أحمد الشيخ علي
.
وحدة…
منذ طفولتي أتجنب الصداقات. حتى إخوتي لم أكن على وئام معهم، كان مزاحهم ثقيلا علي، ولم تعجبني ألعابهم البريئة أو الشيطانية. لذا كنت أقضي وقتي وحيدا.
….
صرت كبيرا بما يكفي لتكون لي حياتي الخاصة، واخترت أن أكون وحيدا أيضا. لم أفكر بالزواج أبدا، وها أنا الآن في العقد الخامس، أقضي وقتي في عالم لا أحتاج فيه إلى أحد، وهذا يشعرني بسعادة كبيرة وحرية لا يعرفها إلا من هم مثلي. وهؤلاء أصدفهم أحيانا يجلسون وحيدين على ضفاف الأنهار، أو في الحدائق العامة، يكتفون بأنفسهم، ولا ينشغلون لأي أمر.
….
بالأمس حصل ما لم يكن متوقعا. كنت أتخذ مكاني في الحديقة التي أرتادها عادة، وعلى مقعد آخر كانت تجلس امرأة رأيتها مرات عديدة في هذه الحديقة. كانت غارقة في وحدتها دائما، وأظنها سعيدة وهي تتأمل الطبيعة، وتتنسم الهواء النظيف في هذا المكان الهادئ. فجأة رأيت ظلها يقف، ويتجه ماشيا نحو مقعدي، فيما نهض ظلي ومشى إلى ظلها، وما بين مقعدينا التقى الظلان، وتعانقا، ثم انطلقا مبتعدين يمسك أحدهما بيد الآخر.
***
غيمتي الوردية..
لا علاقة للشمس ولا لتلك البحار المترامية الأطراف بالغيمة التي ملأت السماء اليوم.
إنها غيمة وردية بحواف خضر، وهذا لا يحدث عادة.
كنت أرسم بسبابتي على هواء الصيف شجرة فتزهر الشجرة بقربي، وأرسم طيرا فيرفرف بجناحيه ويقف على غصن الشجرة، وأرسم جدولا فائضا، فيغني الجدول بين قدميّ.
وعندما مسحت الهواء، اختلطت الألوان وظهرت غيمة كبيرة وردية بحواف خضر.
هذه الغيمة التي تمطر الآن، لم تأت من البحار البعيدة، ولم تصنعها الشمس التي كانت تختبئ خلف غيمتي.
***
طائرتي الورقية
قبل نصف قرن، وربما أكثر من ذلك بقليل، صنعت طائرة ورقية، بذيل طويل. ومع انكسار الشمس تركت طائرتي تأخذ بكرات الخيوط التي بحوزتي، وتبتعد..
كانت طائرتي هي الأجمل بين طائرات أقراني، ذهبت بعيدا حتى نفدت خيوطي، ولكنها كانت تريد أن تبتعد أكثر، وكلما سحبتها لتعود كانت تعاند بقوة، توسلت إليها ورجوتها أن ترجع، لكنها لم تستجب لي، وانقطع خيطها، رأيتها تذهب بعيدا، بعيدا ذهبت حتى اختفت.
بكيت طائرتي الجميلة، ونمت تلك الليلة وأنا أشهق من الحزن.
….
اليوم، وبعد خمسين سنة أو أكثر قليلا، بينما كنت نائما، سمعت طرقات خفيفة على نافذتي، كان الوقت متأخرا، ولكنني رأيتها، إنها طائرتي الورقية نفسها، كانت خلف زجاج النافذة تبتسم لي.
بدت أكبر من ذي قبل، ولكنها ما زالت جميلة كما كانت من قبل.
أشارت لي لأخرج إليها، ففعلت.
طلبت مني أن نذهب في جولة طيران حر، فتمسكت بها وبدأت ترتفع بي، ومثلما حدث في المرة السابقة ذهبت بعيدا.
هذه المرة أخذتني معها ولم تعد بنا أبدا.
***

أضف تعليق