بقلم: حكمت الحاج *
_
.. يومٌ في سُوسَة البَيَّة..
بقلم: حكمت الحاج *
_
.. وأتذكر أنني عندما دخلت متجرًا للقرطاسية في سوسة، لكي اشتري بعض لوازم المدرسة لابنتي الصغيرة، في منتصف التسعينات، انتقلت فجأة بدافع الشوق والفضول إلى القسم الذي كان يضم أيضًا ركناً خاصاً لبيع الكتب المستعملة. فكانت تلك الرائحة بالذات هي التي تهاجمني بلا هوادة…
في الواقع، وكما نعلم جميعا، فإن هذه الرائحة ناتجة في الغالب عن الفطريات التي تعيش في الورق القديم بسبب الرطوبة وندرة تعرض الكتب لضوء الشمس. ولا بد أن هذا هو السبب في أن رائحة متاجر الكتب المستعملة تشبه رائحة الجنة تماماً بالنسبة لقرائها.
وقتها، وصفت الأمر لنفسي بأنه نوع من النوستالجيا، فلربما مَرَّ بي الحنين إلى مكتبتي ببيتي في بغداد، أو إلى مفارش الكتب وبسطياتها ومخازنها في سوق السراي (المتنبي حالياً) نهارات الجمعة، أو إلى أقبية بعض دكاكين الكتب القديمة في الموصل الحدباء، حين كنا ندلفها بشكل يومي أنا وصديقي المفكر صباح سليم والراحل حبيبنا الروائي حسين رحيم، وخاصة تلك التي كانت في أول شارع النجفي وأنت قادم من مكتبة “الدار الوطنية” الحكومية، حيث عليك أن تنزل درجات اسمنية عديدة لتصل إلى رائحة الكتب تلك التي غزت أنفي بعد طول سنين في سوسة البية البهية، جوهرة الساحل المتوسطي.
في اللغة الإنگليزية، تُستخدم كلمة «biblichor» لوصف تلك الرائحة التي تبعث على الحنين إلى الكتب القديمة — وهي مزيج من رائحة الورق القديم والفطريات والحبر وعرق الأيادي البشرية والسحر الخفي. وبالنسبة لمحبي الكتب، فهي عطر الذكريات والأسرار والقصص غير المروية.
وهناك، في جنة الكتب القديمة تلك، عثرت على كنزين ثمينين ظلا يرافقانني أينما حللت طوال سنوات تَلَتْ: عدد من مجلة حوار” التي كان يرأس تحريرها الشاعر العظيم توفيق صايغ، معلمي الأول، والعدد الأول من مجلة “سلطة المجالس” التي كان يصدرها من باريس المجالسيون العرب، ويشرف عليها بشكل غير معلن، الثوريان التونسيان: مصطفى خياطي والعفيف الأخضر، ولست متأكدا من وجود خيط اتصال ما بين تلك المجلة وبين المفكر العراقي الذي اغتيل لاحقا، عزيز السيد جاسم، عندما نشر كتابه بعنوان “المجالسية في النظرية والتطبيق” ببيروت إبان السبعينات من القرن المنصرم.
أما عدد مجلة “حوار” الذي ذكرته في حديثي أعلاه ووصفته بكنزي الأول الثمين، فكان يتضمن النص الكامل لرواية كتبها مذيع سوداني شاب مغمور كان يعمل حينها في هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) بعنوان “موسم الهجرة الى الشمال”، ليصبح الطيب صالح بعدها بسنوات أشهر من نار على علم في دنيا العرب…
(ورقةٌ مَرْميَّة من يومياتي السُّوسِيَّة)

أضف تعليق