للشاعرة السويدية: إديث سودرغران
الترجمة والتحشية والتعليق: حكمت الحاج*
–
لقد مات الصيّاد العظيم
وأُسدلوا على قبره ستائرَ دافئة من الزهور
وأنا أقبّلُ الحجر البارد أناديه:
ها أنا ذا طفلتك الأولى،
بدموع الفرح
أجلس على قبرك ساخرةً
كأنني أتهكّمٌ عليك
بأجمل مما حلمت به
أيها الأب العجيب!
إن أبناءك لا يخونونك،
بل يأتون إليك عبر الأرض بخطوات الآلهة،
وهم يفركون أعينهم قائلين أين نحن يا ترى؟
نعم، صحيح.. هذا هو هنا مكاني،
هنا عند قبر أبي المتداعي…
أيتها الآلهة،
فلتحرسنَ هذا المكان إلى الأبد.
(سبتمبر 1918)
* تحشية وتعليق:/
قدمنا في منشور سابق ترجمتنا لقصيدة الشاعرة السويدية إديث سودرغران (1892-1923) عن “هاملت” شكسبير، واليوم، نقدم للشاعرة نفسها قصيدتها الشهيرة عن الفيلسوف الألماني “نيتشه”.
تسمية نيتشه بـ «الصياد العظيم» هي تسمية شديدة الدلالة عند إديث سودرغران. فهو في نظرها صياد آلهة قديمة وأخلاق ميتافيزيقية. وهو الذي طارد الزيف، وفتح الطريق أمام الإنسان الجديد.
سودرغران تصف نفسها بأنها «طفلة نيتشه الأولى». هي رأت نفسها ابنة لنبوءة نيتشه بخصوص الإنسان الجديد القادم، ابنة التمرّد على الأخلاق السائدة، ابنة القوة والفرح والتجاوز.
إنها ابنته نعم، لكنها أيضاً تتجاوزه. وهنا تدخل القصيدة في علاقة مركّبة بين الوفاء والخيانة والبنوة والأبوة. هي لا تخون نيتشه، لكنها تتجاوز خطابه عن «الإنسان الأعلى» أو «السوبرمان». والأهم: إنها تفعل ذلك بوصفها “امرأة”. وهذا ما يُحَمّل القصيدة بُعداً “نسوياً” خفياً: فمعلوم إن نيتشه كثيرًا ما ارتبط في تاريخه التأويلي بنظرات ملتبسة إلى المرأة، وبعض عباراته عن النساء مثيرة للجدل. إديث سودرغران تقف عند قبره وتقول له ما معناه: إن ابنتك الحقيقية امرأة وشاعرة، وهي أقوى وأجمل مما توقعت أيها الأب العجيب! إن أبناءك لا يخونونك. إنهم يأتون إليك عبر الأرض بخطوات الآلهة: فالإنسان الجديد عند نيتشه لا يمشي بخطوات عادية، بل بخطوات إلهية. ليس لأنه إله بالمعنى الديني، بل لأنه استعاد قدرة الخلق بعد موت الآلهة القديمة. هنا نرى ملامح “نيتشوية” صافية، كما يقول الناقد السويدي بيتر غلاس الذي قدم لأعمالها الشعرية. فبعد موت الإله، لا بد من خلق قيم جديدة. لكن سودرغران تضيف لمسة وجودية دقيقة: «وهم يفركون عيونهم: أين نحن يا ترى؟»، أي أن أبناء نيتشه لا يأتون واثقين فقط، بل يأتون مستيقظين من حلم، مرتبكين، كأنهم لا يعرفون العالم الذي وصلوا إليه.
نستطيع أن نؤشر هنا لحظة وعي حداثي: الإنسان الجديد ليس بطلًا فولاذيًا بلا شكوك، بل كائنٌ يستيقظ على عالم جديد ولا يعرف فوراً أين هو واقف. أما “إديث” فإنها تعثر على مكانها عند القبر: «قبر أبي المتداعي»، انه مكان خراب الذاكرة، ومع ذلك فهذا الخراب هو مكان الانتماء.
وخاتمة القصيدة العظيمة هذه مفارقة نيتشوية رائعة: «أيتها الآلهة، احرسنَ هذا المكان إلى الأبد». إديث سودرغران تعرف أن نيتشه قد أعلن موت الإله، لكنها تنادي الآلهة لكي تأتي وتحرس قبره. هذا ليس نكوصا إلى الدين، بل استعمالٌ شعري للأسطورة، فكأنها تقول: حتى الذي حطّم الآلهة يحتاج بعد موته إلى حراسة إلهية.
(ح.ح)

أضف تعليق