صديق..

أحمد الشيخ علي

إنه صديق قديم، وأعني بذلك أنني لا أذكر متى تعرفت عليه أو التقيته أول مرة، وهو أيضا لا يذكر متى صرنا صديقين على ما أظن، ولكنني منه أخذت وصف صداقتنا بالقدم، وصار هو صديقي القديم، سألته عن ذلك مرة، فنظر لي نظرة جادة لم أتوقعها منه، وحك رأسه، ثم قال وقد ضيق عينيه: “لا أدري، ربما منذ زمن قديم” ثم التفت، وسار إلى جهة لم نكن نقصدها، مبتعدا عني بهدوء.
….
يطرق باب بيتي في أي وقت يشاء، وعندما أخرج أجده لاصقا وجهه بالباب، ودائما أجده مبتسما بشكل مبالغ فيه، بعينين لامعتين، وأنف رطب شتاءً وصيفا. لم يدخل بيتي أبدا، برغم دعوتي له، فقط يستعجلني من دون كلمات، لنذهب في جولة لم نخطط لها. نترك أقدامنا تأخذنا بلا وجهة غالبا، وإن جلسنا على أريكة في مقهى، أو استندنا بظهرينا إلى شجرة، أو جدار إحدى البنايات، فإن ذلك يحدث من دون اتفاق. يقف صديقي، أو يستدير إلى حيث يبدأ لحظة جديدة تأخذ صورة جلسة على أريكة في مقهى، أو مصطبة في حديقة عامة، أو حتى على حافة رصيف. ومن دون تمهيد نواصل شتاتنا المشترك. أتحدث أنا عن أي شيء ممكن، بينما يتأمل هو كلمة أو عبارة أو فكرة تقفز من بين شفتيّ، ويهمل ما أقوله بإفراط، حتى يخيل لي أن كلامي يتراكم بيننا، مثل قشور بذور عباد الشمس، التي نتشاركها أحيانا. وهذا يملأ صدري خيبة، للحظة، سرعان ما يبددها الوقت، الذي سيكون هو الفيصل بشأن بقائنا مع بعض، أو قطع جولتنا، أو تغييرها، حيث نعود أدراجنا، لنفترق بصمت. هو يذهب إلى بيته، وأنا أنعطف إلى بيتي.
….
صديقي هذا، هو الوحيد الذي كان موجودا في حياتي، على الرغم من أننا لم نكن زميلي دراسة أبدا، ولسنا جارين أيضا، كنت وإياه بعمر واحد، مع ذلك يبدو هو أكبر مني، بسبب الشيب الذي ملأ رأسه، وحركته البطيئة وجسده المائل إلى الامتلاء، مع قصره الملحوظ إذا مشينا معا.
كنا نكبر على مهل، قبل أن يباغتنا الزمن بقفزات هائلة أخذتنا إلى جانب آخر من أنفسنا. ولم يبخل علينا هذا الزمن العابث بكثير من مفاجآته الثقيلة.
….
صديقي الذي بالكاد أحتفظ بصورة لملامح وجهه في ذاكرتي، لم يعد يطرق باب بيتي، ولم نعد نجوب الشوارع والمعابر والساحات على أقدامنا كما كنا. نلتقي مصادفة في مناسبات متباعدة، وقد تمرّ سنوات من دون أن نتصافح أو نتحدث في أمر ما، صرنا صديقين ولكن غريبين عن بعضنا، لم أعد أعرف عنه شيئا، ولا أظنه معنيّا بمعرفة شيء عني، لا أتذكره إلا في أوقات خاصة، عندما أكون محتاجا لأضرب مثلا بشخص غريب الأطوار، وكان صديقي الذي بقيت أعرفه سنوات طويلة، قبل أن ينحسر عن حياتي، مثل ظل داهمته الشمس، هو ذلك المثال الذي أعرفه ولا أعرفه في الوقت عينه.
….
صديقي ذاك، على سبيل المصادفة يحمل اسمي نفسه، لكنه لا يشبهني، وليس بيننا شيء مشترك أبدا، فهو يتمتع بخصال لم أجدها لدى أحد آخر. إنه الشخص الوحيد الذي يبرع في التحكم بحواسه، فهو أعمى تماما، لا يرى إلا ما يريد رؤيته، وأصم، لا يسمع إلا ما يبحث عن سماعه أو ينتقيه بعناية، وأبكم، فلا يتكلم إلا بمقدار ما يقرر هو. كنا نقطع الطرقات معا، وكانت عيناي تلتقطان ما يستحق أن أتأمله، أما هو فيمشي كما لو كان مسرنما، وكنت أصغي لأصوات الأماكن التي نمر بها، وأستجيب لها على سجيتي، أما هو فيسمع ما لا يسمعه سواه، فيهز رأسه، أو يقف ويلتفت إلى الوراء، ويتمتم بعبارات مبهمة، ثم يكمل مسيرته بتؤدة وانتظام، ومن دون أن يعير السيارات ومنبهاتها، وعلامات التحذير أي اهتمام. وكنت على طبيعتي، أتحدث إلى من أريد، فألقي التحية وأرد عليها، وأسأل الباعة عن البضائع وأسعارها، وبالتأكيد سيكون حديثي مع رفيق طريقي هو الحديث المركزي، إلا أنه يتركني أثرثر طويلا، قبل أن يقاطعني ليقول كلمة أو عبارة لا علاقة لها بما كنت أقول، وبهذا نكون قد بدأنا نوبة جديدة من حوار غير متكافئ، أتحدث فيه، وهو لا يسمع ولا يقول شيئا، كعادته، فقط يترك عينيه تتصعدان في آفاق السماء الممتدة إلى غير نهاية.
….
كثيرا ما كنت أفكر مع نفسي، بحثا عن السبب الذي يجعلني أديم الصبر على هذا الإنسان، فلا أنسلّ من معرفته، كما فعلت مع أشخاص كثيرين، أو أفكار كثيرة وعادات لم تعد تثير اهتمامي أو تناسب كينونتي. لم أجد تفسيرا مقنعا، واكتفيت بقبوله على ما هو عليه.
….
مرة دخلنا مكتبة عامة، وجلسنا متقابلين، بين يدي كل منا كتاب. كنت أقرأ بلذة واهتمام، ولم أتنبّه لما كان يفعل، قبل أن يقف أمين المكتبة فوق رأسينا، ويوجه كلامه لي بشأن ما كان يفعله صديقي العجيب، لقد رأيته يقطع الورقة من الكتاب، وينظر فيها، محركا شفتيه كأنه يقرأ بهمس، ثم يقلبها متمما قراءته البرقية فيها، ليبدأ بعد ذلك بمضغها والتهامها، وليفعل الأمر نفسه مع الصفحة التي تليها…
لقد باءت محاولاتي ومحاولات أمين المكتبة بالفشل ونحن نحاول منعه من ذلك، قبل أن ننتزع ما تبقى من الكتاب الذي أكل صديقي أكثره. ليقف بعدها، ويستدير مغادرا من دون أن يلتفت لنا. ولأتحمل أنا ضريبة ما فعل. فقد أبلغني الأمين بأننا غير مرحب بنا، وممنوعين من دخول المكتبة مجددا، بعد أن تقاضى مني ثمن الكتاب الذي أكله صديقي مضاعفا، ولم ينس أن يسلمني الأشلاء المتبقية منه. وعندما خرجت، وجدت صديقي واقفا عند باب المكتبة، وما أن رآني حتى اقترب مني مبتسما، وأخذ أشلاء الكتاب من يدي، وقال بهدوء: “شكرا لك، سأنهي قراءته الليلة”.
أذكر أننا سرنا صامتين، وافترقنا كعادتنا. ذهب هو إلى بيته، وانعطفت أنا إلى بيتي.
….
لم يصدق أحد ما كنت أقصه عن صديقي، ولكنه حدث بالفعل، وأنا على يقين منه تماما، ما لست متأكدا منه، هو متى تعرفت عليه، وكيف صار صديقي، ولماذا بقيت أديم الصبر على صداقته؟
صديقي ذاك لم أعد أعرف عنه شيئا، ولم أره منذ زمن بعيد. لا أدري منذ متى، ولكن بالتأكيد قبل أن أفقد بصري.
***

أضف تعليق

إنشاء موقع إلكتروني أو مدونة على ووردبريس.كوم قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑