من “غمسيس” الروح إلى “غمسيس” المتاهة..

(قراءة في رواية "غمسيس" المشتركة بين كاتبيها، حكمت الحاج وعواطف محجوب..)*
حسين علي يونس
1.
عادة ما كانت الروايات الكلاسيكية الكبيرة تكتب من أجل سد الفراغات وزيادة الدخل عبر مراكمة الصفحات. كان عدد الكتاب في ذلك الزمن محدودا والقراء كانوا محصورين بالطبقة الغنية. ومع تقدم الزمن كثر عدد كتاب الروايات وازداد عدد القراء قبل ان يضمر وقت القراءة لاحقا. كانت القراءة مرتبطة بالمترفين الذين يعانون من الضجر في أسرتهم ويسعون لقتل الوقت وتبديده قبل ان تنتقل إلى الشغيلة. الآن، كثر عدد الكتاب، وقل عدد القراء، وكذلك تراجعات سويعات القراءة بسبب تعدد وسائل الترفيه والركض خلف السلع، ولم يعد المرء يقرأ طالعه في جريدة. لهذا أصبح قراء الروايات قلة لنقل انها هائلة، ازداد نشاطها وصخبها، ولأنها صاحبة الشأن، أصبح كتاب الرواية يكتبون رواياتهم وبقية الكتاب يطالعون ما يسطرونه، بينما تحول الزمن الى جاروف يكنس الروايات الثقيلة المثقلة بالوصف والحشو والورق الذي لا لزوم له. أصبحت الروايات الصغيرة تنام في المسامات التي لا يصل اليها الجاروف بسبب رشاقتها وخلوها من الحشو والكلام الفارغ، وهذا ما سيحفظها من الذوبان واعادة الصهر. بالطبع نحن نتحسر على الروايات كبيرة الحجم والقيمة، التي قدر لها ان تستمر بالعيش حتى يومنا هذا بسبب صمودها ازاء ضربات ذلك الجاروف الذي يعجز عن زحزحتها بسبب ضخامتها واتساع كتلتها وامتدادها الكارثي الذي يبدو ضد الزمن. نحن نتمنى ان نعثر على روايات مثل “البحث عن الزمن المفقود” ، “دون كيخوته” ، “الحرب والسلام” ، “الاخوة كارامازوف” ، “الجريمة والعقاب”، “الدون الهادئ”، “الانسان دون ملامح” ، “يوليسيس” ، “الجندي الطيب شفيك”، “الجبل السحري” ، “موبي ديك” ، “المسرنمون” .. حين تصادف ان تعثر على رواية بهذا الحجم سيكون هذا من دواعي فرحك، لكن ليس امامنا في زمن الصورة الا ان نكتب روايات صغيرة الحجم، وأن نبحث عن تلك الروايات الصغيرة التي تنام بين الشقوق الخالية من الحشو وتنتمي الى ادب المهمشين والمسحوقين الذين يبحثون عن معنى وجدوى لحياتهم في عالم يتسم بالعدمية والتركيب المعقد حيث تغيب سمة الانسانية تلك التي كنا نجدها في الروايات الكلاسيكية كبيرة الحجم التي تربينا عليها واصبحت من خزين ثقافتنا الذهبية التي لا تغيب شمسها.
2
“غمسيس” ليست رواية، بقدر ماهي أمثولة. ظاهريا، هي قصة حب مغلفة بالسياسة، فيها مسحة بوليسية تمتاز بالخفة والطرافة وتسعى لترسيخ ما هو قائم فعلا عبر علاقة الكائن (بأرضه، مشيمته) ومن ثم هجره لتلك (المشيمة -الأرض) الحاضنة حين تعمل بشكل عكسي لتفك ارتباطه بمكان تكونه عيشه ووجوده ومن ثم نزوحه القهري عن (المشيمة -الارض) الذي يظل مستلبا ولا يتجذر بسبب طبيعة تلك العلاقات المضطربة بسبب القهر السياسي والاجتماعي الذي يراكم المأساة دون ان يحلها او يحد من كارثيتها عبر عملية تحول مشروطة بالطمأنينة التي لا تتحقق، إذ إن وجود الأنسان (أبجد) دون شروط عيشه، تعادل عملية محوه. انطلاقا من ان العيش في غمسيس (الرحم) ضمانة كبرى للسكون والحركة معا، وبالتالي، الاستمرار في العيش. لكن العيش في “غمسيس” خارج الرحم لا يوفر له أدنى ما يمكن من الضمانات، بل يراكم الكثير من المشاكل، ويعمق نسبة اغترابه ويجعل ضياعه قدرا حتميا يتصاعد، في الوقت الذي كان ينبغي فيه تصفير تلك النسبة، والحد من كونها قدرا، من اجل استمرارية الحياة ومواصلة العيش.
الوجه الآخر والبديل الموضوعي لتلك الغربة هو العلاقة الملتبسة مع “نور” ومع “رقية” و”محاسن”، والأم ذات الحضور الطيفي. إضافة الى مكان العيش (رحم أبجد الآمن) الذي يبدو طاردا ومن معاضله الكبرى فهو يظل يكافح من أجل لقمة عيشه في (المكان الرحم) الذي يهجر عبر عملية تنقل قسرية بسبب ضغط ومعاداة النسق الذي يضطره إلى البحث عن مكان بديل يفتقد فيه إلى جذوره التي نمت في غرين جسده، وبالتالي سيكون مضطرا إلى معالجة أسباب هذا المشكل. لكنه سيفقد حتما تلك الروابط الطيفية، وسيؤدي ذلك بالضرورة إلى مراكمة معضلة أخرى فرعية، وهي اغترابه النفسي، وبالتالي فإننا سنكون قد عالجنا المشكلة عبر نقلها إلى الجانب الآخر . هذه هي حكاية “أبجد”، الشخصية المحورية في الرواية، الذي يعاني فيتخذ من التجوال والانتقال من مكان الى آخر أحد الحلول، لكنه يدفع حياته ثمنا لكفاحه، بينما نساء حياته هن من يدفعن الثمن الذي يعادل صخرة سيزيف او يوليسيس في مواصلة رحلة البحث عنه، الذي يشعرهن من خلال تحركهن بركود الحياة وثقل الزمن وسيولته ولا جدواه.
كتبت هذه الرواية بالطريقة الشذرية التناوبية كمة يبدو لي. فصل للرجل وفصل للمرأة، وثمة فصول كتبت بطريقة مشتركة طبعا. ومن الممكن فك شفرة فصول المؤلف حكمت الحاج عن المؤلفة عواطف محجوب، من خلال ثقافتهما، ومن خلال الرموز والعادات، من خلال مرجعياتهما الاجتماعية والدينية والثقافية. والشيء الذي لفت نظري انهما كتبا عملا واحدا بصوتين لم يكن فيهما ما يدل على الاختلاف، وكانت نسبة الانسجام في عملهما كبيرة حتى انني شعرت ان الكاتب، هو أو هي، هو مخلوق واحد. لقد تماهت أنا الكاتبين في “أنا” واحدة، ولم يكن لشخصيتيهما أي حضور لافت. لقد غاب الكاتبان في تلك اللعبة تماما، وكان حضورهما الشبحي ملفتا للنظر فعلا.
3.
يستند الأدب في مجمله على استغلال فائض الوجود، أو الوجود المهمل في تناميه، ولا يكتفي بوضعه موضع المساءلة التي ما فتئت تعيد تكرار فعلها، ثمة طرق انسانية يجب تتبعها، وكائنات تعمل بشكل درامي للملمة الجروح والندوب الانسانية التي تمس طرق الحياة وضنكها حيث تتضافر شخصيات متناحرة متعارضة بشكل حاد وتسعى لتكريس هدف لا يتغير في جوهره وهو البحث عن التناسق من خلال الطرق التي تبدو متعارضة مع منطق القانون الذي يضبط تعارض الإرادات عبر الشخصيات المتناحرة داخل متن الرواية التي تعتمد على ثيمة ليست معقدة: قصة حب بين أربع كائنات تعوم مصائرها في مدينة بحرية تدعى “غمسيس”. أربعة اصوات تتبادل التلصص والهمس والحزن وجريمة قتل غامضة تشد تلك الشخصيات وعملية مطاردة تبدو لا نهاية لها .
4.
انطلاقا من “غمسيس”، كل الناس لديهم رغبة بتدوين حياتهم، لكن قلة الإمكانيات التقنية وطرق الكتابة وما شابه، تجعلهم مكتفين بتدوين حياتهم عيشا. الروائي المحترف هو الذي يكتب روايات كبيرة كالمحيط الروائي، والهاوي هو الذي يكتب روايات صغيرة جدا. في البدء، يعلمنا طوفان الروايات هذه الايام درسا بليغا وهو ان كتابة الرواية ليست امتيازا بل هي دعوة للجميع ليكتبوا حياتهم روايات. كان الشعر امتيازا، ولم يعد كذلك. كيف نكتب رواية مشتركة؟ كنت اعتقد انها تكتب بطريقة “الكولة” أو “الكولبة” كما يقول حكمت الحاج. كثيرا ما كنت ألتقي أناسا يتمنون أن يكتبوا قصص حياتهم في رواية أو قصة كثيرة الشبه بقصة “البؤساء” التي كتبها فيكتور هيجو. منهم أناس لا يتقنون القراءة والكتابة مثل أمي فهيمة وعمتي كواغد التي تنام في مقبرة السلام منذ سنوات عديدة يرحمهما الله. وفيهم ايضا شعراء كبار، مثل من أسر لي ذات يوم ونحن نحتسي الشاي في “مقهى الجماهير” ببغداد، عن رغبته بكتابة رواية بعد ان قرأ روايتي “عربة في بابل” والتي تحولت إلى “يوميات صعلوك ” حين طبعتها فيما بعد، ولكنه لم ينفذ الوعد لحد الآن.
* غمسيس، رواية مشتركة، حكمت الحاج وعواطف محجوب، منشورات كناية، 2023.
لتنزيل نسخة من الرواية مجانا:
