أحمد الشيخ علي
من بين الثنائيّات التي يجري تداولها في اللغة فكريّا وأدبيّا، وعلى مختلف المستويات الشعبيّة والنخبويّة، أو الفطريّة والعلميّة، تبرز ثنائيّة الحياة والموت بوصفها ثنائيّة ضديّة، فهل نحن فعليّا بإزاء مفهومين متضادّين؟
لا شكّ أبدا في أنّ ثنائيّة الحياة والموت من بين أكثر القضايا التي توقّف عندها العقل البشريّ، وخاض فيها طويلا. على مدى أطواره، وانتقالاته، واتجاهاته. ولعلّ اللغة في مستواها المنطقيّ من بين أهم تمظهرات العقل، بقدر ما هي مصداق عليه، وقد صنّفت اللغة هذه الثنائيّة (ضديّةً) كون قطباها؛ (الحياة) و(الموت) محكومين بعدم الاجتماع. وهذا هو باعث التصنيف الظاهريّ في هذه الثنائيّة. شأنها في ذلك شأن الوجود والعدم، إلّا أنّنا لو سلّمنا جدلا، بكون الحياة تعني الوجود، فلسنا بمسلّمين أبدا بأنّ الموت يعني العدم. وكما أنّ الحيّ موجود، فإنّ الميت موجود أيضا، مع إدراكنا للفارق بين الحياة (المصدر) وهي مفهوم مجرّد، والحي (الصفة)، وهو الفارق نفسه بين الموت المفهوم المجرّد، والميت، أي بين المصدر والصفة.
فلو انحرفنا قليلا بزاوية نظرنا، وجادلنا بمنطق فلسفيّ، أو انفتحنا على نظريّات العلم الحديث، سنجد الأمر أكثر تعقيداً، ويتجاوز التبسيط أو التسطيح الذي ينحو إلى التصنيف الضديّ لهذه الثنائيّة.
في البدء لا بدّ أن نتّفق على أنّ الحياة ليست حكرا على الإنسان، فكلّ كائن أو مخلوق له مقوّمات الحياة، هو شريك الإنسان في هذه الخصيصة، على سبيل الحقيقة. وفضلا عن ذلك فإنّ كلّ الموجودات يمكن أن تكون حيّة على سبيل المجاز، بما في ذلك الجمادات الطبيعيّة والمصطنعة، ولعل فكرة التحوّل التي يمكن أن تخضع لها الكائنات والمخلوقات والموجودات جميعها، دليل على تلك الشراكة في خصيصة الحياة، وعلينا أن نتريّث كثيرا عند استعمال مفردة (خصيصة)، مشدّدين على أنّها خصيصة عامة، أو قاسم مشترك أكبر، في عالمنا، بل كوننا غير المحدود، فحتى الكواكب التي هي حجارة أو غازات أو كتل مشتعلة، ومن ثَمّ كلّ المجرّات المعلومة وغير المعلومة، تشاركنا خصيصة الحياة.
فإذا كان الحيوان يموت بتحوّله من الحركة أو النشاط إلى السكون البايولوجيّ، على المستوى الحقيقيّ الدارج لثنائيّة الحياة والموت، فإنّ الجماد ولنقل الحجر، أو النهر، أو النار، أو الكوكب وحتى المجرّة، يموت بتحوّله إلى رمل أو بخار أو رماد، وكل تحوّل يمكن أن يكون موتا لما كان عليه قبل التحوّل، وإن لم يكن ذلك إلّا في مستواه المجازيّ. ومع تحقّق هذا الموت، فإن الكيان المتحوّل إلى غير طبيعته الفاعلة أو النشطة، لا يموت فعليّا، بل يدخل في مستوى حياتيّ آخر، له طبيعة مختلفة، سواء أعرفنا تلك الطبيعة أم لم نعرفها.
ولو توسّعنا في هذا الفهم، ستكون الحياة في حقيقتها خلاصة تحوّلات دائبة في حدوثها، إلى نهاية هذه الحياة بالمعنى الإبتدائيّ، وهذه التحوّلات تقتضي استمرار الحياة من جهة، وتدوير حيوات متعدّدة، بموتها، وتحوّلها، من جهة أخرى. وهكذا تقوم الحياة على ميتات آنيّة، من شأنها منح حياة معلومة أو مجهولة لنا، امتدادا أبعد، ولكنّه سيكون محكوما بنهاية حتميّة لهيأتها المتحوّلة، نطلق عليها تجوّزا توصيف الموت، الذي هو حياة أخرى، تطول أو تقصر، وهكذا تتعاقب الصفتان، ويتحقّق المفهومان اللذان يشكّلان طرفي هذه الثنائيّة، التي لن تكون ضديّة بأيّ شكل من الأشكال،
وعليه فالثنائيّة هنا تلازميّة وليست ضديّة. فموت كائن من شأنه تدويم الحياة في كائن آخر، وهكذا يكون الموت هو المحرك للحياة. فالموت ليس آخر المطاف بالنسبة للكائن، بل هو امتداد لكينونته. ونحن لا ندرك المعنى القيميّ والأخلاقيّ للحياة، ما لم نكن على وعي بأنّ هذه الحياة غير أبديّة، وأنّ ما يقتضي حال الحياة وصيرورتها، يقتضي على وجه اليقين تعطّلها وانقطاعها عن جوهرها، لتتحول إلى مصيرها الذي تتحوّل إليه، وهو الموت، في نطاقه اللغويّ.
ولعلنا ندرك مدى القهر الذي أصاب الكائن الحيّ في عقلانيّته، عندما بحث عن الخلود ولم يجده، وهذا ما توثّقه الأساطير الإنسانيّة على اختلافها، فالخلود المزعوم غير متحقّق، على الرغم من تداولنا هذا المفهوم، وعلى الرغم من الوعد الغيبيّ الذي يكرّسه الخطاب الإيمانيّ الدينيّ في الفكر الإنسانيّ، فنحن ندرك الحياة بحكم طبيعتها المتحقّقة في الكائن القادر على الإرادة والفعل، وندرك الموت بحكم تحوّل الكائن الحي إلى طبيعة مختلفة، حيث تستلب منه الإرادة والفعل، ويصير إلى تحوّل لا إراديّ في ظاهره المحسوس على أقل تقدير.
كلّ شيء إذن، محكوم بعمليّة تدوير كبرى، ولا سبيل لمعرفة نهاية هذه العمليّة الدائبة، في ما يتوافر لدينا من إمكانيّات معرفيّة، وحسبنا أن ننظر إلى الحياة والموت بوصفهما دائرة متصلة، وبمعنى تجريدي، أرى أن الحياة والموت مجتمعين مصداق (اللانهاية)، تماما كما هي الدائرة التي تمثّل بداية ونهاية في آن واحد.
ختاما، لم أشأ أن يكون تأمّلي في هذه الثنائيّة تطبيقيّا، كما لم أتّكئ فيه على النصّ القرآنيّ، لما في ذلك من محاذير يقتضيها المنهج العلميّ في مقاربة هذا النصّ وتفاسيره، على الرّغم من الفسحة التأويليّة التي يمكن أن تمنحنا دعما تصوّريّا، وتغليبا لحجاجنا الذي انتهينا إليه، ويكفي أن نقرأ من الآية 28 من سورة البقرة: {وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}. ولا أحسب أن المقام يسعفنا للخوض في دواعي تقديم الموت على الحياة هنا. فضلا عن معناهما، وأكتفي بهذه الحركة الدائبة التي تصوّرها لنا الآية، من الموت إلى الحياة إلى الموت إلى الحياة، وصولا إلى ما لا علم لنا به على وجه اليقين، وهو ما تختصره مفردة (الرجعى) ومفهومها الغيبيّ.
***

أضف تعليق