نسيانات..

أحمد الشيخ علي

..

كان المقهى ممتلئا بالدخان والضجيج، وبحركة رشيقة يتنقل النادل بين الموائد والمقاعد المتناثرة في كل مكان، كان الزبائن منشغلين بلعب النرد والدومينو، وارتشاف كؤوسهم الباردة والساخنة، بينما تتعالى الأصوات وتشتبك مثل خيوط الصوف. أشرت بيدي إلى النادل الذي التفت نحوي، وطلبت فنجان قهوة وانتظرت…
انتظرت طويلا حتى أوشكت على إعادة طلبي بغضب.
هل طلبت شيئا؟
ما الذي كنت طلبته يا ترى؟
تراجعت عن غضبي، ولم أرفع صوتي مناديا النادل، فلن يسمعني أحد وسط هذا الضجيج.
أخرجت دفتر ملاحظاتي الصغير، وحتى لا أنسى، أردت أن أدون شتيمة نمت على لساني، سأوجهها ذات يوم لأحدهم، لكنني لم أجد قلمي، يبدو أنني نسيته على رف الكتب في البيت.
أعدت دفتر ملاحظاتي إلى جيبي، وفكرت بإشعال سيجارة عوضا عن ذلك، لكنني لم أجد علبة السجائر أيضا..
لا بد أنني نسيتها على المنضدة بجوار السرير، فكرت.
كانت الأضواء قوية في المقهى، تذكرت أنني نسيت إطفاء المصابيح حين غادرت المنزل
لا لقد فعلت..
ربما لم أفعل..
لا، فعلت..
لا لم أفعل..
أفعل؟
ما الذي كنت أنوي فعله؟
ليس مهما، فقد نسيت.
كانت جدران المقهى مشغولة ببلاطات المرايا..
مرايا؟
لا إراديا مررت يدي على شعري.
هل مشّطت شعري بينما كنت أنظر لوجهي في مرآة الزينة بغرفة نومي؟
يبدو أنني نسيت ذلك، فما زال شعري مبللا.
مبلل؟
هل أقفلت محبس الدوش لدى خروجي من الحمام؟ تساءلت في سري، ونسيت أن أجيب على سؤالي.
بحثت عن وجهي في مرايا المقهى فلم أجده، لعلي لم أذهب إلى المقهى اليوم.

***
بلا مغزى..

لم تكن كلمة نابية، ولا تجديفا أستحق عليه اللعنة، ولم تكن نظرة ذات مغزى، تلك التي هربت من عينيّ، قبل أن أرمق بها السماء الرمادية، في ذلك اليوم الشتائي.
كنت سأكتب قصيدة -ليس إلا- عن الهاوية التي تنتهي إليها الطرق دائما.
وكنت سألعن قدميّ اللتين ستأخذانني إلى هناك، فأبدو وديعا مثل خروف، أجترّ أغنيتي السعيدة، قبل أن يلتمع نصل الجزار في عينيّ.
كنت سأطلق نظرتي الحائرة، وأتركها تشهق في سماء رمادية بلا مغزى.
***

أضف تعليق

إنشاء موقع إلكتروني أو مدونة على ووردبريس.كوم قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑