كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج


حميد عقبي



من عادتي قراءة أغلب النشاطات الإبداعية برؤية سينمائية، وقد أكون من أفشل الفاشلين بمجال النقد وخاصة النقد الأكاديمي. أنا أنظر إلى الإبداعات برؤية الشاعر والسينمائي والمسرحي والفنان التشكيلي، وأعجز عن ممارسة مصطلحات النقاد وطرقهم وأساليبهم. وقد لا يعتبر البعض تأملاتي هذه ضمن المناخ النقدي، لكن كل هذا لا يهم.
هذه هي تأملاتي النقدية حول “غمسيس”، تلك الرواية المشتركة بين كاتبيها: العراقي حكمت الحاج، والتونسية عواطف محجوب، والتي كانت قد صدرت منتصف العام 2023 عن منشورات “سلسلة كتاب كناية”، في طبعتين متزامنتين، ورقية وإلكترونية.
في البداية، أود أن أشير كمتذوق وسينمائي أن ثمة أعمالا إبداعية سندويتشية مؤقتة المتعة وسريعة النسيان ولا تلتصق كثيرا بذاكرتنا ولا تسبب لنا أي نوع من القلق. وهناك أعمال إبداعية تؤثر فينا وتقلقنا وقد تزعجنا ولا نقدر نسيانها أو على الأقل نسيان بعض شخصياتها وأماكنها وأفكارها وحوارتها. ورواية  “غَمْسيس” من هذا النوع المقلق، وقد نتمنى أننا لم نتورط في قراءتها.
حاول الكاتبان في روايتهما المشتركة هذه أن يخلقا مدينة ليست موجودة ككيان خرائطي، لكنها واقعية ومعاشة في نفوسنا. “غمسيس” تشبه عدة مدن عربية وعالمية، وقبل ذلك إنسانية. مدينة تقع على البحر وخلفها الجبل وعن يمينها ويسارها قرى ومزارع ورمال و…و… تتسم بميناء للصيد وتفوح منها رائحة السمك المشوي عبر مطاعمها، وفيها بشر بمختلف التنوعات والأحلام. “غمسيس” هي مدينة الفضيلة والرذيلة والأحلام والكوابيس، يجتمع فيها الخير والشر، الأماني والتهيؤات، الفشل والنجاح، كأننا بمدينة جمعت كل متناقضاتنا ومخاوفنا وأحلامنا، وقد أسبغت عليها الكتابة الروائية قداسات متعددة بحيث نتمنى أن تْوجد كمثل هذه المدينة ونطمح لزيارة هكذا عالم.
إذن سنكون مع أربعة شخصيات رئيسية في هذه الرواية، وعدد من الشخصيات الثانوية. وثمة شخصيات قد تمر بنا في مشهد أو مشاهد قليلة، وبعض هذه الشخصيات الثانوية والبسيطة قد تلتصق بنا وقد ترتقي بعضها لمستوى البطولة بغض النظر عن حجم ظهورها. هنا روعة الكتابة الروائية. أنها تحفر فينا مخلوقات وكائنات جديدة، وبعضها قد يكون بسيطا وهامشيا لكنه يمتلك قوة التأثير فينا ويجعلنا نتذكره ونبحث عنه أكثر. مثل هذه الشخصيات تظهر في رواية “غَمْسيس” لتكون عنصرا مكملا في السرد، ونافذة للغوص في الشخصيات الأساسية الأربعة، وهي: “أبجد”، “نور”، “رقية”، و”محاسن”. أي، رجل وثلاث نساء. أو ربما، رجل وثلاثة نوافذ لمعرفة الكون، أو ثلاثة مرايا لمعرفة ذاته. لنقل في البداية ان “نور” تمثل الحب، وإن “رقية” تمثل الشهوة، و”محاسن” تمثل الخوف.. وماذا بعد؟
“أبجد”، المغامر، الشاعر، الصحفي، الصعلوك، الحالم، المأزوم والمتورط، الكريم، المتناقض، هو يشبهنا بكل متناقضاتنا، ويحاول أن يفر منا وعنا، تارة ليخلق لذاته هالة مختلفة وخلاقة، وتارة لكي يفضحنا بشهواته ونزواته وسقطاته، وتارة أخرى يرتقي أعلى منا ليضرب أمثلة في المثالية والتطهر، وقد يصنع من نفسه نصف إله، وقد يتمادى به الأمر ليكون ثلاثة أرباعه من الإلهة، وفي بعض المشاهد قد يسقط ليكون لا شيء.
هذه الرواية ليست جيدة للذين يبحثون عن متعة عاجلة وسريعة مؤقتة، وليست من الروايات الترفيهية المضحكة الهشة والمستهلكة. كما أننا لسنا هنا مع طلاسم بالغة التعقيد، ولا نحتاج لخبرة عشرة أو لعشرين سنة قرائية لكي نفهم هذه الرواية ونتذوقها، ولا نحتاج ايضا لمن يدعو لكتابة الروايات لفئة خاصة، مرتفعة وعليا ونموذجية.
البديع في رواية “غمسيس” هو إمكانية تلقيها بمستويات متعددة، والشعور باللذة القرائية. فشخصيات هذه الرواية المشتركة قد تشبهنا ثم تناقضنا، وهي ليست بالمستوى الواحد الثابت المستمر. لنأخذ مثلا شخصية “نور”. هي تحب “أبجد” وتعطية اللذة وتغار عليه، تصفه وتكرهه وتدبر خطة لقتل “رقية”. ان “نور” تعرف “أبجد”، ثم تدرك جهلها به. تعرف المدينة ثم تدرك تعقيداتها، تعرف البحر ثم تدرك تمرد موجه. تعرف ذاتها ثم تُدرك تناقضاتها.
“نور” كانت هي الشخصية الأكثر إشراقا والأكثر التصاقا بذاكرتنا، فهي الحبيبية، العشيقة، الغيورة، المتمردة، الشكاكة والباكية، الضاحكة، المتمتعة باللذة والثائرة المتمردة والرافضة أي كثيرة التناقض والأماني وهي أصيلة وفريدة وامراة لا تشبهها امرأة اخرى ولن يكون لها شبيه أو مثيل، وكأن الرؤية الكتابية بقصد أو دون قصد تخلق لنا نموذجا خاصا يتميز بالأصالة وقادر أن يبرر أفعاله، فهو ينسلخ من الأسطرة المعتاد نسخها وبهرجتها. “نور” ليس كمثلها شيء، وستظل “نور” بقلقها وعشقها، بشجاعتها وتهورها وكل هذه الخيبات.
“رقية”، وحسب تذوقي الشخصي الخاص، بنت التراجيديا. تراجيديا معاصرة، تفر من العنف وفوضى الواقع المتناقض، أي تم بيعها بثمن بخس لزوج سكير وغبي لم يقدر جمالها ولا أنوثتها ولا روحها، لن تجد إلا “أبجد” فتغريه وتروضه. هذا أنكيدو الواقع وليس الخيال، تخوض صراعات وصراعات وتؤمن بمصيرها الدرامي البائس والمزري.
“محاسن”، المتسلطة الشيطانية، يعترف “أبجد” بخوفه منها، من مواجهتها ومواجهة أدواتها المتعددة الفتاكة المرعبة. هي المرأة الشيطان بحسب الرؤية الروائية، وهي “محاسن الصدف” و”محاسن المساوئ”، ولها من القوة ما يجعل البطل غير قادر من التحرر منها. “محاسن” قد تكون عنصرا دلاليا كان لا بد من وجوده. فالعالم والكون ليس الحب واللذة، هناك أيضا السيطرة والقمع والجحيم الدنيوي، لو أن الرواية تمر دون “محاسن” الجحيمية لظلت تتقافز في مستوى واحد وهذا سيضعف تأثيراتها وفهمها.
“أبجد”، شخصية صعبة ومعقدة، فهي حالمة ورومانسية، درامية، وهي متناقضة وتبحث عن ذاتها، سيصعب على أي محلل نفسي أو ناقد درامي أن يحدد لنا مستوى هذه الشخصية وسماتها، لمعرفته سنضطر لقراءة وتحليل أغلب الشخصيات ونتأمل مواقفه ومشاهده وتعاملاته وخاصة مع “نور”، “رقية” و”محاسن”. لن يكفي ذلك. سنضطر حتى لتخيل الأماكن الكثيرة التي يلجأ اليها، ويفر منها ويلوذ فيها، وشخصيات ثانوية أو عابرة يلتقيها، ومواقف متعددة في “غَمْسيس” وإيطاليا وباريس وبريطانيا والبحر المجهول والحلم اللأمحدود، تحكي عنه الريح والعواصف والشواطئ وحتى الظلمة والفراغ.
“غَمْسيس” رواية بمستويات متعددة، ومساحات فراغية تخيلية، وتكثيف تدفقي معقد وكأنها مسلسل روايات، لكنها رواية متميزة تحاول أن تثير خيالنا ببدع وصور لا متناهية من المشاهد الدرامية والأفكار العاصفة والمزعجة في واقعنا العربي والإنساني، فهي ليست ماضوية ولا قراءة وتحليل لما كان في تونس والعالم العربي، بل ثمة وجهات نظر استقرائية مستقبلية لما سيكون. وهذا الرمز  “غَمْسيس” ليس مجرد هيكل مكاني أو جغرافي هو أكثر وأبعد من ذلك ليس بعيدا عن الواقع ولا غريبا من الخيال، الروح والجسد والأمكنة وعناصر الطبيعة وتلاحمات وتناثرات وصراعات متعددة مثيرة تسطر هذا النسيج الباذخ بالتخيل والذي ينتصر للإنسان والرغبة ويقدس العشق والحب ويخلق لنا هذه العوالم المتعددة، بعضها صعبة الفهم، وبعضها كثير الغموض ويحتاج للكثير من التأمل ومشاهد كثيرة مفرحة ومغرية وكوميدية ستفرحنا وتضحكنا سنحبها ونصفق لها.
هامش/
يمكن الحصول على نسخة مجانية من رواية “غمسيس”، لكاتبيها: حكمت الحاج وعواطف محجوب، بالنقر على الرابط أدناه:
https://www.mediafire.com/file/o0rkgpub3jzfvx7/%25D8%25BA%25D9%2585%25D8%25B3%25D9%258A%25D8%25B3_%25D8%25B1%25D9%2588%25D8%25A7%25D9%258A%25D8%25A9_%25D9%2585%25D8%25B4%25D8%25AA%25D8%25B1%25D9%2583%25D8%25A9_%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585%25D8%25AA_%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25AD%25D8%25A7%25D8%25AC_%25D9%2588%25D8%25B9%25D9%2588%25D8%25A7%25D8%25B7%25D9%2581_%25D9%2585%25D8%25AD%25D8%25AC%25D9%2588%25D8%25A8_%25D9%2583%25D8%25AA%25D8%25A7%25D8%25A8_%25D9%2583%25D9%2586%25D8%25A7%25D9%258A%25D8%25A9_%25D8%25B3%25D8%25AA%25D9%2588%25D9%2583%25D9%2587%25D9%2588%25D9%2584%25D9%2585_2023.pdf/file

غلاف رواية غمسيس

One response to ““غَمْسيس”، ديستوبيا المتناقضات ومدينة الكوابيس..”

  1. صورة أفاتار Marleine Saade
    Marleine Saade

    قراءة شائقة من الأستاذ حميد عقبي لروايةٍ تبدو مثيرةً، لا سيّما أنّها من إنتاج فكرين يختلفان من حيث الجنس والجنسيّة، أو الهويّة بشكل عامّ، ما يستفزّنا ويحفّزنا للخوض فيها واكتشاف مدى نجاح هذه التجربة المزدوجة، ويغرينا بمحاولة فرز المشاهد وتحديد هويّة كاتبها. كل الشكر لمجلّة كناية التي أتاحت لنا قراءة الرواية مجانًا.

    إعجاب

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.