فتحي الرحماني
زارني ابن عمّي صباح اليوم على غير عادته. وكان واضحا أنّه على عجلة من أمره ليبلّغني باجتماع عائلي وصفه بأنّه سيكون “طارئا وحاسما”. وعندما ابتعد خطوات التفت إليّ مؤكّدا:
موعدنا بعد صلاة العشاء في بيت جدّك.
ظللتُ طول اليوم أخمّن ما الذي دعا الأسرة الموقّرة إلى مثل هذه “القمّة الطارئة” التي يبدو أنّها ستجمع أجيالا مختلفة. وما الذي يُمكنها أن تطرح على جدول أعمالها:
هل هي للتداول في زيجة من خارج العائلة؟ أم أنّ جدّي استشرف نهايته فقرّر أن يجمعنا لتقسيم تركته بالتراضي أو بالإكراه؟
سألتُ أمّي ما إذا كانت معنيّة بهذه الدعوة. فأجابت بالنفي،وأكّدت أنّه اجتماع خاصّ برجال العائلة ووجهائها.عندئذ انتابني نوع من الزّهو،واختلطت في داخلي مشاعر الفخر والسخرية،وقلتُ في نفسي:
أخيرا صرتُ وابن عمّي من “رجالات” العائلة!
ورغم أنّ مثل هذه الاهتمامات العائلية لا تُثيرني في العادة،إلاّ أنّ هذه الدعوة بالذات ملكت عليّ تفكيري حتّى أنّي أمضيتُ بقيّة يومي مُستلقيا أُحملق في السّقف وأرصد الاحتمالات.
في الموعد المحدّد كنت أمام “حوش” جدّي،فاستقبلني عند الباب ابن عمّي الذي يُتقن دور التشريفات. ودخلنا البهو،فوجدنا كلّ الأعمام والأخوال وكلّ من بلغ سنّ الرشد من الأبناء والأحفاد. فجلسنا حيث انتهى بنا المجلس.
جدّي في الصدارة،وعن يمينه أكبر أعمامي كأنّه “أمين سرّ”. ظلّ الصمت يخيّم على المجلس،وجدّي يُديم إطراقه حتّى خلتُ أنّه قد أخذته سِنة من النوم. ثمّ تنحنح وفرك مسبحته واستغفر وقال في صوت خشن كمن يصطنع الوقار:
جمعتكم الليلة لنلمّ شتات ما تبقّى من اسم العائلة.
فساد صمت القبور في المجلس من جديد. ثمّ بدأ جدّي يملي شروط الاجتماع ويضع الضوابط. فذكّرنا بعراقة سلالتنا،وأنّ الهدف من اجتماعنا إنقاذ ما يمكن إنقاذه، ثمّ قال في حزم:
لا أحد يرفع صوته في حضرتنا. ولا أحد يتكلّم دون إذن أو يُقاطع غيره. ولسنا في وارد محاكمة أحد ولكن يهمّنا الفعل في ذاته.
وأضاف في صرامته المعهودة: البيت الذي يُبنى على الإكراه لا يدوم. والتقاليد عندنا نتوارثها كما نتوارث الأرزاق. ولقب عائلتنا مجيد تليد. “واحترام الكبير بيننا على مرّ العصور مثل إشارات المرور”.
ثمّ وضع يده على فخذ “مستشاره” و”أمين سرّه” إيذانا له بالكلام. فاعتدل عمّي الأكبر في جلسته،ثمّ أطلق تنهيدة مسترسلة وخرج صوته دفعة واحدة:
يؤسفني أن أعلمكم أنّ ابن أخي وابن عمّكم الأصغر قد ارتكب حماقة لا تُغتفر. هذا الفتى النّزق قد فعل فعلة لا يمكن أن نسامحه عليها أبدا. وهاهو أبوه في حضرتكم ليخبركم بنفسه ماذا فعل هذا الشقيّ..
عند هذا الحدّ رفع جدّي كفّه وكأنّه يعترض على هذه الأوصاف وأسكت عمّي بكلّ صرامة “وشكر الأخ إبراهيم” دون أن نعرف من يكون إبراهيم. ثمّ أذن لعمّي الأصغر ليُدلي بدلوه ويخبرنا بما حدث مع ابنه. فهمّ بسرد التفاصيل غير أنّ جدّي بإشارة منه دعاه إلى الاختصار،فاكتفى بالقول بلغته الركيكة:
الابن ابننا والفعل ليس منّا. لقد تلاعب في وثائق ورهن قطعة من أرضنا للبنوك من أجل مشاريعه الوهمية التي لا تعود بالنفع على العائلة..
فعَلَتْ بعض الهمهمات في المجلس خشي معها جدّي أن ينفلت الوضع من تحت سيطرته،فعاد يطلق نحنحاته وأردفها بسعال مفتعل،فعاد الهدوء مجدّدا،وأُرغم عمّي الأصغر على السكوت عن تفاصيل ما حدث حين ارتفعت يد جدّي في وجهه وهو “يشكر الأخ إبراهيم” مرّة أخرى،فوجدنا أنفسنا نستعدّ للخوض في قضية لم نفهم ملابساتها ولا نعرف منها إلاّ وجهة نظر الكبار.
ومع ذلك شكرنا جدّي كما “شكر الأخ إبراهيم”،وأثنى على نقاشاتنا البنّاءة والمسؤولة التي قادت إلى اتّخاذ مثل هذا القرار التاريخيّ العادل الذي سيحفظ هيبة الأسرة ويؤمّن مصيرها. وأضاف جدّي وهو يُدير وجهه ناحية عمّي الأصغر:
كما لاحظت كان الإجماع واضحا أن نُضحّي بابنك المغرور من أجل السلالة. كلّ من في هذا المجلس متّفق على إبعاده. والجميع يطلب منك أن تتبرّأ منه، وأعتقد أنّه لا يُشرّفك صنيعه ولا يمكن أن تفخر بأمثاله.
غرق عمّي في صمت ثقيل،وجحظت عيون كلّ من في المجلس،وخاطبنا جدّي قائلا:
سنتعاون جميعا لفكّ هذا الرّهن واسترجاع الأرض المصادرة.
وشدّد علينا:
وفي الختام أوصيكم بكتمان سرّ هذا المجلس الكريم وأدعوكم إلى “شكر الأخ إبراهيم”. وكلّ عام وأنتم بخير..
لم نفهم كيف شاركنا في مداولات هذا المجلس،ولا كيف اُتّخذ القرار،ولم يكن بيننا كبارا وصغارا من يحمل هذا الاسم ،ومع ذلك انفضّ المجلس الطارئ وكلّنا يُثني على الأخ إبراهيم..
————
* شعر أحمد فؤاد نجم وأداء الشيخ إمام عيسى.

أضف تعليق