كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

, ,

حِسابُ الغبارِ..


حكمت الحاج*




… في الدّقائق الأخيرة من النّهار يدخل غرفته بعد أن يمرّ اليها بمكعّب أسمنتي لا تنطوي جدرانه الدّاخلية على أيّة تفاصيل عدا كونها صقيلة ولامعة تعكس صور العابرين بها لتمنحهم ملامح زائدة أو لتأخذ منهم تعابير لا يقصدونها بل على الحائط المقابل للباب الخشبيّ تقف لوحدها بدلة خروج فاتحة اللون بثلاث قطع ترمي بظلّها على الخزانة الرّصاصية في ركن الغرفة البعيد المضاء بمصباح أحمر قوي محاط بقبعة بلّورية بلون الحليب يستدير بجسمه الآن باتجاه مصدر الضّوء ويرى ان الظلمة رغم ذلك تسيطر على المكان أحس بنفسه مضيعا في كهف مكون من أربعة حيطان وأرضيّة مفروشة بموكيت قديم تخرج منه رائحة كريهة لكنه يرى الآن ما يشبه مسطّحات معدنيّة تتدلّى من السّقف معلّقة بخيوط غير مرئية من الموسلين الأحمر بنفس الطّول ونفس الشكل في تلك اللّحظة التي شاهد فيها البدلة الرّسميّة الفاتحة اللون تختفي كانت احدى تلك المسطّحات اللامعة ترتطم بالضوء القوي القادم من الزاوية استطاع أن يقرأ عليها كتابة بخط اليد تبرق ثم تتوارى بطريقة سرية وسط لعبة الضوء والعتمة حيث ظلّت الصورة أمامه تتراقص الى درجة أنه انتبه الى الحروف الأولى فأخذ يتهجّى اسمها ببطء وبصوت مسموع كأنه خاف ألا يرى بالكلمات ثانية اسم أرشالوس فجأة سمع صوت الباب يصفق بقوّة والدخان يزداد قتامة وأوراق الشّجر اليابسة تصطدم بزجاج النافذة كأنه حصى نهض من حلمه ورأى الأشرطة الملوّنة والألعاب الصّغيرة تتدلّى من سقف الغرفة وتذكّر معظم تفاصيل حفلة الأمس وكانت أشجار المطّاط النحيلة في الحديقة تبدو واضحة عبر زجاج النّافذة وفكّر للتو ستأخذ الريح الهدوء والسكون والغبار سيركد وآخر ما تبقى من المشهد سينكشف عن حديقة تلف المنزل كالحزام وأشجار متباينة الارتفاع معظمها قد مات أو يكاد وأرانب تعبث في التّراب وأرجوحة أطفال متروكة وعليها أعداد من طيور سود كبيرة المناقير كانت أرشالوس تصنع طريقها الى الغرفة مصدرة أصواتا صاخبة كالعادة مارّة عبر حواجز لا يمكن لأحد أن يراها سواها كانت ترتدي ملابس منزلية تفوح منها رائحة العرق البشري دخلت الغرفة وهي تحك صدرها من تحت الثّوب بأصابعها والتفتت اليه عندما كان ما يزال ينظر أمامه عبر الزجاج الى مزيج الرمل والأعشاب وسألته إن كان اليوم قد زاره أحد وهل كان عنده ضيوف لقد كانت هناك آثار تدخين وأعقاب سجائر فقال معلقا على كلامها وفي صوته شيء من السخرية أنت تعرفين معظم الأشياء من الرائحة فنظرت اليه بغضب وذهبت وجلست بجانب الشباك وتحدثت بلغة ركيكة متخاذلة عن كل شيء وقالت أنه يتعمد الاحتراز والتحفظ معها ولكن ذلك لن يفيده في شيء خاصة بعد تلك الليلة وأنها تقرأ أفكاره قالت كما يقرأ التلميذ كتابه المدرسي عبر الكلمات والتصاوير الملونة أنها الآن لا تخاف قالت من أي شيء ولا من أي أحد واليوم قالت لها أمها لا تذهبي اليه بعد الآن لكنها بكت وصرخت وكادت أن تجمع الناس عليها وقالت لها بصوت جنوني لا لن يمنعني أحد لن يمنعني أحد وعندما ذكرتها الأم بزوجها أمامها زادت من حدة غضبها قائلة حتى زوجي لن يمنعني واذا ما فكر في ذلك فسأجعل النفط على نفسي وأحرق روحي وعندما قال لها وهل هذا هو الحل برأيك ضحكت وقالت انها لا تبحث عن الحلول وانما هي تبحث عن الحقائق وضحك هو الآخر بدوره على كلامها وقالت له لماذا تضحك هل الحقيقة تجلب الضحك قال لا بل نحن الذين نجلب الضحك على أنفسنا فاعترضت بإشارة خفية من يدها وقالت تحدث عن نفسك فقط رجاء أنا لست يائسة بهذا الشكل لماذا أنت يائس قل لي قال لا لست يائسا قالت طبعا أنت تظل تدافع عن نفسك قال انه ليس متهما حتى يدافع عن نفسه قالت له اسمع بالنسبة لي أنت متهم ويجب أن تعاقب وسمعته يقول بصوت منخفض يشوبه الحزن أكثر من هذا العقاب فعرفت انها ارتكبت خطأ كبيرا لن يغتفر أبدا فقررت الخروج وتعمدت التباطؤ لعله يمنعها من المغادرة أو لعله يرضى قليلا الا أنه ظل صامتا ينظر عبر النافذة وبينما هي تغلق الباب وراءها سمعته يقول بهدوء لا تنسي القطرة فلم تصدق نفسها وانقلب حالها رأسا على عقب فذهبت الى الصيدلية الصغيرة المعلقة على الحائط وسحبت قنينة قطرات العين وخضتها عدة مرات وهي تعود اليه وأمسكت برأسه ودفعته الى الوراء برفق ثم قطرت في عينيه وخرجت من الغرفة إلى الممر الطويل الذي يربط بين الغرف بعد أن أغلقت الباب وراءها وأعادت القطرة الى الصيدلية وقبل أن تغادر البيت رأت صورتها وهي تمشي مرسومة في المرآة المعلقة خلف الباب لم ترها بوضوح لكنها عرفت صورتها وقفت قليلا وتأكدت من هدوء المنزل وخشيت ان يسمعها أحد فأطلقت السؤال بصوت ضعيف مهموس لكن أين أذهب أنا وكأنما ليس لها بيت يؤويها وكأنما ليس لها بناء من الطابوق والاسمنت يحتويها هي وأمها و زوجها وخيالات رطبة معتقة وكأنها لا تتذكر محاولة قتل نفسها قبل يوم من الامتحان عندما كانت في الجامعة يومها جاء هو بعد ما عرف بالمسألة قبضت على ذراعه تتحسسه وتضغط عليه ويوما آخر عندما كانت تجلس الى المدفأة وتمسك بالصوف صوف الحياكة لتصنع له بلوزة لأجل الشتاء ويمر طائرها الذي اشتراه لها صغيرا لتربيته فترميه بقطعة خبز أو بلفة صوف على ذيله يبتعد على إثرها فزعا ويختفي تحت المقعد الخشبي وأمها كانت تسألها عن مغزى تغذية الطيور وهي من مخلوقات الرب فتقول لها ماذا يا أمي مخلوقات الرب ألا تجوع فتقول الأم لا أدري كيف تتحمّلين وساخة هذا الطير أنه يخرأ في أي مكان وخاصة على الفراش خراؤه يلتصق ولا يذهب فقالت أرشالوس لا تنسي يا أمي أنني أموت على هذا الطائر الحبيب انه هدية أجمل هدية الناس يقدمون لبعضهم أشكالا وأنواعا من الهدايا أما هو فقد قدم لي طائرا جميلا له ريش على أقدامه وحينها علق قائلا هذا الطائر يلبس حذاءا طويل العنق يشبه أحذية الجيش وقالت لها الأم هل تعلمين ان بلدنا هو أرخص بلد في العالم ما شاء الله كل شيء عندنا رخيص فاستغربت أرشالوس من هذا الحديث و قالت ماذا ذكرك بالأسعار يا أمي لا تخافي طائري لا يأكل كثيرا واذا ما اعترضت وقلت عن مسألة الحبوب فإنني أعطيه حصتي من الأكل قالت الأم لا يا ابنتي لم تفهمي قصدي ما لي ولهذا الطير المسكين انما قصدت صاحبك لا تؤاخذيني يا ابنتي على هذه الكلمة في الحقيقة أنا لا أحب حتى ان أقول اسمه على لساني هذه الأشياء من الله والحب والبغض من الله ان ما فعله كان شيئا فضيعا وأنا عندما أسكت على ما أراه ولا أقول شيئا لأحد فذلك لأنني أعرفك جيدا أنت ابنتي وأنا أعرف ان في داخلك توجد أشياء كثيرة ونحن نخاف أنا بالذات أخاف من النتائج أخاف على سمعتنا فأرى ان السكوت أحسن وحينما كانت العجوز تتكلم كانت في نفس الوقت تصب الشاي في الاستكانات وتفرغ كيس الكعك في الماعون وتقول أتذكره عندما كان صغيرا كانت والدته تعرفني وكنا تقريبا صديقتين نتزاور كثيرا ونخرج الى السوق معا نشتري الحاجيات وأول ما اشتريناه كان التلفزيون الملون كان الأول من نوعه في المنطقة بأسرها وأصبحت هي ضيفة كل ليلة نشاهد الافلام المصرية وأغاني فريد الاطرش وأسمهان وكان هو يبكي ويزعق ويصيح ويكسر الأبواب والشبابيك وكنت أنت وقتها ما تزالين هنا في بطني لم تأت الى الدنيا وفيما بعد دائما كان كلامه يرن في أذني وهو يصيح وأسمعه من هنا سآخذ بنتا من عندكم وأذهب بها الى الخارج سأهرب معها سأسافر ولن أعود وكنت أضحك وأقول لوالدته هذا الكلب لماذا يصر انني سألد بنتا وليس صبيا وفعلا كانت مشيئة الرب أن تولدي أنت ويعلم الله كم كنت فعلا أخاف من كلماته الطفولية تلك وعندما عملها وذهب الى الخارج تنفست الصعداء وارتحت قلت الحمد لله كنت أنت وقتها في المدرسة المتوسطة ألا تذكرين كان النور يسقط ضعيفا على الجدران الكالحة التي تزداد طولا كلما اقتربت أكثر من باب الحديقة إلا انه كان لا يعكس شيئا من وجهها تمد يدها تتحسس طريقها في الظلام صارت الآن في الشارع ومشت بحذاء السور المغطى باللبلاب ثم انعطفت نحو بيتها وتساقطت العتبات الممسوحة وهي تقودها الى باب الصالة الآن عليها أن تطرق الباب بيدها فالجرس معطل وقد نسيت المفتاح في جيب الروب وهي لم تلبس الروب لأنه من الحرير ولونه أصفر و هو لا يجب هذا النوع من القماش ولا هذا اللون بعد انتظار قصير جاء من يفتح لها الباب وكانت أمها تمسك بالكتاب المقدس في يدها وقالت لها تأخرت فأرادت أن تجيبها بالعكس هذه المرة هي الأقصر من كل المرات لكنها وجدت أن لا فائدة من الكلام فمهما عملت فإنها لن تقنع أمها بأنها مستقيمة وتفعل هذه الأمور بشكل لا غبار عليه وفيما بعد وقفت الأم والابنة تحت مظلة الشرفة في نفس هذا المكان الذي تكلمتا فيه لأول مرة قبل خمس سنوات قبل الحادثة وقفت أرشالوس في ظل السوباط الميت بينما وقفت الأم عند فتحة باب المطبخ المطلة على الخارج وبدا الانفصال سريعا وبدا الخلاف واضحا ولم تعد هنالك من فائدة للمناورة كانت تريد أن توبخ ابنتها فبعد كل ذلك الضجيج وتهديد الآمال والخوف على مستقبل زواجها لم تعد ثمة فرصة للتراجع أو السكوت وليس ثمة من مجال للشروح الزائدة والتبريرات الأم لا تريد كلاما بعد هذا انها تريد ان تقطع المواضيع رأسا وقالت لها ابنتها انها لن تتخلى عنه رغم وضعيته الصعبة وستبقى تحبه الى الأبد ومن العبث أن تمنعوني منه ثم انني لا أفعل شيئا غير مقبول وأنت تعلمين فقالت الأم لكنك هكذا تحطمين بيتك بيدك وزوجك بدأ يحس لا لا كيف بدأ يحس لقد أحس فعلا لماذا لا يحرك ساكنا هو ليس ديوثا أو شخصا عديم الغيرة فلماذا يسكت لست أدري طبعا هو ينتظر الفرصة يريد ان يمسك عليك أي شيء أي دليل أي مستمسك حتى يسمحوا له بالطلاق وحتى إذا لم يطلق فماذا سيفعل سيهملك مثل الكلبة المريضة لا ينام معك يعاملك مثل حذائه حتى تصلي مرحلة تبوسين فيها رجله ليرضى عنك ماذا تريدين ولماذا تعذبين زوجك من أجل هذا المريض المقبل على الموت هل تريدين أن يسافر ويترك عائلته حتى يخلو لك الجو هل تريدين منه أن يشتغل في الملهى حتى ينسى طبعا إذا كانت زوجته تعشق غيره وهو يعرف ولا يفعل شيئا فماذا يكون هو هل تريدينه أن يصبح قاتلا قولي لي منذ متى وهو لم ينم معك في الفراش ها قولي منذ متى وهو لم ينم معك منذ متى وكيف تصبرين وكيف يصبر هو على ذلك وأمسكت أرشالوس والدتها من يدها وقادتها عبر مسالك الحديقة المتشعبة متجهة صوب السلم الحجري المؤدي الى الطابق الثاني حيث مكان حفظ المؤونة والأشياء الزائدة عبر صف من المزهريات كانت قد اشترتها من اقليم الشمال عندما زارته مع عمتها وقالت لها الأم تستفزها هل تذكرين وتابعت لقد زرت كل الكنائس والبيعات من الآباء الدومينيكان إلى كنيسة الساعة إلى الروم الارثوذوكس إلى ماركوركيس ومار متى ثم ذهبت الى السرجخانة وتجولت في المحلات التجارية وأكثرت السؤال عن الأسعار والأنواع والماركات وإمكانية الشراء بالأقساط أو بالدين وكم هي نسبة الخصم للغرباء وما هي طرق المفاصلة وأخذت عناوين البعض من أصحاب المحلات وأعطيتهم أرقام هواتف وهمية وبعد كل تلك الجولة الطويلة والصاخبة والمكلفة والتي جعلت في الأخير عمتك تزعل لأنك كنت قليلة الحياء وعند وصولنا منزلها ونحن ننزل من سيارتها أتذكر أنك قلت لي أماه ماذا تخبئ لنا الأيام وتأملت وشعرت أنك قد كبرت حزنت كثيرا يومها وما زلت أشعر بالحزن الى الآن ولن يزول الحزن عليك من قلبي حتى أموت وكأنما بوغتت للحظة وحاولت أن تخفي انفعالها وساعدها الظلام على ذلك وقالت لأمها أنت واهمة وأكملت حتى لا تمنحها الفرصة للنفاذ الى أكثر مما يلزم حاسبي نفسك أيضا يا أمي يجب أن لا يكون خيالك واسعا في هذه المسألة فقالت لها الأم بعصبية وقد ارتفع صوتها عن المعتاد أنت لا تدركين شيئا هناك مشاكل مشاكل وأخذت تصرخ وجسدها يرتجف فأمسكت أرشالوس بها وأجلستها على الدكة وهدأت من روعها قليلا ولكن العجوز كانت تضربها بكلتا يديها وتجر شعرها فتصرخ الفتاة وتقول يكفي يكفي أماه لكن الأم لم تكن تكتفي بل تهدد وتتوعد ثم جاء دور الشتائم فأمسكت بها أرشالوس وعندما لم تتوقف الأم عن الهستيريا التي أصابتها أغلقت الفتاة فمها بيدها لتمنعها من الفضيحة في هذا الليل وهكذا فإن سلسلة من الأخطاء أخذت تنهال بقوة كالشلال على كل ما تم انجازه وترسيخه في العائلة منذ ثلاثين عاما وكان هو من نافذته يتابع ذلك التكرار الذي لا يقاوم وذلك الكم من الأحداث المتشابهة لم يعد واحد من الأقرباء يلتفت اليه وقد اعتادوا ما قالوه هم عنه سواء أكان أمامهم أم غائبا عنهم وكان ذلك مضحكا بالنسبة لما كان يفكر فيه إنها هي وقد عادت اليه في هذا الوقت المتأخر من الليل عبر الفتحة الصغيرة في الحائط الذي يفصل بين البيتين وها هي ترعبه بسؤالها عن الصندوق المعدني وفتشت المسافة الفارغة تحت السرير فوجدت شيئا وقررت أنه هو الصندوق لم تكن أرشالوس تستطيع أن تأتي وتنحني للبحث تحت السرير من غير أن تمسه ولو قليلا مع ذلك فقد كان هو الذي دعاها الى ذلك بحجة البحث عندما رآها مترددة بعض الشيء بين أن تفعل وأن لا تفعل قال لها بالحرف الواحد لقد كبرت صرت عجوزا ولاحظت جسمها فعلا لقد ذبل ولاحظت ذلك أمس فقط في المرآة وكانت تريد أن تخبره خدودها هي الأخرى ذبلانة قطعت ترددها وذهبت وقبلته على الرغم من أنها لم تكن تحب لحيته النابتة وكان ينظر اليها وهي تقول بثبات وبثقة لن أكبر أبدا وضيقت ثوبها بيدها على جسدها أنظر بطني صغيرة خصري ما زالت رشيقة وكانت تريد أن تسترسل في وصف مفاتنها لكنها توقفت ماذا هناك سألها فأجابت على الفور العاصفة والغبار لقد دمر البيت لماذا لا تغلق النوافذ وأخذت تسب وتلعن وتشتم بصوت عال فابتسم قائلا صرت تكفرين هذا حرام وأضاف كي لا ترد عليه بسيطة غدا آتي بمن ينظف المكان فلا داعي للقلق وفي هذه اللحظة انفتحت النافذة واقتحمت الريح الملوثة بالغبار هواء الغرفة بقوة فاضطر الى حماية عينيه بيديه ورجعت هي الى الوراء وصاحت تشير إلى النافذة أغلقْها أغلقْها وسقطت من إفريز الشباك المرتفع قليلا روايةُ حسابُ الغبارِ لـِحكمت الحاج وكانت قد أهدتها اليه في ذكرى حبهما لكنه اشترط لقبولها أن تقرأ له منها كلما تيسر لها ذلك عبر زياراتها المتكررة عادا إلى التفتيش تحت السرير عن الصندوق الذي اختفى هناك وكانت أشكال غير منتظمة تتحرك وتغير صورتها تحت السرير في نفس الوقت كانت تشاهد أشياء مبهمة غامضة تقف خلفها وما إن رفعت الشرشف كله حتى التفتت الأعين وتقابلت الوجوه وكان هو ممسكا بالصندوق المعدني المصبوغ بالأخضر قالت له اتركه فورا وصار الصمت مطلقا في المكان رفعت يدها لتعدل الستارة فألقى ببصره الى تلك المنطقة تحت إبطها ورأى الزغب الأصفر وقد تجمعت حول نهايته بقايا العرق والافرازات كانت الستارة تستعصي على الرضوخ مما حدا بها الى استعمال كلتا يديها والاقتراب منه أكثر فأكثر وسألته ان كان قد رآه اليوم أحد وهل كان عنده ضيوف لقد كانت هناك آثار تدخين وأعقاب سجائر وقد عرفت من الرائحة كل شيء فقال معلقا على كلامها وفي صوته شيء من السخرية أنت تعرفين معظم الأشياء من الرائحة فنظرت اليه بغضب ممزوج بعتاب وبدون أية مقدمات بادرته قائلة الأمور ستميل الى السوء أليس كذلك واذ جلست قبالته بعد ذلك فإنه قد اضطر الى اتخاذ وضع يستطيع من خلاله أن يرى صفحة وجهها بما هي عليه من ثقوب ونمش وعذاب لقد أراد أن يقول انه ما زال يحبها إلا إن الكلمات لم تعد تسمع ما كان يسمع فقط هو تكسر الأصابع على بعضها وصوت السكون وهو ينتظر ثم ان هناك ايضا قبعة مصباح القراءة الواقف على المنضدة ووراءها على الحائط لوحة بالألوان المائية تمثل انحطاط القوى كانت قد أهدتها إياه صديقة من أيام الدراسة أنظر ما الذي يتلفه المطر قالت وقامت تريد أن تخرج وفي انتظارها ريح ورذاذ ونباح كلاب في هذا الهزيع من الليل قامت وخرجت وهو ينظر اليها ويتفحصها ليرى كم تغيرت قالت له أعطني الصندوق أريد أن احتفظ به عندي فقال محتجا لا لا يمكن ذلك بيتك غير آمن هذا غير ممكن وعرفت أنه يلمح الى زوجها قالت زوجي لا يبحث ولا يفتش أغراضي أنا أعرفه قال بسرعة حتى ولو كان الأمر كذلك فالمسألة غير مأمونة ولماذا تخاف أقول لك أنا المسؤولة عن الصندوق لا أحد صدقني سيراه إنه صغير نوعا ما وبوسعي إخفاءه في خزانتي الخشبية انها كبيرة تسع كل شيء وقد عملت لها مفتاحا وها هو في جيبي دائما هنالك احتفظ بالرسائل والصور والهدايا أم أنك نسيت هذا شيء آخر ما في هذا الصندوق يؤدي بنا الى الهاوية سيقتلونك ويقتلونني لأجل أشياء تافهة الآن أصبحت تسميها تافهة لقد كبرنا يا أرشالوس ولم تعد تلك الأشياء مجدية تحدث عن نفسك فقط رجاء أنت أنهكتك الحرب بالنسبة لي هذه الاشياء مجدية دائما سيقتلوننا معها كان دائما سريع الاقتناع لذلك كانت تتندر عليه وتقول حتى أمام امها أنها تستطيع ان تبيعه وتشتريه دون أن يفتح فمه قامت وخرجت ومن النافذة رآها تمشي بين صفين من الأشجار ومياه متلألئة تناثرت كستارة مطرزة من نبات اللبلاب والليل بدا لعينيه باهرا وقد اتكأ على المياه التي تموج لامعة مثل صحيفة معدنية في الشمس والى الأسفل من أشجار المطاط نهضت أعشاب الحلبة واليانسون والعطرشية بأوراقها المتدلية على السدود الترابية المعمولة بالأيدي وفي ذلك السكون بدت كل قطعة من المنزل وكل ورقة متوجة بالندى وكل جذع لم يحفر على وجهه تاريخ غابر أو قلب مشطور بسهم أو يوم ميلاد خيط من خيوط الفزاعات التي لا يمكن أن تخافها الطيور بدت وكأنها ممسوسة بعصا السحر اللانهائي قام ودفع الكرسي بكلتا يديه الى الوراء عبر الظلام الضحل وفتح الباب وخرج وهو ينادي عليها أرشالوس أرشالوس وسمع صوت انصفاق الباب الحديدي الكبير فرفع صوته يناديها وتراجعت حتى آخر قدم من تحت التراب المبلل وصلتها قدماها قبل أن تطأ المر الحجري تاركة خطا مزهرا من النباتات الصغيرة الطافية فوق قرص القمر المكسور على صفحة الماء عبرت ترفع طرف ثوبها خوفا من البلل والطين وعندما وصلت اليه تركت ظلها المستطيل ينتشر على الزهور الفضية كان ليل وكان صمت بهي لم يكسره سوى صوت الإطلاقة النارية ارتجفت وسقطت من الخوف ورأته ينكسر وينحني كان انحناؤه الى الارض بنصف جسمه يوحي اليها بالنهاية سمعته يصرخ ابقي مكانك هناك واحدة أخرى لا تنهضي ولكنها انتقلت الى الجانب الآخر لتلقي نظرة على المكان كأنها تكتشفه الآن فقط لم تكن تفضل أن يأتيها قدرها في هذا المكان المليء بالخيالات والأشباح والخيانات كانت لا تؤمن لذا كانت لا تخاف هي التي اختارت الوقوف الى جانب البئر الناضبة حاصرة أمنها ومستقبلها في مجاهل المياه التي تدعي امرأة مثلها أنها قادرة على تغيير مصيرها بالحركات والنظرات والأماني والأحلام المقتولة بينما يعجز الآخرون عن فك رموز الكلام انحنت على شعره الكث ألقت بثقلها عليه وحوطت جسده بحبال القنب الطويلة وانسابت الجثة بخفة وسرعة من غير أن تصدر أية جلبة في الخضرة المرتفعة عن الأرض بمقدار قدم حتى بلغت به السياج وارتطمت الجثة بعمود الحجر لكن أحدا لم يكن هنالك ليقدم النجدة ولم تصرخ طلبا للمساعدة فإن أحدا لن يأتي وكذلك لن يطلق الرصاصة الثانية رصاصة واحدة تكفي لأنها الكابوس كان الصندوق قد سقط من يدها وعندما كانت تجر الجسد المسجى تحت الليل ارتطم بالصندوق الذي انفتح من أثر السقطة وخرجت الأشياء الى الطين وغطى الماء أشرطة التسجيل والصور السرية حاول أن يفتح عينيه والدم ينزف منه مثل حنفية ماء وأخذ ينظر الى الفراغ بفكرة مظلمة متطلعا الى بداية رحلة صعبة خالية من المعنى كانت أرشالوس تضع رأسه المدمى على فخذها يلوثه الطين وتلتصق به أوراق الأزهار المقطوعة مسحت وجهه بقطعة الأطلس الأخضر الذي كان يغلف الصندوق المعدني وسقطت يده الى الارض قبل أن يمسك بيدها لآخر مرة كان يريد أن ينظر ثانية الى آثار أقدامها المحفورة برقة على طين الحديقة المحاذي للجدول المائي الضيق كان يريد قبل أن يغادرها الى الأبد أن يرفع ناظريه ليراها تصرخ وتقف في فضاء الليل السرمدي تحدق بشدة في حريق منتشر يأكل كل شيء سيأتي خلف غلالة بيضاء ليبتلع الأخضر واليابس والذي لا لون له وأغلق عينيه في الدقائق الأخيرة من النهار يدخل غرفته…


* إلى المحرر: هذا النص القصصي هو عبارة عن جملة واحدة مدورة في كتلة سردية بلا فواصل ولا مسافات بادئة ولا علامات ترقيم ولا استفهام ولا تعجب، كما ان بداية القصة ونهايتها مرتبطتان بجملة متكررة يراد منها إحساس القارئ بالزمن غير المتناهي، لذا كلي رجاء أن يتم الانتباه الى ذلك عند الصف والتنضيد. مع خالص الشكر لكم.

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.