ريم سندي
على أرض شهباء، نباتها وخزٌ، وطئتْ “عشتار” بعد أن أجهزتْ على رحلة الألف عام بوثبة. تقتربُ من بوّابة العدم و الوجلُ يَطْرف عينها، ترزحُ بين مُرَّيْن أحلاهما علقم، فإمّا رباطها المقدّس “بتمُّوز” أو ما نزَّلته السّماء عليها من مهّام.
فإن ألجمتْ قلبها، نذرتْ حياتها للرعيّة تنثر الخصب أينما ولّتْ..و القلب ما خفتَ نبضهُ عن حبِّ “تمّوز” بل استشاط عشقا منذ أن حلَّتْ به لعنة “ايريشكيجال” و استوطن اللارجوع.
أمرتْ الحارس أن يرفعَ المزلاج و توعدتْه إذا نكص على عقبيه ستسوّيه بالتراب. تسلّلتْ ريحها إلى أنف ربّة العدم فامتقعَ وجهُ الأخيرة واسودَّتْ شفتاها فمن له الجرأة على طرق بابها إلَّاك “عشتار”.
– لطالما استحوذتِ على اهتمام الجميع، حتّى حماقاتكِ فسحة للتَّندُّر بين أفراد العائلة و ذاتها ما اقترفتُ أثارتْ حفيظتهم ضدِّي و كلَّفتني الكثير ثمّ كبرنا و بريقكِ يخطفُ كل من وقعتْ عينهُ عليكِ حتّى أغويتِ الآلهة وسلّمتْكِ مقاليد بيت الحياة و اليوم ها أنّ أطماعكِ تمتَّدُ إلى أسفلي العظيم.
تُتمتم ” ايريشكيجال” بحنق حتّى نشف ريقها، أسعفتْ حلقها بنهر من ماء عكر، و استوتْ على العرش ترقبُ طلَّة أختها.
يردِّد الحارس ملحمة الترحيب:
ـ ادخلي سيّدتي، العالم السفليّ يحيّيك و سيبتهجُ لرؤيتك.ِ
تمتّدُ يده المغلولة فتنزعُ الحلي عن صدر “عشتار” و عن خصرها. اجتثَّ حزام أحجار الولادة، قبضتْ “ايريشكيجال” أنفاسَ عدوّتها اللّدود و ركنتها بقبر أشباحه لا تهدأ.
جنتْ “عشتار” على أهل بيت الحياة فما أخصب شاب فتاة و لا قفز ثور على بقرة، اضطجع الرجل منفردا و نامت المرأة على كدر…
خشيتْ ربّة الأسفل العظيم أن يُنتزع الملك منها بعد أن بلغها غضب السّماء فأرسلتْ وعدا بتسريح غريمتها لكنّها عزمتْ على أنَّ القبر لن يبيت خاوي الوفاض و لن تسكنه إلاّ جثّة بسموّ “عشتار”.
أطلقتْ جواسيسها على امتداد الأرض شرقا و غربا، حتّى أتاها أمْهَرَهُم باليقين.
شدّتْ رِحالها إلى بيت الحياة و النقمة تَسعرُ في جوفها، عَجبتْ من قفر الشوارع كأنّ الأرض ابتلعتْ سكانها دفعة واحدة، تنتشرُ اللافتات التوعوية هنا و هناك تدعو المواطنين إلى ضرورة الالتزام بالتباعد الاجتماعي وقواعد النظافة و تؤكد على تعقيم كل المقتنيات قبل استهلاكها، تتبعتْ صوتَ تلفازٍ كان يُخبر أن الوباء قد اشتّدتْ ذروته و يجب التقيّد بالحجر فلا داعي لمغادرة المنازل إلاّ لحاجة قصوى.
انفرجتْ أسارير “ايريشكيجال” و لمعتْ عيناها لمشهد تخيّلته، حتما سيزلُّ الإنسان بغبائه المعهود و ستزخر مقابرها بالجثث كما لم يحدث من قبل.
مضتْ إلى بيت غريمتها و قد تيقنت أنّ الحجر الصحيّ و سحابةَ البؤسِ العامّة ستساعدها في تنفيذ مخطّطها، فلن يكلِّفها الأمر سوى نفسا واحدا ترشف به روحها و تعود أدراجها.
تماهتْ مع السقف تراقب سكنات “نجمة” التّي خيبتْ كلّ انتظاراتها، تمارس حياتها بكل شغف. رأتْ أن تنفثَ في جسمها علّةً يعسر بُرؤها، وسوستْ لها أن تنزوي حتى يسهل تسميم أفكارها.
استيقظتْ “نجمة” على فرح مُبهم، اغتسلتْ و انتقتْ أجمل ثيابها ووقفتْ أمام المرآة تتحسس صدرها، كشفها المعتادَ إثرَ كلِّ دورة،
انفلتتْ من بين أناملها كتلة شاذّة و عادت لتطفو و هي تقتفي أثرها، كرّرتْ فحصها الذاتيّ تقطعُ الشكّ لكن الكتلة تصرّ على البروز كل مرّة.
غزتْ جسمها النحيل رعشة وارتها بحجّة أنه ليس كل طارئ بخبيث، و أنه لن تتأكد هواجسها أو تنتفي إلاّ بمعايدة مختصّ، تلقَّفتْ الحاسوب تتصفَّح في الشأن ما استطاعتْ إليه سبيلاً، دونًا عن الذِّين تعجُّ بهم حياتها، قفز إلى خيالها، فلامتْ نفسها:
– كيف صدَّتْ تودُّده؟؟
تحجَّجّتْ بتعليمها و استمرتْ في جموحها تحت طائل الحرية، لتنسحب منها أعوام ربما بعمر طفل يتمسَّكُ الآن بطَرَفِ تبَّانِها، مرتعبًا من يومه الدراسيِّ الأوّل…
تسلّلتْ “ايريشكيجال” إلى حلم نجمة و تمثّلتْ بصورة الطفل و أحكمتْ القبض على كفِّها لتسحبها إلى أرض اللارجوع.
سقطتْ “نجمة” من فوق سريرها و لم تُدرك أنّ الكوابيس قد عادَتْها إلا بعد لحظات، تلقّفتْ القارورة لتُسعف الحلق ببِلّة ماء، اعتصرت ذاكرتها بآخر ما نطقتْ في الحلم
“من قال أن الآلهة لا تحتاج إلى لحظة بوح و من قال إن قصص الآلهة أقلَّ مأساوية من قصص البشر”
كلمات علقتْ بذاكرتها و ردّدتها من كتاب كانتْ تقرؤه قبل النوم….
——————————-
* عشتار: هي ربّة الحياة و خصب الطبيعة من رموزها التّي ظهرتْ في المنحوتات النجمة.
* تمّوز: اله النباتات و الماشية و المأكولات هو القرين الأول للآلهة عشتار
* ايريشكيجال: أخت الإلهة عشتار و هي إلهة العالم السفليّ و الموتى (يُطلق عليها أيضا ربّة العدم أو إلهة الأسفل العظيم)
* من قال أن الآلهة لا تحتاج إلى لحظة بوح و من قال إن قصص الآلهة أقل مأساوية من قصص البشر: مقتطف من كتاب سيّدة الأسرار عشتار للكاتبة لحياة الرايس
أضف تعليق