برتراند راسل يروي ملامح العبقري القلِق الذي جعل من الفلسفة امتحانًا لحدود اللغة والحياة
.
بقلم: حكمت الحاج*
# في السادس والعشرين من نيسان/ أبريل 1889 وُلد لودفيغ فيتغنشتاين، واحد من أكثر فلاسفة القرن العشرين كثافةً وإرباكًا وتأثيرًا. لم يكن فيتغنشتاين فيلسوفًا بالمعنى الأكاديمي المتداول للكلمة، بل كان أقرب إلى تجربة روحية وعقلية حادّة، إلى رجل جعل من التفكير امتحانًا للوجود نفسه، لا مجرد تمرين في المفاهيم. وربما لهذا ظلّت صورته، حتى اليوم، موزّعة بين الفيلسوف والوضعي المنطقي والمتصوف والناسك والعبقري الصعب، ومن ثم، الشاعر*.
تكاد مفارقة فيتغنشتاين الكبرى أن تقوم في أنه قال الكثير من خلال القليل. ففي حياته لم ينشر إلا كتابًا واحدًا صغير الحجم عظيم الأثر، هو رسالة منطقية فلسفية، ذلك النص المقتضب الذي أراد أن يرسم حدود اللغة والفكر والعالم، ثم جاء كتابه الآخر، تحقيقات فلسفية، بعد وفاته، ليقلب كثيرًا مما بدا ثابتًا في المرحلة الأولى، وينقل الفلسفة من حلم اللغة المنطقية الصارمة إلى فحص استعمالات اللغة في الحياة اليومية. وبين هذين الكتابين، قامت إحدى أعمق المغامرات الفلسفية الحديثة: مغامرة السؤال عن المعنى، وحدود القول، وما يمكن للغة أن تبلغه، وما ينبغي أن تتركه للصمت.
ولعلّ العلاقة بين فيتغنشتاين وبرتراند راسل واحدة من أكثر العلاقات إثارة في تاريخ الفلسفة الحديثة. فقد جاء فيتغنشتاين الشاب إلى كامبريدج مضطربًا، حادًا، مهووسًا بالمنطق، فيما كان راسل يومها أحد أعمدة الفلسفة التحليلية. غير أن العلاقة بين الأستاذ والتلميذ سرعان ما تحولت إلى مواجهة بين عقلين كبيرين: عقل راسل الواضح، الليبرالي، التحليلي، وعقل فيتغنشتاين العاصف، المتقشف، المأخوذ بالسؤال حتى نهايته القصوى. كان راسل يرى فيه عبقرية استثنائية، لكنه كان يشعر أيضًا بأنه أمام شخصية لا تُطاق بسهولة: متوتر، صارم، ومطلق في مطالبه الأخلاقية والفكرية.
# النص الآتي أدناه، الذي أورده برتراند راسل في كتابه “صور من الذاكرة”، والذي قمنا بترجمته وتقديمه للقاريء العربي، لا يقدّم لنا فيتغنشتاين بوصفه صاحب نظرية في المعنى أو مؤلفًا لـ الرسالة المنطقية الفلسفية (تراكتاتوس) فحسب، بل يكشف لنا فيتغنشتاين الآخر: الإنسان القلِق، الصامت، العنيف في حضوره، الذي كان يفكر في المنطق وفي خطاياه في الوقت نفسه. وهذا، في ظني، هو المفتاح الأعمق لفهمه: لم تكن الفلسفة عنده مهنة معرفية، بل كانت شكلًا من أشكال المحاسبة الوجودية. كان يريد أن يعرف: ما الذي يمكن قوله؟ وما الذي لا يجوز قوله؟ وأين تبدأ حدود اللغة؟ وأين يبدأ الصمت، وأين يجب أن ينتهي؟
لذلك، تبدو ذكرى ميلاده مناسبة لا لاستعادة تاريخ فيلسوف كبير فحسب، بل لاستعادة سؤال لا يزال مفتوحًا أمامنا نحن أيضًا: هل اللغة كون المعنى، أم سجنه؟ وهل تستطيع الفلسفة أن تنقذ الفكر من الالتباس، أم أنها، في أعمق صورها، لا تفعل سوى أن تجعلنا نرى الالتباس بوضوح أشد؟
لقد مرّت يوم أمس ذكرى ميلاد الفيلسوف العظيم فيتغنشتاين الذي لم ينشر في حياته إلا كتابًا واحدًا صغير الحجم، بالغ التأثير والكثافة، هو رسالة منطقية فلسفية Tractatus Logico-Philosophicus (تراكتاتوس) الصادر عام 1921، وجاء في نحو خمس وسبعين صفحة، فضلًا عن مقالة واحدة، ومراجعة واحدة لكتاب، وقاموس للأطفال. أما كتابه الآخر الذي لا يقلّ أهمية، “التحقيقات الفلسفية” Philosophical Investigations، فقد نُشر بعد وفاته عام 1953.
فيما يلي ترجمتنا لمقتطف مما كتبه الفيلسوف برتراند راسل عن صديقه القديم، أو صديقه في مرحلة من المراحل، وخصمه اللاحق، لودفيغ فيتغنشتاين.
في هذا المقطع النادر، لا نرى فيتغنشتاين بوصفه صاحب “الرسالة المنطقية الفلسفية” فحسب، بل بوصفه كائنًا مأخوذًا بحدود الفكر واللغة والحياة.
━━━
# «كان غريب الأطوار، وكانت آراؤه تبدو لي عجيبة، حتى إنني ظللت فصلًا دراسيًا كاملًا غير قادر على أن أحسم أمري: أهو رجل عبقري أم مجرد شخص شاذّ النزعة؟ وفي نهاية فصله الدراسي الأول في كمبردج جاء إليّ وقال: “هل تتفضل بأن تخبرني هل أنا أحمق كامل أم لا؟” فأجبته: “يا عزيزي، لا أدري. لماذا تسألني؟” فقال: “لأنني إذا كنت أحمق كاملًا فسأصبح طيّارًا، أما إذا لم أكن كذلك فسأصبح فيلسوفًا.” فقلت له إن يكتب لي، أثناء العطلة، شيئًا في أي موضوع فلسفي، وعندئذ أستطيع أن أقول له هل هو أحمق كامل أم لا. وفي بداية الفصل التالي جاءني بما أنجزه استجابة لهذا الاقتراح. وبعد أن قرأت جملة واحدة فقط، قلت له: “لا، يجب ألا تصبح طيّارًا.” وهكذا لم يصبح طيّارًا.
ومع ذلك، لم يكن التعامل معه سهلًا تمامًا. كان يأتي إلى غرفتي عند منتصف الليل، ولساعات طويلة يظل يمشي ذهابًا وإيابًا مثل نمر حبيس في قفص. وحين يصل، كان يعلن أنه عندما يغادر غرفتي سوف ينتحر. ولذلك، وعلى الرغم من أن النعاس كان يغلبني، لم أكن أحب أن أطرده. وفي إحدى تلك الليالي، وبعد ساعة أو ساعتين من الصمت المطبق، قلت له: “فيتغنشتاين، أأنت تفكر في المنطق أم في خطاياك؟” فقال: “في كليهما”، ثم عاد إلى الصمت.
غير أننا لم نكن نلتقي في الليل وحده. فقد كنت أصطحبه في نزهات طويلة في الريف المحيط بكمبردج. وفي إحدى المرات أقنعته بأن يتسلل معي إلى غابة مادينغلي، وهناك، ولدهشتي، تسلّق شجرة. وحين كان قد صعد مسافة بعيدة، ظهر حارس صيد يحمل بندقية واحتجّ عليّ بسبب التعدّي على المكان. فناديت فيتغنشتاين وقلت له إن الرجل وعد بألا يطلق النار إذا نزل فيتغنشتاين خلال دقيقة واحدة. فصدّقني، ونزل.»
━━━
# تحشية: فيتغنشتاين وبرتراند راسل وأبدية الصراع/
وصف الفيلسوف برتراند راسل صديقه لودفيغ فيتغنشتاين بأنه «أكمل مثال عرفته على العبقرية كما تُتصوَّر تقليديًا: عاطفي، عميق، حادّ، ومهيمن». وعلى الرغم من أن راسل كان يكبر فيتغنشتاين بما يقارب ضعف عمره، فإن علاقتهما سرعان ما تحولت إلى علاقة ندّية بين عقلين متكافئين. وفي النعي الذي كتبه راسل في مجلة Mind الفلسفية بعد أربعين عامًا تقريبًا، وصف صداقته مع فيتغنشتاين بأنها «واحدة من أكثر المغامرات الفكرية إثارة في حياتي».
وعلى الرغم من الاستنزاف العاطفي الذي سبّبته هذه العلاقة لكليهما، فقد قضى راسل وقتًا طويلًا في تشجيع فيتغنشتاين الشاب، وكانت علاقتهما المبكرة شديدة الكثافة. كان على راسل أن يبذل جهدًا كبيرًا لكي يواكب أفكار فيتغنشتاين الجديدة والجذرية حول المنطق واللغة والعالم. ومن بعض الوجوه، كان فيتغنشتاين شبيهًا براسل الشاب: فقد كان هو أيضًا مأخوذًا، على نحو موسوس، بالأسئلة التقنية الصعبة في الفلسفة. وكان يشعر بأنه مدفوع إلى طرح أسئلة أساسية عن طبيعة المنطق وهويته ووظيفته. غير أنه، على خلاف راسل، لم يكن يرى أبدًا أن الفلسفة ينبغي أن تكون بحثًا في المعرفة الإدراكية أو في «المادة». إن فلسفة فيتغنشتاين تتمحور حول مشكلات المعنى، لا حول مشكلات المعرفة.
وسرعان ما شعر راسل بالرهبة من فيتغنشتاين؛ فلم يكن فيتغنشتاين متقلب المزاج وسريع الغضب أكثر مما يلائم طبيعة راسل السهلة فحسب، بل كان أيضًا، لأسباب لم تكن واضحة دائمًا، محتقرًا لمعظم أعمال راسل نفسه، وبخاصة لعجزه عن استيعاب «نظرية الصورة» في المعنى عند فيتغنشتاين، وهي النظرية ذات الطابع شبه الصوفي. وقد قال راسل: «لم أكن أستطيع فهمه إلا بالكاد، وبعد أن أرَّقَ ذهني إلى أقصى حد».
ومع ذلك، دعم راسل بقوة العمل الذي قاد إلى كتاب فيتغنشتاين الشهير “رسالة منطقية فلسفية”. كان ذلك مشروعًا طموحًا: تحديد العلاقة بين اللغة والواقع، ورسم حدود العلم. وقد عُدّ هذا الكتاب واحدًا من الأعمال الفلسفية المهمة في القرن العشرين. غير أن راسل طوّر نسخته الخاصة من الأفكار التي عرضها فيتغنشتاين في ذلك الكتاب، وقدّم سلسلة من المحاضرات عن الوضعية المنطقية عام 1918، بينما كان فيتغنشتاين لا يزال أسير حرب إبان الحرب العالمية الأولى.
فعند اندلاع الحرب العالمية الأولى، تطوّع فيتغنشتاين فورًا في جيش الإمبراطورية النمساوية ـ المجرية، على الرغم من أنه كان مؤهلًا للحصول على إعفاء طبي. وقد قال راسل إنه عاد من الحرب رجلًا آخر، ذا موقف صوفي عميق ونزعة زهدية واضحة.
وقد رأى فيتغنشتاين أن أفكاره أُسيء فهمها، ومن ثمّ أُسيء تمثيلها على يد راسل. وربما كان ذلك أحد الأسباب العديدة التي جعلت علاقتهما لا تستعيد عافيتها أبدًا. كما أن راسل استوعب، بدوره، بعض أفكار فيتغنشتاين داخل فلسفته الخاصة، بدرجات متفاوتة من النجاح. وفي النهاية، وربما على نحو لا مفرّ منه، وقع بين الرجلين خلاف حاد، وإن كان السبب الدقيق لذلك لا يزال غير واضح تمامًا.
توفي فيتغنشتاين في الثانية والستين من عمره، بعد معاناته من سرطان البروستاتا. وحتى أيامه الأخيرة ظلّ يكنّ تقديرًا كبيرًا لراسل. ومن عباراته الشهيرة قرب النهاية: «قولوا لهم إنني عشت حياة رائعة». كما نُسب إليه قوله عن راسل: «لا يمكن أن تكون هناك أية علاقة صداقة حقيقية بيننا».
هوامش:/
* — برتراند راسل، صور من الذاكرة Portraits from Memory، 1956، الفصل الثاني: «بعض الصلات الفلسفية».
* — الصورة المرفقة: لودفيغ فيتغنشتاين، عام 1922.
* — لقد نشرنا في أوقات سابقة ثلاثة مقالات تحليلية عن فيتغنشتاين وفكره ستظهر مجتمعة في كتابنا القادم “الفلسفة والشعر: أية علاقة!” المزمع صدوره عن “كناية” الخريف المقبل.


أضف تعليق