كتبت: عواطف محجوب/ كناية – تونس
أسدل الستار مساء يوم السبت المصادف للسادس من شهر نوفمبر الجاري على الدورة الرابعة لمهرجان الغربوز ببني خداش من ولاية مدنين.
امتدت هذه الدورة على مدى خمسة أيام للفترة من 2 إلى 6 نوفمبر 2021. شهدت هذه الدورة إقبالا جماهيريا كبيرا وذلك نظرا لثراء برمجته وتنوع فقراته. انطلق المهرجان يوم الثلاثاء الثاني من نوفمبر على الساعة التاسعة والنصف صباحا وسط مدينة بني خداش وتحديدا من أمام دار الثقافة بكرنفال تضمن عروضا فرجوية عديدة، مع مشاركة ماجورات قصر هلال وفرسان ودمى عملاقة. وبعد الاستعراض هذا، تم افتتاح معرض في الحي الحرفي للمنتوجات المحلية لحرفيي الجهة أهمها الغربوز وهو التين المجفف ومشتقاته ومواد غذائية متنوعة أدخل في صناعتها الغربوز على غرار الحلويات والعصائر والبسيسة وكلها خالية من السكر. و وجدير بالذكر أن هذا المعرض قد شهد مشاركة لافتة من ليبيا عبر منتجات ومواد غذائية مصنعة ومتنوعة صحية وقابلة للتعليب والتخزين. ومع حلول الرابعة مساء احتضن قصر بني خداش عرضا فنيا من نوع مسرح الشارع بعنوان القافلة تسير للكيلاني زغروبة من إنتاج مركز الفنون الدرامية والركحية بمدنين. أما على الساعة السابعة مساء فقد تم برمجة عرض موسيقي تراثي بعنوان “بانوراما الأصوات” للفنان زياد المنيفي.
لقد احتضنت دار الثقافة ببني خداش في ثاني أيام المهرجان فعاليات الندوة الفكرية التي يشرف على تنسيقها الدكتور الهاشمي الحسين. وجاء في الورقة التقديمية للندوة العلمية أنّ الغربوز مثل رهانا للتنمية المحلية في بني خداش. ويعد محطة استراتيجية للعمل ضمن التوجهات الكبرى لأنشطة المجتمع المدني المحلي. لقد توجهت جمعية صيانة القصور والمحافظة على التراث منذ عام 2013 نحو اعتماد استراتيجية تعبوية تنموية من أجل استعادة انتاجية عالية للغربوز، وجعلتها استراتيجية عمل تنطلق من الثقافة في حفظ التراث وصونه. ففي عشرية أولى امتدت من عام 2013 إلى عام 2020 نشرت الجمعية كتبا ودراسات، وأقامت مهرجان الغربوز هذا. وهاهي تنتقل إلى تفعيله وتثمينه بالتعويل على الفلاحة والسياحة. وفي العشرية الثانية التي تبدأ في عام 2021 وتمتد إلى 2030 تنوي الجمعية من خلال تكوين تحالف الغربوز وتطوير فعاليات المهرجان وتثميرها البحث في مسالك التنمية، من خلال البدء في تنفيذ مشروع تثمين غربوز الحوايا بتمويل من الفدرالية الفرنسية وبمشاركة من بلدية بني خداش ومندوبية التنمية الفلاحية ومعهد المناطق القاحلة بمدنين. ولأن الفعل التنموي لا بد له من أهل اختصاص من جهة، ومن تنوع روافد تغذيته من جهة أخرى، كان لزاما تنظيم ندوة فكرية تحيط بالمشروع من كل جوانبه تحت عنوان: “تثمين الغربوز بين الثقافي والتنموي والسياحي (الحقل- العقل- الحفل)”.
بدأت أشغال الندوة بتقديم معرض البحوث والكتب المنجزة من قبل جمعية صيانة القصور والمحافظة على التراث ببني خداش ومتعاونيها. ثم أطر الندوة وقدمها الأستاذ عماد صولة، وتم المرور إلى العمل الورشوي الذي جمع بين الباحثين والأكاديميين والفلاحين والمنتجين. ويعد هذا النشاط من أبرز ردهات الندوة لأنه طرح تصورات وأفكارا انطلقت من أسئلة موجهة ومساعدة على استخلاص النتائج. وانقسم العمل إلى ثلاث ورشات، الورشة الأولى اهتمت بالتثمين الفلاحي نشطتها عواطف الصيد ومصطفي الحزيّن. الورشة الثانية تناولت التثمين التراثي الثقافي تحت اشراف عمار عثمان واسمهان بن بركة. أما الورشة الثالثة فقد اهتمت بالتثمين السياحي وتحديد مسالكه نشطها كل من الهادي القلالي إيناس الخياري. وإلى جانب هذه الورشات تم تخصيص لجنة للتخطيط الاستراتيجي حاورت ثلة من الأساتذة وهم على التوالي: صلاح الدين لشيهب، فاتح علجان، عماد صولة، سمير الخرشاني، النوري شطور، من أجل “رسم ملامح خطة عشرية مستقبلية لتحقيق التكامل بين القطاعات ورسم استراتيجية تشاركية في تثمين الغربوز”.
وبعد استراحة قصيرة، تم عرض مخرجات الورشات وتقديم ورقاتها كل على حدة، وقدم السيد النوري شطورو مشروع صفاقس إلى الأمام، وأهم أنشطته، ليقع في الأخير جمع مختلف الورقات والتوصيات والإعداد لبناء تقرير لاحق مع خبراء دوليين. واختتمت فعاليات الندوة بتوزيع التكريمات وشهادات المشاركة. ولقد أثار اعجابي ذلك الانكباب على العمل الورشوي والإقبال الكبير عليه، لأنه مثل فرصة للحضور من أكاديميين وفلاحين ومنتجين لتبادل الخبرات النظرية والعملية، مما شكل واحدة من أهم نقاط نجاح هذا المهرجان. ومن ناحية أخرى، وخارج الإطار العلمي فقد لاحظت تلك الحركية التي وسمت ذلك الصباح في بني خداش، إذ أضفت فتيات ماجورات قصر هلال بحركتهن المدروسة وملابسهن الجميلة الفرحة والبهجة على شوارع المدينة حيث اصطف جمهور المواطنين لتشجيع الفرق التي أمنت الفعاليات الافتتاحية.
في الحقيقة، لم أتناول شيئا من الغربوز رغم منظره الجميل والشهي، ولكن كان الاهتمام واضحا من المواطنين الحاضرين بطرق تعليب وتخزين الغربوز بحيث يستطيع المتفحص أن يعرف الفرق بين فاكهة التين المعهودة لدينا كيف تتحول بفعل التراث والعلم إلى منتوج آخر يقاوم الزمن والوقت ليتحول إلى مادة غذائية يمكن تناولها طيلة أيام السنة.
إن هذا المهرجان الهام يردم الهوة ما بين الفلاحة بمفهومها التقليدي وبين العلم الفلاحي المتطور وبين النشاط السياحي وبين فتح الآفاق للمتدخلين، لكي يساعدوا في تدوير العملية الاقتصادية في تونس. فتحية إلى كل من ساهم في انجاح هذا المهرجان بدورته الرابعة ونأمل أن تكون دورته الخامسة نقطة أخرى إلى الأمام.









أضف تعليق