مارلين سعاده
.
حين روى لنا الكاتب الفرنسيّ مارسيل بانيول سيرته الذاتيّة في مدوّنتيه: ”La Gloire de mon père” و “Le Château de ma mère”، وعرّفنا بأسرته وعالمه الطفوليّ، أخبرَنا في ختامها أنّ شقيقه ورفيق طفولته، قُتل في الحرب خلال خدمته في الجيش، وحذّرنا من أن نخبرَ الأطفال بما حصل. لكنّني، مذ علمت بالأمر، إلى اليوم، لا أعرف كيف أَجبر خاطرَ الطفل الذي يسكنني!
لا تزال غمزات أضواء العيد المنبعثة من شريط ذكريات الطفولة، ترمي بسحرها على عقلي محاولةً إقناعه بأنّ الخير والسلام ليسا وهمًا!
حين تتبدّل الفصول، تنتشي نفسي بالتحوُّل المباغت، قبل أن يرميَني (التحوُّل)، من جديد، في أحضان الثابت المتوالي!
لكلّ كائنٍ حيّ أوانٌ معلومٌ لمخاضه، أمّا الفكر فلا أوانُ لولادته؛ فقد ينفجر في غفلةٍ كالبركان، أو يتهيّأ سنينَ طويلة كالأهرامات!
أحيانًا شهوة الفكر تذيبه شوقًا لمعانقة الكلمات السابحة في فضائه، والاستمتاع بها من دون أن يُفقدَها عذريّتها أو يبني منها جُمَلًا وحكايات!
يجني المزارع الخيراتِ من غرس يديه، والعامل القُوتَ من عرق جبينه، والراعي الدفءَ من قطيعه، والجنديّ الفخرَ من الذود عن بلاده وأهله… أما المفكّر فغاية مسعاه هي الوصول إلى إجابات عن الأسئلة الكبيرة.
رأيتُ أشواقَ الطفولة تبتعد كلّما تقدّم بي الزمن، وتحطّ في أماكن لم آلفها في عمري، وتتأقلم وتستقرّ، وتكاد تبدّل هويّتها… غير أني فوجئت بها، بعدما بلغت الستين، تجذبني عنوةً إلى حقولها.
ينبئنا العلم أنّ النجوم ينطفئ ضوءُها مع مرور الزمن، لكنّ صورتها تستمر في الوصول إلينا ملايين السنين؛ أليست هذه حال الصداقات الحقيقيّة التي تبقى مشعّةً في حياتنا حتى بعد وقت طويل من رحيل أصحابها؟
هناك من يرى في الموت نهايةً للأحياء، أما أنا فأراه عبورا ورحلة نوعية يقوم بها الراحل إلى عالم جديد، تاركا الآخرين ينتظرون القطار، كلّ وفق التوقيت المحدّد في بطاقة سفره.
دائما ما نعتقد أنّ صلتنا بالأمكنة أعمق من أن يلغيها الزمن، إلّا أنّ الحقيقة تظهر حين نقصد تلك الأماكن بعد سنين فلا نجد فيها الوجوه التي ألفناها، ونبحث عن أماكننا الحميمة فيها فلا نشعر بروح المكان. فنغادرها خائبين، ونتمسك بالصورة القديمة التي حفظتها ذاكرتنا، الصورة التي هي صورتنا في الماضي المنعكسة في مرآة المكان. نتمسّك بها لأنّها جزء من ماضينا، من حياتنا، من أنفسنا.
تتبدّل ملامحنا، تضعف هممنا، يُحسب عمرنا بعدد سنين إقامتنا على هذا الكوكب، ولكنّ الطفل الساكن فينا، يبقى طفلًا لا يعنيه عدّاد السنين، بل الفضول والدهشة.
نظنّ غالبًا أنّنا أسيادُ أنفسنا، وأنّنا نبني حياتنا بالطريقة التي نختارها ونريدها؛ مع أنّنا ولدنا في أسرةٍ لم نخترها عرقًا ومذهبًا وثقافةً، وفي وطنٍ لم نعرفه قبل أن يربطنا به الحنين… ألا يجعلنا هذا نتساءل كيف لِمَن لم يختر وجوده في هذه الدنيا أن يكون مسؤولًا عن مصيره، ومصير من يشاركه الحياة فيها؟
غالبًا ما لا نجد أجوبة لأسئلتنا، ولا تفسيرًا للفواجع التي تحرق قلوبنا، فنعاني الألم في الجسد والروح؛ ونثور على المتحكّمين بمصيرنا، فتحجب العاصفة الرؤية عنّا… إلّا أنّ دفق الحياة يستمرّ فينا، والزهور تُواصل التفتّح من حولنا، حتى يطغى جمالها ويكتنفنا، فتبتسم الحياة في وجهنا من جديد!
قد نبلغ مكانة رفيعةً في العلم، أو مستوى عاليًا من المعرفة، أو نحقّق النجاح الباهر والشهرة، إلّا أنّ لحظةً من السلام الداخليّ والشعور بالرضى، تضاهي كلَّ ما قد بلغناه من العلم، وما أصبناه من المعرفة والنجاح.

أضف تعليق