مقدمة وأنموذج
بقلم: محمد خضير
لم احتط بما يكفي كي لا يُحتسَب تمريني القصصي (الحاجز)- المنشور على صفحة الفيسبوك بتاريخ ٤ يونيو/ حزيران ٢٠٢٠- نزوةً افتراضية فحسب، إنما يأخُذ مدارَه السردي الحقيقي بين أنواع هامشية من السرد، أهمها النوع الذي ساد في منتصف القرن الماضي، وسُمي ب (السكيج) أي (التخطيط الاولي) لنماذج بشرية، أو لموقف وتجربة شخصية، شجّعت على شيوعه وتأطيره الصحافةُ بصورة خاصة. أما اليوم فإنّ وسائل الاتصال الإلكترونية الواسعة الانتشار كالفيسبوك والتويتر والمدونات الشخصية، تقوم برعاية مثل هذه الأنواع الصحفية المنقرضة (الخاطرة، الصورة القلمية، لقطة الرصيف، حقيبة المتجول، صندوق البريد، المفكرة اليومية..) التي تندرج بشكلٍ سرديّ ما تحت مفهوم “السكيج” المستعار من فنّ الرسوم التخطيطية. أما قيمة هذا النوع فلا تتحدد بحجمٍ أو مقياس او معيار، أي لا تُقدَّر أهميتُها بدرجة العمل الكامل (القصة أو اللوحة أو الفيلم). وهناك تخطيطات فنية ظلّت على نقصها دليلاً على قمة الانجاز والابداع (البورتريهات الخطّية بقلم فناني العالم المعروفين) وأفلام تسجيلية قصيرة دالة على عبقرية المكان وتنوع الطبيعة البشرية (أفلام فيرتوف وجريرسون وفلاهرتي). وقد يفكر كاتبو السكيجات الصحفية والشبكية بتطويرها او استثمارها في عمل لاحق أكثر كمالاً (اصبحت مفكرة جوزيه سارماغو المنشورة في كتابٍ واحدةً من الأمثلة الفريدة، حوَت محاولاته التوثيقية المؤرخة التي بدأها على مدونته الإلكترونية بعد العام ٢٠٠٣).
لم تحصل لكتّابنا – الصحفيين- جرأةُ الاعتراف بقيمة محاولاتهم التخطيطية (السكيجات) سابقاً. ففي أيام محمد روزنامجي الأخيرة، اكتشف محرّرُ مجلة ألف باء الأدبي أن القاصّ الذي أجرى معه مقابلة صعبة، يخفي في ذاكرته عشرات (السكيجات) التي كتبها عن نماذج بشرية زاملَها سنوات عمله الوظيفي والصحفي، لكنّه أهمل جمعها في كتاب ظانّاً أنها أقلّ أهمية من قصصه التي اعتزَّ بجمعها في كتاب وحيد له بعنوان (أرض وبشر وزمن). ظلّت سكيجات روزنامجي حبيسةَ الأرشيف الصحفي، واكتفى الرجل بحظّ “الرجل الصغير” من النصَّ القصصي الذي قاربَه بحاسة “الرزّام” السرّية، ودسيسة النفس المرتابة في نماذجها، وهاجس الزمن المبعثر حولهما. وربما كان هذا مزاجَ قاصّ الخمسينات الآخر (نزار عباس) الذي اعترف مثل صاحبه روزنامجي، في مقابلة صحفية أيضا، أنه أخفى نصوصاً من ذكرياته في دفتر كان يخبئه تحت وسادته، لكنّه ضاع منه، أو أتلفه خوفاً من أن تطغى مادةُ سكيجاته الصحفية على خيال قصصه القصيرة المسترسل، الذي لم يُفلح إلا في إصدار مجموعة واحدة منها فقط عنوانها (زقاق الفئران). وأظنّ أنّ شعراء العقدين الأربعيني والخمسيني الماضيين، السياب والبياتي وحسين مردان والصكار وسعدي يوسف وعبد الرزاق عبد الواحد، جرّبوا حظهم في تأليف سكيجات قصصية، لم يعترفوا بها في قائمة مؤلفاتهم. كان هذا النوع- التخطيطي- وليداً غير شرعي يجب التكتّم عليه ونُكرانه، واعتبروه حفراً حذراً في جحور الفئران.
لكن كتّابا عرباً، كان لهم قصب السبق في خرق العادة السردية الغالبة، احتسبوا هذا النوع من المهملات إرثاً خاصاً، له جذوره التقليدية في تراث السردية العربية، فافردوا له كتباً في منتصف شهرتهم الأدبية او في ذيلها القصير. وأذكر هنا أنموذجين رائدين ، لا يزالان يوجّهان أنظارنا نحو الحديث/ القديم من التخطيطات السردية “السكيجات” ويوثّقون وجودَها بين متون المؤلفات الأدبية الكاملة. كان الأول طه حسين الذي جمع محاولاته “هوامله” في مجموعة (جنّة الشوك) منتصف حياته ١٩٤٥. والثاني نجيب محفوظ الذي اختار من “شوامله” الروائية نصوصاً قصيرة غير مجنَّسة، أخذت تأكل ذيولَها الطويلة وتكتفي بأقصر السكيجات، حتى انحصرت في كتابين تخطيطيين هما “أصداء السيرة الذاتية” و”أحلام فترة النقاهة” حينما قاربَ التسعينَ من عمره. عاش الأديبان العظيمان في عصر ما قبل النصوص الإلكترونية، إلا أن تذييل تجربتهما بهذه الأدلة التخطيطية، يؤكد بيّنتهما على السير عكس الاتجاه والتقليد، ويختم تجربتهما الكاملة والشاملة بنصوص هامشية.
إضافة إلى (مفكرة ساراماغو) التي تضمّ هوامل مدوّنته الإلكترونية، فإنّ الكاتب العالمي الآخر الذي حشَرَ مدوناته الثانوية (التخطيطات والسكيجات) بين اعماله الكاملة، هو الكاتب الكولومبي غابرييل ماركيز، صاحب السرديات الغرائبية. فقد حاول ماركيز استرجاع أربع وستين فكرة قصصية – ملاحظات ومسودات- دوّنها في دفتر مدرسي، أعاره إياه ابناه، خلال رحلة بين عدة مدن اوربية، العام ١٩٧٤. ولكن لصدفةٍ ما، يفقد ماركيز الدفتر، وسط عاصفة من الاوراق على منضدته، في نيو مكسيكو بعد انتهاء الرحلة، فصمّم على استرجاع الأفكار الأولى واصطفائها من ذاكرته في قصص قصيرة خلال ١٩٨٠- ١٩٨٤، فلم تبق منها إلا اثنتا عشرة قصة، تلك التي نشرها تحت عنوان (اثنتا عشرة قصة قصيرة مهاجرة) العام ١٩٩٢. (صدر الكتاب بترجمة صالح علماني عن دار الأهالي ١٩٩٥ ودار طوى، العام ٢٠١٥. وهناك كتاب آخر لماركيز عنوانه: قصص ضائعة، بترجمة علماني أيضاً، صدر أول مرة عن دار أزمنة ١٩٩٠. علماً أن محتويات الكتاب الثاني الذي اتخذتُه مرجعاً لهذه المقالة مختلفة عن محتويات الكتاب الأول الذي استندتُ إلى مقدمته في سرد قصة ضياع دفتر الملاحظات). إنّ الدليل على تبلور رحلة الأفكار خلال هذه المدة الطويلة، في عدد قليل من النصوص، يؤكد حالة “الاصطفاء” الملازمة لكتابة السكيج القصصي، إذ لم يستطع ماركيز استرجاع غير عدد قليل من الأصول المفقودة، بينما استعصت السكيجاتُ الأخرى على التطويع والتصيّر في نصوص قصصية كاملة. وأحسبُ دفاتر ملاحظات الأدباء، من نوع دفتر ماركيز المفقود، قد انطوت على عدد غير محدود من السكيجات التي أبَت التخلي عن وضعها المصمَّم عند حدودها الأولى.
سنصل أخيراً الى الحالة الأنموذجية لكتابة السكيج القصصي في أعمال الأرغواني أدواردو غاليانو. فليس في كتبه السردية العديدة ما يُستثنى او يُستبعد لأنه لم يبلغ مستوى القصة الكاملة والرواية والقصيدة والسيرة. فهذه الاجناس الكبيرة كلها انحنَت طائعة أمام رغبة غاليانو في الاحتفاظ بتجاربها القصيرة، الحرّة من التجنيس، ولم يستجب نصٌّ منها لدافع التعديل أو الإضافة على أصولها الأولى، التي تبدو تخطيطات صحفية أو تدوينات مفكرة يومية (وتتخذ ثلاثيتُه الشهيرة- ذاكرة النار- شكلَ التوثيق التاريخي المتسلسل لوقائع القرن العشرين في مقاطع قصيرة). بعد أعمال غاليانو “الوقائعية” سيصبح السكيج الشكلَ الأوثق لنصّ أساسي، خال من الزوائد البلاغية، والأساليب الشخصية، والظلال الدلالية الغاشية وجه الحقيقة. وهذا أيضاً ما طلبه الروائي التركي اورهان باموق في توثيق أعماله كلها بأمانة فكرية وأخلاقية مفرطة. لا شيء يُلفَظ ويُرمى جانباً، بل على الراوي المعاصر أن يوثِّق وقائعه، المهمة والتافهة، في “متحف البراءة” الخاص به، ويرصَّ اختباراته التجريبية جنباً إلى جنب في صحيفة اعماله.
إلى أيّ الحدود وصلَ السكيج، بعد انتهاء مرحلة المتحف الوثائقي البريء؟ أظنّ أنّ شبكة التواصل الإجتماعي الإلكترونية، بروابطها الإتصالية العديدة، وغرضيتها الافتراضية الشائعة، رفعت الحظرَ كلّياً (بمعناه المضاف الى استعماله الاصطلاحي السياسي) عن خصوصية المفكرة الورقية، والصحيفة اليومية، والرسائل المتبادلة، بإباحة تخطيطاتها للملأ المستطلِع في أكثر من مكان وموقع اتصالي. إنّ الشهرة التي تتوّج رؤوسَ الأدباء المعاصرين (ساراماغو- باموق- موراكامي- كونديرا- آدونيس- سعدي يوسف- عباس بيضون- علي بدر- لطفية الدليمي- احمد سعداوي- زاهر الغافري- نصيف الناصري) فضلاً عن عشرات المفكرين والمدوّنين السياسيين، والفنانين التشكيليين والمسرحيين، ألزمت كلَّ مستخدمٍ للوسائل الحديثة تدوينَ ملاحظاتٍ سريعة على وقائع عصره/ عصر العولمة الكولنيالية، والواقع الافتراضي، والنص المترابط، والسينما الرقمية، والجمال السوبريالي، والاقتصاد ما بعد الرأسمالي، والوباء الفيروسي المستجدّ.. صار السكيج نوعاً يتخطّى المحظورات المكانية والإجناسية، ليصبح العادةَ التدوينية الأولى على الشبكة العالمية، بعد السباحة في الفضاء إلى حدودٍ يجهلها الإنسان، ويحاول غزوها بإصرار عجيب.
————
ملاحظة من الناشر:
=Sketch=
تكتب أحيانا، سكيتش، وقد اختار الاستاذ محمد خضير ان يكتبها بصيغة، سكيچ.
———————–
الكاتب الثمانينيّ
(سكيج قصصي)
بقلم: محمد خضير
رجل متقاعدٌ من الحرب التي انتهت في آب العام 1988، يجلس على قارعة الطريق، في مقهى الرصيف (قد يكون كاتباً). القبعةُ المخرومة، النظارةُ المشروخة، دورقُ الماء البلاستيكي، في موضعها المعتاد على المنضدة، منضدة الرصيف. الحافلةُ المُتضعضِعة نفسها تدنو من منضدة الرجل (الكاتب) وتقف حيال المقهى. هي فارغةٌ أيضاً، السائقُ يترجّل ويتّجه إلى مقدّمتها. الإطارُ المثقوب نفسه، مصادفة! يترخّص من الرجل المتقاعد ويشرب من الدورق البلاستيكي.
يقول المتقاعد: “هل أساعدك؟”.
يقول السائق: “لقد ساعدتْني بالأمس. الإطار نفسه”.
يستبدل السائقُ الإطارَ المعطوب، ويشرب جرعةَ ماءٍ من الدورق: “هل أقلّك معي إلى البيت؟”.
“لا. ما زال الوقت مبكراً للعودة. ربما غداً عندما تعطل سيارتُك في هذا المكان”.
يضحكان، وتتحرّك الحافلة بتثاقل.
*****
رجلٌ هرِم، قاربَ التسعين أو تعدّاها (متقاعدٌ من الحرب الثمانينية نفسها، ولستُ واثقاً من أنّه كاتبٌ هذه المرّة) يجلس في المكان نفسه، في المقهى الصيفيّ، على قارعة الرصيف. تتوقّف سيارةٌ حديثة الطراز، يهبط منها شابّ جميل الملامح، ويتّجه إلى الرجل الهرِم، ويحتلّ الكرسيَّ المقابل الفارغ، بعد أن رفع إلى جبهته ظرْفَ رسالةٍ ظلّ يُمسِكه بيده.
لا يردّ الرجل تحية الشابّ الإيمائية، لكنّه ينطق بلهفة: “كنتُ بانتظارك، هاتِ الرسالة”.
يقول الشابّ مرِحاً: “كانت مهمّتي أثقلَ من جبل”.
يقول الآخر: “أكادُ أتخيّل وجه أبيك، سائقَ العربة الخرِبة، كان سيصلّح إطارَ سيارته قرب منضدتي ثم يشرب جرعةَ ماء، ناصحاً لي بعدم المكوث طويلاً في المقهى، فالوضع يزداد خطورة”.
يُعقِب الرجلُ الهرِم كلامه بضحكة جوفاء، ثم يومئ بالانصراف، من دون تحيةِ وداع للشابّ المذهول (لقد حصل أحدُهما على موضوع لقصّته، لو كان كاتباً).
*****
ستبعث الحربُ _ أيّة حرب؟_ رجلاً يجلس في المكان نفسه، على حافة الرصيف؛ وسيتغيّر الرسولُ الذي يأتي بالرسائل، ويشرب من الدورق نصف الممتلئ. السيارة القديمة قد تُودَع في مقبرة العجلات، ظاهرَ المدينة، ومن ثمّ تأتي بدلَها عجلةٌ من موديل حديث (ولا بأس أن يحتفظ الكاتبُ الثمانينيّ بالموديل القديم _ نفسه_ في خياله).
المشهد يتكرّر عاماً بعد عام، وسيدور الحديث المرسوم في ذهن الشخصية الأولى (الثمانينيّ الراحل) مراراً وتكراراً، لكن بمحتوى جديد، يؤدّيه الفتى_ المراسلُ الأخير، بوسيلة أخرى مُستحدَثة:
_ كنت بانتظارك. هاتِ ما تحمله.
_ لا أحمل رسائل جديدة يا رجل. سأنقلك معي للبيت إذا أحببت.
_ لماذا؟ أتقصد أنّك سئمتَ الدَّور؟ هل سيُغلِق مقهى الرصيف أبوابه؟ أسمعت خبراً جديداً؟ ماذا حدث؟
_ لا أظنّ شيئاً تغيّر. ثمة شعور يخامرني بأنّك لستَ الشخصَ المقصود هذه المرة.
_ ماذا تعني.. ألن تشرب من دورقي؟ مَن المقصود إذن؟
_ لستَ سوى شبح، في مدينةٍ ملأى بالرجال المتشابهين.
_ لا يوجد شخص بانتظارك غيري يجلس على هذا الرصيف، ويتسلّم رسالةً من قرينه الأول الذي يشبهه.. ربما قلتَ حقاً من أنّنا نعيش في مدينة أشباه.. هاتِ وامضِ في سبيلك. سأغفر لك هذه المَزحة.
_ لا أمزح يا جدّي. أنت صورة من أرشيف الموتى.
_ يا للزمن الذهبي، وعجلاته المتمهّلة! اشربْ قدحاً في الأقلّ، حتى أقول أنّي شخص غير منسيّ.
_ ألم تلاحظ أنّ الدورق فارغ؟ وأنّ خيوط العناكب نسجَت حولك ستارةً من كلمات الرسائل السابقة؟
_ كفى، أيّها الشابّ. رأيتُ ما هو أكثر رعباً من وصفكَ هذا.
_ إنّها بلاد الرعب، جدّي المتفائل! عيناك هما كذلك خاويتان منذ ذلك الموعد البعيد.. سأنادي صاحب المقهى ليحملكَ إلى سيارتي.
*****
ستشطب الحربُ_ أيةُ حربٍ قادمة، لا اعتراض_ المقطعَ السابق من التخطيط السريع لبلاد الوجوه المتشابهة، كما شطبَت ذكرياتٍ كثيرة، ومزّقت الرياحُ بيتَ العناكب وكلمات الرسائل التي اصطادها في نسيجه، ثم تُعيد رجلَ الثمانين الى مقعده في مقهى الرصيف، ليبدأ دورةً أخرى من الانتظار_ انتظار رسالةٍ من قرنائه الماضين_ إنّما سيحدث تغييرٌ بسيط_ كما يقتضي تمرين الحرب هذا. لن يَقدِم أحدٌ برسالة جديدة، أو تتوقّف أيّة عجلة بجوار الرصيف، من أيّ طراز.. وأخيراً، سيرى الرجلُ الثمانينيّ في بريده الالكتروني، المخترَق، تنبيهاً بضرورة تغيير كلمة المرور.
أضف تعليق