حميد عقبي
من المعروف للجميع المكان أن المكان في أي رواية أو عمل سردي أدبي يعد بمثابة الدعامة الأساسية والمهمة جدا، وسيكون العمود الفقري التي ترتكز علييه معظم عناصر السرد الأدبي، مثل الزمن والاحدث وكافة أنواع الشخصيات إي أكانوا الأساسية أو الثانوية أو حتى العابرة والنادرة والتي قد تظهر في حدث أو جزء صغير من حدث.
لكل كاتب ومبدع طريقته واساليبه والبعض يعتمد على معرفة تامة بالأمكنة التي يصورها وقد يكون عاش في بعضها وله فيها دكريات وتجارب حياتية متعددة وقد تكون قوية وذات تأثير في كل ما يكتبه والأمثلة كثيرة جدا لروايات جعلتنا نعشق بعض المدن كروايات نجيب محفوظ وإحسان عبدالقدوس وغيرهم كثيرين جدا صوروا لنا أحياء القاهرة وحواريها وشوارعها والنيل وأماكن أخرى، وقد يخلق المبدع الأمكنة ويخلق طقوسها ومناخاتها وحدودها وعلاقاتها ببعض الأماكن الحقيقية الواقعية، في رواية غمسيس وهي مشتركة بين كاتبيها: العراقي حكمت الحاج، والتونسية عواطف محجوب، نحن ما مكان تخيلي وقد لا ينتبه بعض القراء إلى هذا، لا توجد مدينة تونسية ولا عربية بأسم غمسيس، هي مدينة متخيلة بداية من اسمها والكثير من تفاصيلها وشخصياتها واحداثها.
هدفي من هذه المادة محاولة تلمس الدلالات المتعددة الدرامية والميتافيزيقية والنفسية وغيرها من هذا المكان أي غمسيس وما تحوتيه من أمكنة صغيرة وأزقة وبيوت وغير ذلك، المكان هنا بطبيعة الحال يعد المسرح الأساسي للأحداث الذي تتحرك وتعيش فيه الشخصيات، تغادره، تحن وتعود إليه مثل أبجد ونور وهو ملاذ لشخصيات أخرى مثل شخصية رقية على سبيل المثال، وهو مكان من الرمل والبحر والريح والأزقة وكذلك من الروائح والموج والرغبات والحب والمغامرات والفجائع.
سنجد من السطور الأولى في الرواية وفي الصفحة الأولى منها فرار الشخصية أبجد من المدينة العاصمة تونس وقد كره نفسه بعد قضاء تسعة أشهر دون العودة إلى الجنوب وأعتبرها تجربة سيئة وقاسية رغم أنه وصف مدينة تونس وبعض شوارعها وبهجتها ولكن قد نفهم أنه هو أي طبيعته وروحه ممزوجة وملتحمة بالجنوب، ورغم وصفه مناخ هذه المكان ومن البداية فالرواية لا تبشرنا بمكان فردوس مثالي للحياة والحب، لنقرأ هذا الوصف ( دخلت الدار فواجهتني تلك الحقيقة: أنا أعيش لوحدي. إنه شيء حقير، بل أحقر من هذا الطقس الجنوبي اللزج المغبر الساخن رغم أننا من المفروض أن نكون
في فصل الربيع.)
نحن ومع تأمل بسيط لهذه السطور لن نعيش ونتعايش مع جنة وأنهار وغابات وحدائق وسنسأل أنفسنا إن كنا سنتعايش مع جحيم مستعر مفجع، وهنا كمن يفتح لنا عدة نوافذ تخيلية بمستويات متعددة ومرآيا وعدسات متنوعة لنرى ونتذوق وقد يحب بعضنا هذه الأمكنة وكأنها تدغدع ذكريات مدن تشبه غمسيس وقد يحدث العكس ويكره هذا المكان لفراره من مكان يشبهه ومع ذلك حتى للذين يكرهون هذه المناخات وهذا المكان فسيهمهم قراءة ما يحدث فيها.
الكاتبان حكمت الحاج وعواطف محجوب كمن يحضرنا لرؤية وتذوق تخيلي، بالوصف السابق للطقس المغبر اللزج وحالة الاكتئاب التي تصاب به أبجد في بيته، ولا مجال له إلا الهروب إلى شقة نور، بالصفحة الثانية ثمة مزيد من مواصفات غمسيس ونقرأ ( وهكذا بدت مقاهي ومطاعم القرية المنفوخة التي أعيش فيها على بحر ملطخ بدماء أسماك الصيادين الفقراء وببقايا أكياس الشباب الحارقين إلى أقرب جزيرة إيطالية لتحرير الحلم وتحلية اللقمة…).
لم نعرف في الفصل الأول القصير المعنون بنور أسم المدينة أو هذه القرية وبهذا الوصف ثمة ثكثيف واختزال ونهج يختلف ويغاير الكثير من الكتابات الرواية حيث يتم وصف دقيق ورسم المعالم ووضعنا في بعض الأحيان مع خرائط جغرافية مكانية وقد يذهب البعض للوصف المعماري لبناية أو عمارة أو بيوت وأرصفة فنعرف اللوانها وحجارتها وشبابيكها، لكن الذي سيتابع القراءة المتأنية قد يصل إلى أن البحر الملطخ بدماء أسماك الصيادين الفقراء سيتغلغل في نفوس أغلب الشخصيات وخاصة الشخصيات الرئيسية (أبجد، نور، رقية، محاسن) وكأنه جزء من تكوينهم وكأنهم أخذوا بعض صفاته، البحر له جماليته البديعة في هذه الرواية وكأن قدره أن يكون هنا بهذه المدينة وأن تشوه بعض معالمه ويكون مسرحا للفجائع والتراجيديا كما أنه منفذا للهروب من كوابيس الفقر والجمود والخيبات.
في الفصل الثاني بالرواية المدينة والبحر، تصدمنا العبارات الأولى وتقلقنا ونقرأ (“غمسيس” مدينة مسطحة، مثل مياه البحر المجاور التافه الذي هو عار على البحاركلها، حتى وإن كانت واقفة تحت الشمس.) ثمة مخاضات وأمواج عاصفة وعيوب ربما ليس بالمدينة ولكن في شخصية أبجد وأغلب الشخصيات، البديع أيضا هذه الاشتغالات والقفزات المتعددة من غمسيس المدينة كمكان إلى عمق أبجد الرجل ثم إلى المرأة نور، نور لم تكن جميلة بشكل كبير لكنها كانت جيدة وعلمت أبجد طرق المتعة وسنجد لها أوصافا كثيرة فهي امرأة لا يشبهها أحد، كذلك “غمسيس”مدينة فيها العيوب لكنها ستعلمنا الكثير وستجعلنا نتشوق إلى زيارتها لو كانت مدينة حقيقية رغم ما فيها ويتم التأكيد وخاصة في هذا الفصل المهم لنرى ونشعر بهذه المدينة البحرية المنسية المنبوذة المسكونة بالريح طوال الوقت، أي كأننا بمدينة خلقتها وتسكنها آلهة الرياح، هذه الصفات وخاصة الريح وكذلك البحر والتراب أي نحن مع عناصر وبطرق غير مباشرة تسحب “غمسيس” بهدوء من كينونتها الجغرافية والواقعية إلى دهاليز تقترب من العالم الميتافيزيقي.
كذلك ربما قد يشعر بعضنا أن صفات “غمسيس” لا محدودة وقد نجدها في تفاصيل حدث عابر وبسيط وهذا بحسب تذوقي مثلا ، ص 16، في الكافية يرى أبجد شابة بشعر (مجعد طويل وقامة فارعة ورشاقة مذهلة وسروال ضيق.) ويتابع تحركاتها قد يأتي في ذهننا أنها تغريه بحركاتها حيث تفتح أزرارقميصها السماوي وتحتضن ثديها الأيسر بكفها الأيمن..نتابع أن هذه التحركات كانت لترضع طفلها وليست اشارات مباشرة غواية واستدراج وكذلك ربما ليست بريئة وهكذا “غمسيس” مدينة بوسعها أن تدعو الشخصيات إلى الغواية والرغبة ثم قد تحدث نكبات وانتكاسات فنجد الذم والهجاء لهذه المدينة.
كأن “غمسيس” توزعت صفاتة في دم الشخصيات وكذلك تؤثر فيهم، هذا المزج يضفي الكثير من السحر للمكان فهو ليس مجرد هيكل وعائي لهم بل أكثر من ذلك هم منها وهي منهم وإن اختلفوا فيها وعليها، بداية الرواية ابتعدت عن المباشرة والوصف السهل وتدعونا لتجربة تذوقية فيها نوع من التشاركية وهي لا تملي علينا حمولات فكرية وفلسفية ثقيلة ومعقدة رغم ما تزخر به من أسئلة مقلقة شائكة، وهي ليست رواية تعليمية وهذه الشخصيات المتعددة المخلوقة في هذا المكان ومن مكوناته أو الوافدة إليه، لا مثالية أخلاقية ولا أي ادعاء، هي إنسانية ويكفيه ذلك.
كلما نجازف ونوغل في قراءة الرواية ندرك تورطنا وأننا مع عمل روائي حداثي وربما أبعد، تتفتح مساحات تخيلنا وتتعدد مواجهاتنا للعديد من الانزيحات اللغوية والمدهش أننا نقع في مازق الدلالات، لآننا تركيزنا على المكان سنجد لا يقف عند المسار الفردي لخلق بطولة استثنائية وضخمة أو خارقة ويذهب إلى المسار الجمعي ولكن ليس ليعطي كل شخصية الجلباب والحلم المناسب لترسم هذا الحلاق وذلك الكاتب وهذه الجميلة وتلك الشريرة و..و..،..، المكان هنا هو المصدر الذي لا يجف من الدلالات الغير مصطنعة لآن الرموز والدلالات المسروقة أو المصنوعة تنفضح بسهولة حتى للقراء البسطاء، في رواية “غمسيس”، نحن مع عمل روائي يتمتع بالأصالة والخلق الفني وقد تقذف بنا إلى شواطئ الشعرية ثم سرعان ما تؤكد على أصالتها السردية.
لآن السحر لا يكتمل إلا بالليل والموت، الليل مخيف وكأنه الوجه الآخر للمدينة وكذلك الشخصيات، كانت نور تحذره دائما من مغبة التمشي في الليل في غمسيس الخطرة دائما، غمسيس والتي تشهد موجة الغرباء الغير عادية، لا تكتفي الرواية بوصف الأرض والبحر والموج والميناء العفنة ثم ترتفع الكاميرا إلى السماء فاذا هي متسخة بالغيوم الدكنة، هنا ربما محاولة لسلب المكان أي غمسيس بعض القداسة والهيمنة على تفكيرنا كقراء، ثناء قراءة مثل هذه الرواية تزداد قدراتنا الإنتقال والقفز من موقع القراءة ثم المشاركة التخيلية إلى موقع المشاهدة وقد يضيف البعض لهذا المكان صفات ومعالم، أو يراه من زوايا مختلفة، سنجد أن الكاتبين حكمت الحاج وعواطف محجوب وخلال تصويرهم للمدينة لم يكتفيان بكاميرا محمولة على الكتف، سنجد لقطات تشبه عين الطائر ولقطات دون مستوى النظر تشاهد السماء ومعالم وشخصيات من هذا المستوى، قد تهتز الرؤية وتحدث تشويشات ضبابية مربكة لآننا بمكان معجون بالريح ومحاط بالبحر ومفروش بالرمل وتتحرك فيه مخلوقات طينية وملذات مستعرة وأحلام وردية وموت، بداية من ذبح الأسماك ورمي بقاياها بالبحر وقربة ثم موت الحالمين الحراقة أو الحارقين وعودة بعضهم في أكياس وهناك من يموت ولا تعود منه أي بقايا، وموت أحدى الشخصيات الثانوية والذي يميط اللثام عن وجه جديد من وجوه المدينة المتعددة الوجوه والأقنعة.
محاسن أيضا جزء من روح المكان وأحد الوجوه والمفردات لهذه المدينة الصاخبة بالتناقضات، رقية الرقيقة الهاربة من العنف، لو تأملنا إذن ثمة عنف أفضع وأكثر رعبا مما يوجد في هذا المكان وحتى اولئك الذين ينجحون للوصول إلى مدن إيطالية وفرنسية سيكتشف بعضهم رعب تلك المدن وقسوتها وأنها ليست الفردوس المنشود مما يجعلهم يشتاقون ويعودون إلى مدن مثل غمسيس، وأنها ليست الجحيم الأرضي ولا المتاهة ولا هي جنة الخلد، هي مدينة إنسانية تضج بالحياة وبكل المتناقضات فينا، لسنا مع مدينة النحس ولا الحظ، تتأكد إنسانية المدينة مع كل صفحة نقلبها ونكمل قراءتها.
تتعدد أساليب رسم وتصوير ووصف المكان والولع بأستخدام تقنيات اللقطة السينمائية والمونتاج والرسم التشكيلي وتحاشي الوقوع بالكتابة الشعرية المفرطة، في كل فصل سنجد ثمة رغبة للتمسك بالسرد وتقنيات كتابة الرواية وجعل الطرق والوسائل المتعددة الاخرى لدعم الرواية كرواية وليس القفز من سفينة الكتابة الروائية.
وصول أي عمل روائي لحفر ونحت مكان ما بهذه الأناقة والسحر وتدفقات المرئي واللأمرئي والتموجات المربكة بين الواقع والخيال وملامسة شواطئ اللأمعقول بكل ما يحيويه المكان من حجر وبشر وأرواح وأحلام يعد نجاحا جيدا يطمع إليه أي روائي، هذه قرأتي الثانية عن رواية غمسيس وهي دافع لقراءة ثالثة ورابعة وربما أكثر، الرواية مغرية لأي سينمائي بما تتميز به من مقومات وعناية بالمكان المفخخ بالدلالات الدرامية والميتافيزيقية والنفسية وكذلك عناصر متعددة يمكننا تناولها مستقبلا.
هوامش:/
“غمسيس”، رواية مشتركة، حكمت الحاج وعواطف محجوب، منشورات سلسلة كتاب كناية، 2023
لتنزيل نسخة موثقة من الرواية، برجاء اتباع الرابط التالي:
https://www.mediafire.com/file/o0rkgpub3jzfvx7/%25D8%25BA%25D9%2585%25D8%25B3%25D9%258A%25D8%25B3_%25D8%25B1%25D9%2588%25D8%25A7%25D9%258A%25D8%25A9_%25D9%2585%25D8%25B4%25D8%25AA%25D8%25B1%25D9%2583%25D8%25A9_%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585%25D8%25AA_%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25AD%25D8%25A7%25D8%25AC_%25D9%2588%25D8%25B9%25D9%2588%25D8%25A7%25D8%25B7%25D9%2581_%25D9%2585%25D8%25AD%25D8%25AC%25D9%2588%25D8%25A8_%25D9%2583%25D8%25AA%25D8%25A7%25D8%25A8_%25D9%2583%25D9%2586%25D8%25A7%25D9%258A%25D8%25A9_%25D8%25B3%25D8%25AA%25D9%2588%25D9%2583%25D9%2587%25D9%2588%25D9%2584%25D9%2585_2023.pdf/file

أضف تعليق