ذات يوم..

أحمد الشيخ علي

.

كنت جالسا وحدي على مسطبة خشبية في طرف قصي من الحديقة.
أختار هذا المكان غير المرغوب فيه، غالبا، لأنه يمنحني استقلالية كافية لمراجعة نفسي، والتفكير بما علي اتباعه من اشتراطات أضعها لحياتي التي قضيت نصف قرن منها بصرامة واستقامة يندر أن يتمكن من ضبطها أحد سواي.
لي خمسة أعوام وأنا أسكن هذه المدينة بحكم عملي محاسبا في شركة تسويق كبرى، فتحت لها فرعا جديدا هنا، وانتدبتني بعد أن قضيت خمس عشرة سنة في مركز الشركة بالعاصمة، لأكون رئيس قسم المحاسبة في فرعها الجديد، ومن بين دواعي اختياري لهذه المهمة أنني أعيش وحيدا، وليس لدي ما يضطرني للبقاء في العاصمة.
ليس لي زوجة، ولا أولاد، وكانت أمي آخر الراحلين من أهلي قبل سبع سنوات من تكليفي بهذه المهمة.
اعتدت أن أقوم بمتطلبات حياتي بنفسي، وأستعين على ذلك بما توفره الحياة العصرية من أسباب الاكتفاء. فطوري عادة شطيرة بيض وكوب شاي، أتناولهما في مقهى قريب من مكان عملي، أحيانا أستبدل الشطيرة بقطعة كعك وكوب الشاي بفنجان قهوة، ولا أمانع من ثمرة فاكهة لأكون مستعدا ليوم عمل أعالج فيه أرقاما تزيد وتنقص وتتراكم وتختفي وتظهر على شاشة حاسوبي. ودائما أكون دقيقا وأنهي عملي في آخر اليوم بمزيد من الرضا والسلام.
خلال ساعات عملي الطويلة يحدث أن أتناول قدحا أو قدحين من الشاي والقهوة، ويكون ذلك خارج غرفتي التي لا يدخلها أحد غيري، وأستغل هذا الوقت المستقطع لتدخين سيجارة أو سيجارتين أيضا.
أقوم عادة بالمرور على مكاتب الموظفين والموظفات في قسم الحسابات، أراجع ما بين أيديهم، وأقارنه بما وصلني منهم على حاسبتي بشكل روتيني، وتكون جولاتي هذه دائبة ومفاجئة أحيانا للاطمئنان على سيرورة العمل وإتقانه، فليس من المقبول لدي الوقوع في أخطاء، قد تكون عواقبها كبيرة الأثر.
وبعد الثالثة يكون الموظفون غادروا. وأبواب الشركة توشك على الإغلاق. فأطفئ أضواء غرفتي وأتأكد من خلو القسم، وأن الموظفين قد أطفأوا أجهزتهم قبل مغادرتهم، ثم أغادر، وأستقبل الشارع بضجيجه وبرده وحره ومطره وشمسه، بحسب ما تجود به علينا المواسم.
في مثل هذه الأيام التي تأتي بعد فصل الشتاء الرحيم، يكون المناخ معتدلا، لذا آخذ غدائي الذي يكون عادة شطيرة دجاج أو لحم، وعلبة عصير، وأتوجه إلى هذه الحديقة العامة في وسط المدينة، فهي على بعد دقائق من مكان عملي، وهناك أختار كما هي عادتي، مصطبة قصية تمنحني خصوصيتي. فأتناول غدائي على مهل، وبعدها أسترخي في جلستي الانفرادية، لأراجع بروية حياتي كلها، ما تصالحت عليه منها، أقلبه كما لو كنت أقرأ في كتاب، وما يستدعي مني إعادة نظر، أقف عنده، وأدقق فيه، أقرر مع نفسي ما يجب علي فعله بشأنه، أضع المهم منه في رأس قائمة أولوياتي، وأرتب الباقي تباعا بحسب أهميته، وما أن يبدأ النهار بالانحسار، ألملم نفسي، وأسير مغادرا بخطى وئيدة، فليس يبعد مكان سكني الذي خصصته الشركة لي، وهو جناح بسيط في فندق من الدرجة الثالثة، أكثر من ربع ساعة لرجل جاوز الخمسين من عمره. إنه فندق قديم الطراز، ولكنه نظيف، وبناؤه متين، وفيه تقاليد تستحق الإشادة في رعاية النزلاء والسهر على راحتهم، ومن ذلك الحرص على ترتيب الغرف والأجنحة وتنظيفها وتغيير الملاءات والمناشف، وحتى غسل الملابس وكيّها. وهذا ما كفاني كثيرا من الأعباء التي يمكن أن تربك حياة الإنسان، وتتسبب له بمشاكل عملية بالغة.
لا أدري ما الذي دعاني لقول ما قلته عن حياتي، لقد بدوت كما لو كنت في جلسة اعتراف، أو كتابة مدخل لحياتي التي أعيشها برتابة، في مجتزأ مقتطع بعناية من سيرة ذاتية واقعية ومن دون رتوش.
الحقيقة أن كل ما تقدم لا يهم، ويمكن شطبه. أنا شخصيا لن أفعل، وما كتبته جاء لسبب لا أعرفه، وقد يكون قدريا، وله علاقة بالغيب.
***
كانت الحديقة خالية عندما انتهيت من وجبة غدائي، وكنت أجلس وحدي على مصطبة خشبية في طرف قصي من الحديقة، عندما وقف قبالتي رجل طويل ببدلة رمادية غامقة مبالغ بأناقتها، واستأذنني بالجلوس إلى جنبي، أدرت رأسي ونظرت إلى المصاطب الخالية في أرجاء الحديقة، مع ذلك تنحيت قليلا، فاسحا له في المجال، وأومأت له برأسي بالموافقة من دون أن أتفوه بكلمة واحدة.
انحنى بلطف شاكرا، واتخذ مقعده بكياسة، وضع رجلا على أخرى، وأخذ نفسا عميقا، ثم التفت إلي وعلى شفتيه ابتسامة لم أتبين معناها على وجه اليقين.
فكرت أنني سأغادر مبكرا اليوم، فلم يشعرني بالارتياح خلو الحديقة من زوارها، لا عشاق، ولا أطفال، ولا باعة متجولون، ولا سابلة يقطعون الممرات متنقلين بين جنبات الحديقة، وهذه المساطب خالية تثير الوحشة في نفسي. التفتُّ إلى ناحية أخرى لم أتقصد النظر إليها، ثم عدت بنظري إلى هذا الرجل الذي اقتحم وحدتي من دون إنذار. تأملت وجهه، كان مسالما ووديعا، ولكن لا يمكن أن أحزر ما توحي به ملامحه، حتى أنني لم أتمكن من تحديد عمره ولو على وجه التقريب. كان شابا كبيرا، وشيخا صبيا، وعجوزا بوجه طفل، من دون غضون أو تجاعيد. شعره أبيض، وبشرته وردية، وعيناه بلون مختلط، لا أدري كيف أقوله. التفتّ ثانية ولكن إلى جهة السور الحديدي الواطئ للحديقة هذه المرة، كان قصدي رؤية الشارع المحاذي له. كان خاليا أيضا، لا سيارات ولا مشاة، وكأن المدينة في حظر للتجوال. داخلتني ريبة غير معهودة، وأفزعني أنني لم أكن أسمع شيئا، فلا طيور تجرح هدأة الصمت الذي يحيط بي بزقزقاتها وهديلها، ولا حفيف أشجار يداعب أوراقها الهواء، ولا خرير ماء في السواقي. كل شيء على غير عادته اليوم.
– “ما الذي يجري؟” قلت موجها كلامي للرجل الذي يشاركني مصطبتي، وأضفت: “الأمر غريب، فلا أحد في الجوار، والحديقة على غير ما أعهد، بدت لي صورة فوتوغرافية ساكنة، وليست كيانا حيا!!!”
– “هكذا يبدو الأمر دائما”.
قال الرجل كلماته التي دخلت أذنيّ من دون أن يحرك شفتيه. فقط كانت ابتسامته الزجاجية تلمع عليهما.
خيّل لي أنه قال أيضا: “لا عليك، كل شيء على ما يرام”.
أنزل رجله التي كان يضعها على الأخرى، واستوى في جلسته، ثم قال: “ما رأيك لو سرنا قليلا؟”.
هززت رأسي موافقا، وقلت: “كنت أستعد للمغادرة على أي حال”.
كان واقفا بينما كنت أقول كلماتي.
نهضت، وسرت متوجها إلى باب الحديقة الذي يخرج بي إلى الشارع المؤدي إلى حيث أسكن في الفندق القريب.
كان الرجل يسير بمحاذاتي، بخطوات قصيرة تشبه خطواتي التي أسير بها عادة.
فكرت أننا الشخصان الوحيدان في المدينة، فلا حياة تدب فيها أبدا، وهذا الأمر يسبب لي انزعاجا، وضيقا، وعلى الرغم من ذلك فقد كنت أشعر بضغط وجوده معي، لذا قررت الانسحاب منه، والمضي في سبيلي وحدي.
توقفت، وقلت بعد أن أخذت نفسا عميقا: “اسمح لي أيها السيد أن أغادر الآن، علي الذهاب إلى بيتي، أشعر بالتعب، وغدا لدي عمل كثير”.
مددت يدي لأصافحه، وأنهي هذا اللقاء الغريب.
لكنه، قال وقد توقف بعد خطوة: “ألست ذاهبا إلى الفندق؟”، وأضاف: “طريقنا واحد، فأنا أيضا ذاهب إلى الفندق نفسه”، ثم مد يده وصافحني، فسرت في جسدي رعشة لم أعهدها بسبب برودة يده، لقد بدا لي وكأنه مخلوق من قطعة جليد.
لم أجد ما أقوله، لكنني وجدت نفسي مذعنا، ومضيت معه وأنا لا أجرؤ على سؤاله عن معرفته بالفندق الذي أسكنه؟، وكيف حدث أن يكون هو أيضا من نزلاء هذا الفندق تحديدا دون سواه من فنادق المدينة؟.
مضت الدقائق بطيئة وثقيلة، وأنا أجر نفسي جرا في خطوات واهنة مع هذا الرجل الغريب، كان الشارع خاليا، والمحال المفتوحة والمضاءة على جانبي الطريق خالية هي الأخرى، فلا زبائن ولا باعة، كنا وحيدين تماما، وهذا ما جعلني أشعر بدوار وغثيان، وأكاد أتقيأ من ضغط ما يحيط بي من أمور لا أجد قدرة في عقلي على تفسيرها.
حانت التفاتة مني إلى موضع أقدامنا ونحن نسير ببطء، لم يكن لنا ظل، ولا تعين الأضواء على خلق هذه الأشباح السُمر التي ترافقنا عادة، والأكثر غرابة أن واجهات المحال الزجاجية هي الأخرى لا تعكس صورتينا ونحن نسير على مقربة منها، كنا غير موجودين تماما، في عالم لا وجود للمخلوقات الحية فيه. هذا آخر ما انتهيت إليه، وأنا أسير مطأطئا، وأسترق النظر بين لحظة وأخرى، إلى هذا الرجل الذي اقتحم حياتي من دون مقدمات، وأدخلني معه في لغز لم أفكر أبدا بعجزي عن حله، أنا الذي كنت أفاخر بمقدرتي العقلية على تفكيك أصعب العمليات الرياضية والفيزياوية، ولكن.. لا يعقل ما أنا فيه الآن، وهو أمر خارج حدود الطبيعة بالتأكيد.
تسرب صوت الرجل إلى سمعي مثل سائل في قطعة قماش: “قلت لك لا تشغل بالك، الأمر أبسط من ذلك بكثير”.
لم أقل شيئا، ولكنني فكرت مع نفسي: “هل يقصد ما كنت أفكر فيه وأنا أسير معه؟”.
“نعم، قصدت ذلك” قال بهدوء.
“كيف لك أن تعرف ما الذي فكرت فيه؟”.
ابتسم وهو ينظر إلي، ولم يقل شيئا.
اقتربنا من الفندق، فأبطأت من خطواتي أكثر، لكنه أخذ بيدي وحثني على مواصلة السير.
اجتزنا الفندق، ودخلنا منطقة أبعد، تبدو مختلفة، فلا شوارع معبدة، ولا بنايات أو أسواق تجارية، إنها منطقة خالية لم أزرها من قبل، ولم أكن أعرف بوجودها القريب من هذه المدينة.
كان قلبي ينبض بإيقاع سريع ومضطرب، ونفسي يشح ويضيق، كنت خائفا، نعم أنا خائف كما لم يحدث أن خفت مثل الآن من قبل.
كنا نطأ ترابا أبيض ناعما، إلا أننا لا نثير غباره كما يجب أن يحصل، وهذا مما فاقم الخوف لدي، فكيف يحدث هذا؟
كنت أتقصد أن أضرب التراب بقدمي، ولكنه بدا أقرب إلى وفر الثلج منه إلى التراب، برغم كونه ترابا بالتأكيد.
أسرع الرجل قليلا في مشيته، وما أن تقدم علي بضع خطوات، حتى وقف واستدار نحوي، فوقفت، ونظرت من حولي فلم أتبين شيئا من معالم المكان، وحتى البنايات العالية للمدينة لم أعد أراها، ولا أثر لشيء من عالمي الذي كنت أعهده مطلقا. لقد كنت أنا وهذا الرجل الغريب فقط، وكل ما يحيط بنا فراغ لا نهائي.
أشار الرجل إلى موضع محدد من الأرض، وقال:
“هنا سيكون بيتك”، وبعد دقيقة صمت، أضاف: “ألم أقل لك إن الأمر بسيط؟”.
لم أعرف كيف أعبر، وأنا أستمع إلى هذا الهراء. بلعت ريقي بصعوبة، ومسحت عيني اليمنى التي طرفت وأسالت قطرة دمع، وتراجعت خطوة إلى الوراء.
ضحك الرجل. وأقسم أنني سمعته يشهق من الضحك، واقترب مني بهدوء، ثم وضع يده على كتفي وهزني.
رفعت رأسي نحو وجهه، كان شديد السمرة وقد لف الليل نصفه ومنحه هيأة غامضة، لولا ما كشفه المصباح القريب من العمود المنتصب خلف المصطبة التي أجلس عليها، وقال بصوت هادئ:
“لقد تأخر الوقت، وغادر زوار الحديقة وسنغلق أبوابها”. وأضاف بشيء من الود: “هل أنت على ما يرام؟، أيلزمك شيء؟، هل أطلب لك سيارة أجرة؟”.
هززت رأسي شاكرا، وقلت بعد لحظات طويلة كنت أتأمل فيها وجه الرجل: “أنا بخير، وأسكن قريبا من هنا، شكرا لك”، ونظرت إلى الساعة في معصمي وأنا أقول: “كم الساعة الآن؟”. لم أتبين الوقت، لكن الرجل الودود الذي أعانني على النهوض قال: “لقد شارف الليل على الانتصاف الآن، أبواب الحديقة تغلق عند الثانية عشرة تماما”.
خرجت من الحديقة وأنا أفكر بما حصل معي، وما أن وضعت قدميّ في الطريق المؤدي إلى الفندق، حتى لمحت رجلا طويلا يقف على بعد خطوات، يفيض عليه شلال من نور مصابيح الرصيف، كان يرتدي بدلة رمادية غامقة، كان يبتسم، نعم رأيت وجهه بوضوح، كان شعره أبيض، ووجهه ورديا مثل طفل، وكان يبتسم، يبتسم لي بالتأكيد فليس من أحد سواي في الطريق.

أضف تعليق

إنشاء موقع إلكتروني أو مدونة على ووردبريس.كوم قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑