* حكمت الحاج (شاعر وناشر)
… طبع الكتاب ونشره وتوزيعه، صناعة وتجارة قبل كل شئ، في عموم العالم المتحضر، أما عند العرب فلا يعدو الأمر أن يكون ثقافة وسياسة وأيديولوجيا قبل كل شئ، في طوافٍ دائم حول أرجل كرسي السلطان.
يشتكي الجميع مما يسمونه أزمة النشر في عالمنا العربي.
يشتكي الناشر وهو ما يزال يعب جيوبه بالمال ولا أحد يغلق دكاكينه.
يشتكي الموزع وهو لا يتوقف طوال العام من ترحاله، فما بين معرض ومعرض ثمة معرض.
والكتب لا ترمى على قارعة الطريق على أية حال.
يشتكي المؤلف، ولكن أعداد المؤلفين الذين ينشرون كتبهم في ازدياد دوديّ مستمر.
حتى الشعراء الذين لا سوق لهم ولا أحد يقرأ لهم، ترى كتبهم تغطي سماء العناوين باضطراد مع الاعتراف بأن تسعة وتسعين بالمائة منهم يدفعون تكاليف الطباعة من مالهم الخاص، أو يساهمون في جزء منها.
إذن أين هي المشكلة؟
ولماذا الحديث دائماً عن أزمة نشر الكتاب العربي؟
التقيت أحد الشعراء العرب في لندن وكان عائدا من بيروت لمتابعة آخر مؤلفاته، فقال لي بالحرف الواحد انه يخوض معركة حياة أو موت مع ناشره في سبيل أن يرى كتابه النور. ولم يبخل طبعا على الناشر البعيد ببضعة أوصاف ونعوت أجملها كان وصفه له باللص والغبي وسارق عرق الجبين الخ… ولكن الكتاب سيظهر في نهاية المطاف، وسيفرح به مؤلفه الذي سيروج له بكل ما أمكن من قوة، وسينسى مكابدات معركة الحياة والموت تلك.
صديق شاعر آخر كلمني من كندا هذه المرة، وقال لي متشكيا تلفه الحسرة إن ناشره القابع في إحدى دول شرق المتوسط قد سطا على مبلغ الطباعة الذي دفعه المؤلف كاملا من جيبه الخاص ولم يظهر الكتاب المزمع نشره الى النور رغم مرور سنة بالتمام والكمال على الموعد المتفق عليه بينهما.
قصص وحكايات كثيرة.
بعضها حقيقي إلى درجة الفجيعة والذهول.
وبعضها مختلق لغرض التنكيل بالناشرين، ونكاية بهم، من قبل مؤلفين يفوتهم قطار النشر دائماً.
وفي غالب الأحيان يطال هذا الكلام الناشرين الخواص الذين لا شرطة لديهم ولا مخابرات ولا دوائر رقابة ولا محتسب. ولكنه في أضعف الأحيان ما يطال الناشر الحكومي المباشر أو من ينوب عن الحكومات العربية في ميدان النشر. فالقوة الناعمة التي تنزل كالحرير على واجهات النشر الحكوماتية العربية مثل وزارات الثقافة ووزارات الإعلام وغيرها إنما تستند على قوى صلبة خشنة وقاسية مختفية وراء الستار المخملي لكنها عند اللزوم تكشر للمؤلفين عن أنيابها ومخالبها التي لا ترحم.
المطابع الخاصة تسرق جيوب المؤلفين وتهضم حقوقهم والمطابع الحكوماتية تسرق من المؤلفين أشياء أخرى نعرفها جميعا ولا من داع لذكرها وذلك من باب وإذا بُليتم فاستتروا.
قبل أن أكتب مقالي هذا بنصف ساعة تقريبا عثرت على كتاب أثير لدي كنت أبحث عنه منذ زمن طويل حتى يئست من وجدانه، فإذا بي ألقى ضالتي في موقع على شبكة الإنترنت يعنى بالكتب والكتّاب تديره شابة فاضلة من شاباتنا الفضليات المتطوعات لخدمة ثقافة الكتاب ونشره دون مقابل. غير أن ما استوقفني حقاً ليس حصولي على مبتغاي، بل كيف عرّفت صاحبة الموقع الإلكتروني بنفسها للقراء وهي تقول (عمري 28 سنة، طموحة وجادة، أحب التعلم والتعليم، مجتهدة ومنتجة، أحب الكمبيوتر والقراءة، لا أشتري الكتب).
نعم. إنها لا تشتري الكتب.
وعدد كبير من الشبان والشابات لا يشتري الكتب. وهذا العدد ماضٍ في تنامٍ وازدياد.
ولا تتعب نفسك عزيزي المستمع في البحث عن التناقض في المواقف ما بين عدم شراء الكتب، وبين تداولها بهذا الشكل الذي لم يسبق له مثيل، عبر المواقع المتخصصة والمدونات الشخصية والمنتديات العامة وشبكات التواصل الاجتماعي، وصفحات القرصنة العلنية.
فالجواب يكمن في كلمتين فقط: الكتاب الإلكتروني!
وربما الجواب يكمن أيضا، حين الحديث عن الشعر، في كلمتين فقط هما: النشر الالكتروني.
الكتاب الإلكتروني (بالإنكليزية: E-Book) هو منشور إلكتروني ينتج وينشر ويقرأ على الحواسيب أو أجهزة إلكترونية أخرى، وقد يكون الكتاب الإلكتروني هو مقابلٌ إلكتروني لكتاب مطبوع، وقد يكون الكتاب قد أُلِّف بصورة إلكترونية من البداية ولا يكون هناك كتاب مطبوع مناظر له.
وتُقرأ الكتب الإلكترونية من خلال الحواسب الشخصية أو أجهزة مخصصة لقراءة الكتب الإلكترونية تعرف بقارئات الكتب الإلكترونية، وقد تستخدم الهواتف الجوالة والحواسب المحمولة لقراءتها.
قارئ الكتاب الإلكتروني أو القارئ الرقمي أو القارئ الإلكتروني هو جهاز إلكتروني يستخدم لعرض وقراءة البيانات (كتب، مستندات، صور..إلخ) التي تكون على صيغة إلكترونية مثل (ملفات PDF و كتاب النشر الإلكتروني) والتي تسمى عادة بالكتب الإلكترونية. الجهاز يعتمد تقنية الورق الإلكتروني لكي يكون عرض المعلومات على الشاشة أقرب إلى الورق الحقيقي، وكذلك تساعد الجهاز على البقاء مدة طويلة دون الحاجة إلى طاقة كهربائية…
تتفاوت الطرازات الموجودة فيما بينها في الإمكانيات. لكن عموماً باستخدام الأجهزة المتواجدة حالياً يستطيع المرء أن يقرأ على الجهاز كتاباً من 5000 صفحة ـ على الأقل ـ دون الحاجة إلى شحن للطاقة.
تعتمد أجهزة القارئات الإلكترونية على تقنية تسمى الحبر الإلكتروني، والتي تمنع إجهاد العين الحاصل من الشاشات المضيئة، وتستهلك الحد الأدنى من الطاقة. قارئ الكتاب الإلكتروني هو من أقرب الأجهزة إلى الورق أو الكتاب التقليدي بسبب اعتماده على تقنية الورق الإلكتروني.الوزن والحجم الصغيران مقارنةً بالكتاب التقليدي.
والكتاب الإلكتروني في هذا الفضاء العربي على الشبكة العنكبوتية ما هو إلا ذلك الكتاب الورقي الذي تم تصويره بالماسح الضوئي وحفظه في ملف بصيغة بي دي أف-PDF- لتناسب معظم الحواسيب المعروفة، أو هو ذلك الكتاب الذي يطرح بالصيغة المعروفة الثانية ئي باب-ePub- لتناسب الأجهزة الذكية والحواسيب اللوحية مثل الآي باد.
صحيح إنها خطوة متواضعة، لكنها خطوة أولى رائدة في طريق الصراع مع القَدَامَة والتخلف والجمود ستتبعها خطوات تقودنا جميعا إلى مفهوم الكتاب الإلكتروني بشكله الحقيقي المتعارف عليه في الغرب. هذا الطريق الذي دشنه شبابنا وهم الذين سيسلكونه بيقين يجرُّ وراءه باقي الأجيال.
أما الضربة القاصمة حقاً والآتية قريباً فلن تكون سوى الصناعة الثقافية الجديدة الطالعة توّاً في أمريكا الشمالية والزاحفة رويدا رويدا إلى بريطانيا وأوروبا ومن بعد إلى العالم العربي، والتي تُعرف بــــــ (اطبع لنفسك بنفسك) أو في الإنكليزية Self-Publishing ويمكن البحث في غوغل أو أي محرك بحث آخر لمعرفة المزيد عن المطابع ودور النشر التي تنتهج هذا الطريق. ولكننا قد ننصح هنا انطلاقا من خبرة متواضعة بموقع “كافيه برس” لما فيه من امكانيات قد تناسب الذوق العربي والامكانات العربية،أكثر.
بطريقة النشر هذه سيكون المؤلف هو ناشر كتابه بنفسه. وسيذهب الكتاب إلى المطبعة حاله حال أي كتاب ورقي عادي، لكن الفارق يكمن في إن الكتاب سيتم خزنه في قاعدة بيانات المطبعة المتخصصة بهذا النوع من النشر، وكلما جاء الطلب على الكتاب من مُشترٍ ما، خرجت من المطبعة نسخة مخصوصة لأجل الطالب. علما وإن خيار إرفاق النسخة الورقية بنسخة إلكترونية لنفس المطبوع سيكون متاحا وبنفس آلية الطلب.
سيتحرر الشعر العربي قريبا، ويعود الاعتبار للكتاب الشعري، ويتم ردم الهوة السحيقة ما بين القارئ وبين الشاعر دون المرور بالناشر العدو للشعر في المقام الأول.
ومن الأخبار المفرحة في هذا السياق هو عزم إحدى اكبر المنظومات النشرية هذه بتأسيس مطبعتين رئيسيتين لها في كل من القاهرة والعاصمة الأردنية عمّان.
ولقد أخذت بعض الكتب العربية المعمولة بهذه الطريقة ترى النور وهي تباع الآن على متجر الناشر المعني أو على متجر أمازون الشهير. وما أدراك ما أمازون! انه الوحش القادم الذي سيطيح بصناعة النشر العربي بلا هوادة، مفتتحا عصرا جديدا لدنيا العرب، ومدخلا لا محيد عنه الى عوالم ما بعد الحداثة.
إن عجلة التطور والحياة لن تتوقف مهما عرقل سيرها المنتفعون والطفيليون والسارقون.
وستنتهي عاجلا أم آجلا حقبة الإذلال التي عصفت بالمؤلفين العرب وبآمالهم وطموحاتهم وخيالاتهم ومخطوطاتهم.
الكتاب الورقي يخسر.
لا أحد يريد الاعتراف بذلك.
الكتاب الرقمي يزحف.
ولا أحد يريد أن يرى ذلك.
وغداً، قلْ وداعاً للناشر العربي، وكتابه الورقي.
أضف تعليق