تأمّلات (3)..

مارلين سعاده

.

البيوت مثل البشر، تزدهر شيئًا فشيئًا، وتبلغ أوجها مع اكتمال الأسرة، ومتى كبر الأولاد وتفرّقوا تبدأ شيخوختها، وغالبًا تموت مع رحيل أصحابها.
من عُمق الجرح المخضَّب بالحنين للأرض والوطن عرَّشَ جسرٌ روَتْه دموع الاشتياق، فبدّد المسافات، مكرِّسًا عناقًا أبديًّا ما بين الهُنا والهُناك. (مهداة إلى الشاعر الصديق وديع سعادة)
يتساوى الخير والشرّ في جِبلة الإنسان، إلّا أنّ ثمّة من ينمو فيه الخير إلى حدِّ خنق الشرّ والقضاء عليه، ومن يتملّك منه الشرّ حتّى يقضي على كلّ الخير الذي فيه!
الغيرة، الحسد، النميمة، التنمُّر، التكبُّر… كلّها أمراض معدية، لا ينجو منها إلّا من تحصّن بالخُلق الحسن، والطيبة، والمحبّة، وروح المغفرة، والتواضع.
لتبني جيلًا مسؤولًا واعيًا يلزمك اعتماد الحزم والتأديب، فالتدليل والاستهتار يؤدّيان إلى انهيار مشروعك.
تندرج العاطفة ضمن المشاعر النبيلة، إلّا أنّها متى بالغنا فيها تحوّلت إلى شرٍّ مطلق.
أورثتني أمّي أدعيتها حتى عجزت عن إحصاء ثرواتي.
ما أعجبك يا موت حين تفتح جراحنا فيفوح منها عطر الوفاء، وناردين المودة، وتتصاعد أنفاس بخورٍ جمرُه قرائحُنا، ومن ضباب دخانه ترتسم صورة الراحلين محاطة بضياء ولا أبهى! (الى الشاعر عقل العويط إبّان رثائه الروائيّ الياس الخوري.)
على مدى العمر نسجت صلواتٍ وعشت في حماها عزيزةً مكفيّة.
حين تصدح الشمس في جبالنا يتردّد صداها زهورًا وعطورًا، وتحاكيها نسمات تغريك بالاسترخاء والرحيل داخل عالم يضجُّ بالجمالات.
يسكنُنا الموتُ ونتجاهلُ سُكناه… وحين يحينُ موعدُ رحيلِنا تفارق روحُنا… دنياه…
بعض الذكريات والصور تضعنا أمام الحقيقة، حقيقة جهلِنا أنّنا لا نرى الخير الذي يكتنفنا إلّا بعد زواله…
ثمّة لحظات في العمر تبثّك عمرًا جديدًا، ليس أوّلها الحب ولا آخرها النجاح.
على خلاف ما يُشاع، دروب السعادة شاسعة، لكن، لندركها يعوزنا قلبٌ طفوليّ يقودنا إليها.
لا تدع هزء الناس من بسمتك المتفائلة يغرقك في التشاؤم؛ سيحتاجون هم أيضا إليها حين يطيب لهم طعم الحياة.
تساقطَ المطر على بتلات الزهر في حديقتي وزادها رونقًا، فأعلنَت بحضورها الجميل وفاءها للحياة!
صفحات الأيّام بيضاء، ستتلوَّن بما ترسمه أيدينا، فلنُحسن صُنْعَها.
تُنشد الحياة مزمورها كلّما تفتّق برعم، مؤكّدة غلبتها المحتومة في وجه كلّ الأعاصير!
أجمل وأصدق الابتسامات هي تلك التي تحملها لنا القلوب الطفوليّة رغم جراحاتها البليغة.
سحرُ بعض مقتنياتنا لا يقتصرُ على ما يظهر من جمالها، وإنّما على ما تحمله في ذاتها من رموز، وما تختزنه من ذكريات متّصلة بتاريخنا الشخصّي، وشاهدة عليه.
أوفى رفيق للإنسان هو… الألم؛ اِستقبلْهُ دائمًا ببشاشة، فتُخجله طيبتك، ويغادرك سريعًا.
قد تدوسُ قدمُ عابرٍ زنبقةَ الحقل، وينهشُ دودُ الأرضِ وُرَيْقاتِها النضرة، ولكنّها متى يحينُ أوانُ تفتُّحِها، تظهرُ بأبهى حُلّةٍ ويتصاعدُ كالبخورِ عطرُها الأزليُّ المعهود.
تبقى الأسرة من أثمن الكنوز التي يمكن لإنسان أن يمتلكها، ولكن قلّة هم الذين يُحسنون الحفاظ عليها.

أضف تعليق

إنشاء موقع إلكتروني أو مدونة على ووردبريس.كوم قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑