسرحي، بل هو ضرورة استراتيجية. إنها لحظة تثبيت النص/العرض/الأداء المسرحي العربي بوصفه حدثاً حديثاً ومعاصراً، قادرًا على الحوار مع تقاليد الدراما العالمية، لا تابعًا لها ولا معزولًا عنها.
\—
إذن، “العرض مستمر”، كما نقول ذلك بلغة أهل المسرح، لكن الشبكة العنكبوتية هي خشبة المسرح الجديدة ورُكحه. العالم يتغير بوتيرة متسارعة. أنماط الإدراك تتبدل، والحدود بين الواقعي والافتراضي تتداخل. الدفاع عن المسرح لا يكون بالتشبث بصورته القديمة، بل بإعادة تعريفه. السايبرفورمانس، كما أطرحه، ليس بديلاً عن المسرح العربي، بل أفقه الممكن. إنه دعوة إلى تجاوز الأزمة البنيوية عبر إعادة تخيّل الفضاء، والجمهور، والحدث. فالخشبة أو (الركح) لم تعد مكاناً واحداً. إنها شبكة الإنترنت. والجمهور لم يعد صفوفاً صامتة، بل ذوات متصلة. والمسرح، إن أراد أن يظل فناً حياً، عليه أن يعترف بهذه الحقيقة البسيطة: العرض مستمر، لكن من يصر على الأداء داخل جدران الماضي سيخاطب فراغاً، ومن يغامر بالدخول إلى الفضاء السيبراني قد يكتشف أن المسرح لم يكن يوماً أوسع، ولا أكثر قدرة على الخلق، مما هو عليه الآن.
(انتهى)
* قائمة بالمراجع المعتمدة في المقال:/
العربية:
– حكمت الحاج، نحو مسرح رقمي عربي (رؤية وبيان وأفق)، موقع “الحوار المتمدن”، 2021.
– جاك دريدا، الكتابة والاختلاف، ترجمة كاظم جهاد، دار توبقال للنشر، المغرب 1986.
– غيرزيه غروتوفسكي، نحو مسرح فقير، ترجمة سمير سرحان، الشارقة 1999.
– حكمت الحاج، الكيخوطي وَتَليها حَرب: مسرحيتان من دراما اللامعقول، منشورات كناية 2026.
الأجنبية:
Foucault, Michel, “What Is an Author?” in Language, Counter-Memory, Practice, Cornell University Press.
Hutcheon, Linda, A Theory of Adaptation, Routledge.
Lehmann, Hans-Thies, Postdramatic Theatre, Routledge.
Lyotard, Jean-François, The Postmodern Condition, University of Minnesota Press.
Rancière, Jacques, The Emancipated Spectator, Verso.
Schechner, Richard, Performance Theory, Routledge.
Eliot, T. S., “Tradition and the Individual Talent,” in Selected Essays, Faber & Faber.

أضف تعليق