يومٌ في سُوسَة البَيَّة..

بقلم: حكمت الحاج *

_

.. خرجت اليوم على ثمانية ونص، ومشيت للبانكة فرع التجاري بشارع ليوبولد سنڨور، وكانت الأمور عال العال وتمام التمام، رغم الازدحام، حيث استلمت تحويل الأموال اللي جاتني من لندن وكنت استناها من أسابيع، فخرجت من البانكة وأنا سعيد ومتخم الجيوب بالمال، وعدت إلى البيت فورا، ذلك أن من عاداتي أني لا أحب أن أدمج عدة قضيات وشورات في مرة واحدة وأكره هذا الشيء عند التوانسة حيث الواحد منهم ياخذ ولده للمكتب ويشوف صاحبه في المقهى وبطريقه يتعدى لأمه يزرقلها متاع السكري، ثم يروح يشري بعض الأمور اللي يتفكرها بالصدفة ثم لازم يتعدى للكوشة ويأخذ خبزتين ويرجع لخدمته وإلا يستنى يرجع بولده وأحيانا يطل على ندوة أو ملتقى ثقافي ويسلم على هذا وذاك ويرجع لداره ودوب ما يستقر يخرج يمشي للحماص يشري خمسين غرام كاكوية، قبا ما يمشي يعمل قعيدة في المقهى المجاور، الخ.. ههههه.. المهم انا مش هكا، خاطرني منعرفش نعمل زوز حوايج فردن مرة، ولا نحب زوز نسا فردن مرة..
أتذكر أنني عندما دخلت متجرًا للقرطاسية في سوسة، صايرة على اليسار، قبل ما تدخل المدينة العربي من جهة “باب الجبلي”، لكي اشتري بعض لوازم المدرسة لابنتي الصغيرة، في منتصف التسعينات، انتقلت فجأة بدافع الشوق والفضول إلى القسم الذي كان يضم أيضًا ركناً خاصاً لبيع الكتب المستعملة. فكانت تلك الرائحة بالذات هي التي تهاجمني بلا هوادة…
في الواقع، وكما نعلم جميعا، فإن هذه الرائحة ناتجة في الغالب عن الفطريات التي تعيش في الورق القديم بسبب الرطوبة وندرة تعرض الكتب لضوء الشمس. ولا بد أن هذا هو السبب في أن رائحة متاجر الكتب المستعملة تشبه رائحة الجنة تماماً بالنسبة لقرائها.
وقتها، وصفت الأمر لنفسي بأنه نوع من النوستالجيا، فلربما مَرَّ بي الحنين إلى مكتبتي ببيتي في بغداد، أو إلى مفارش الكتب وبسطياتها ومخازنها في سوق السراي (المتنبي حالياً) نهارات الجمعة، أو إلى أقبية بعض دكاكين الكتب القديمة في الموصل الحدباء، حين كنا ندلفها بشكل يومي أنا وصديقي المفكر صباح سليم والراحل حبيبنا الروائي حسين رحيم، وخاصة تلك التي كانت في أول شارع النجفي وأنت قادم من مكتبة “الدار الوطنية” الحكومية، حيث عليك أن تنزل درجات اسمنية عديدة لتصل إلى رائحة الكتب تلك التي غزت أنفي بعد طول سنين في سوسة البية البهية، جوهرة الساحل المتوسطي.
في اللغة الإنگليزية، تُستخدم كلمة «biblichor» لوصف تلك الرائحة التي تبعث على الحنين إلى الكتب القديمة — وهي مزيج من رائحة الورق القديم والفطريات والحبر وعرق الأيادي البشرية والسحر الخفي. وبالنسبة لمحبي الكتب، فهي عطر الذكريات والأسرار والقصص غير المروية.
وهناك، في جنة الكتب القديمة تلك، عثرت على كنزين ثمينين ظلا يرافقانني أينما حللت طوال سنوات تَلَتْ: عدد من مجلة حوار” التي كان يرأس تحريرها الشاعر العظيم توفيق صايغ، معلمي الأول، والعدد الأول من مجلة “سلطة المجالس” التي كان يصدرها من باريس المجالسيون العرب، ويشرف عليها بشكل غير معلن، الثوريان التونسيان: مصطفى خياطي والعفيف الأخضر، ولست متأكدا من وجود خيط اتصال ما بين تلك المجلة وبين المفكر العراقي الذي اغتيل لاحقا، عزيز السيد جاسم، عندما نشر كتابه بعنوان “المجالسية في النظرية والتطبيق” ببيروت إبان السبعينات من القرن المنصرم.
أما عدد مجلة “حوار” الذي ذكرته في حديثي أعلاه ووصفته بكنزي الأول الثمين، فكان يتضمن النص الكامل لرواية كتبها مذيع سوداني شاب مغمور كان يعمل حينها في هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) بعنوان “موسم الهجرة الى الشمال”، ليصبح الطيب صالح بعدها بسنوات أشهر من نار على علم في دنيا العرب.
حاصيلو..
رجعت الدار وغيرت ملابسي وعملت قهوتي ومنبعد خرجت من جديد رميت الزبلة ومشيت تعديت على بياع البُنّ عَمِّ صلاح اللي كان عايش في السعودية لذلك يطحن لي شوية هيل ويضيفهم للقهوة متاعي، ووتعديت زادا ع الصيدلية والحماص والزرارعي والخضار والغلال واللحام ومتاع الحوت وأخيرا دخلت المارشي القريب وسلمت على سهام ودرت المارشي كله كالعادة وتفرجت على كل السلع والمواد المعروضة فيه جديد، وفي الآخر شريت حُكّة تُنّ المنار وحارة عضم وخلصت بالكارتة وخرجت ورجعت الدار فارح وزاهي والحصيلة متاع هالنهار المبروك كانت كما هو موضح في الصورة اللي مهيش مرفقة بكلامي، لا أدناه ولا أعلاه، إنما الصورة هاي لا علاقة لها بكلامي لا من قريب ولا من بعيد، سوى أنني وقتها كنت نتكيف “مارس ليجير”.
(ورقةٌ مَرْميَّة من يومياتي السُّوسِيَّة)

أضف تعليق

إنشاء موقع إلكتروني أو مدونة على ووردبريس.كوم قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑