كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

طلال حمّاد

20210905_212548

يوم ولدت

لست من السنة
لست من الشيعة
وحين ولدتُ ولم أصرخ قالت أمي: هذا ابني لن يدخل يوما في ملة:
قالت جارتنا الحشرية: قصّي حبل الصرة، هذا الحبلُ سيخنقه.
قالت مريم من نافذة الديرِ: هزي جذع النخلة، هزيه، فسيطلقه.
تمتمت القابلة بسخرية: لم يبق لنا من بين جميع نساء القومِ سوى راهبة الدير لتنصحنا ماذا نفعل. وصفعتني في حنق في أسفل ظهري فصرختُ بأعلى صوتي وتفجر ينبوع من خاصرتي صرخت مريم: رفقا بالولد قالت أمي للقابلة: ما أثقل يدك. هات الولد وقومي بكت القابلة وقالت: كيف أقوم وأنا مبتلة؟
ضحكت مريم. قالت أمي: هاتي صحنا يا مريم وخذي حلوى بالعسل الحرّ وبالسمن البلديّ بشرى الميلاد.
لست من السنة
لست من الشيعة
ولم ادخل يوما في ملة
لن أدخل يوما في ملة

كيف أضعت وقت اللعب

كنت فيما مضى لا ألعب الشطرنج أو النرد
وفي الحقيقة لم أجد يوما لديّ الوقت للعب
ولدت سريعا في عائلة كانت قد خرجت للتو من مخيم للاجئين إلى البلدة القديمة في القدس
لا أذكر أنني لعبت
وصديقي الوحيد كان الشقاء
لم أكن أعلم أنه كان يخدعني مع الفقر
إلى أن وصلت السادسة
فأخذتني أمي وأبي إلى المدرسة
هناك تعلمت الأرقام والحروف
هناك تعلمت القراءة والرسم والحفظ فحفظت اسم الوطن
عرفت إذ ذاك أن الخيمة طارئة
وأنها ليست بديلة للوطن
وأنّ الريح التي تمزّق الخيام عابرة
وأنّ السيل الذي بجرف المتاع في طريقه
سيجري مبتعدا
وأنّ من قتلوا في المذابح وعلى الطرقات لم يموتوا لأنّ الموت أحبّهم
هناك تعلمت أن أتعلم
لكنّ الفقر أرغمني أن أقرأ العناوين الكبيرة في الجرائد كي أبيعها لأشتري خبزا للعائلة وأقلاما من رصاص
علمني في الحقيقة معنى أن كيف أردّ عن أبي تهمة اللاجئ بالعلم واكتساب المعرفة
لكنّ الحرب اللعينة قصفت حلما رسمته في رأسي الصغير
وألقت عليّ القبض
ورمت بي في سجن كبير اسمه الاحتلال
هكذا.. لم أجد الوقت يوما للعب
والآن لا أفكر باللعب
الآن أيضا لم يعد لديّ وقت للعب
أفكر بثاراتي القديمة
وبهزائمي التي تختبئ لي في منعطفات ما تبقى لي من العمر فقد أهزمها
لأعلن مرة واحدة
أنني دحرت من أمامي
ولو هزيمة واحدة جديدة
وأرشمها على جدار الاحتلال
بقلم من رصاص
ولا أنشد غير الصبرِ.. عليّ
كمن لا يعيش إلا
لنشرة واحدة
هربا من مقص الرقابة
تحت سطوة الاحتلال
وكلاجئ أبديّ..
لا تترك المنافي معه
غير ذكرى نكبة أليمة موجعة
وصورة في الذاكرة
لخيمة مقطعة

يوم اكتأبت

ما الذي حدث بالضبط
ثمة قطع تتشابه لكن ليس تماما
ثمة قطع مفبركة
ثمة قطع ناقصة
اللوحة ليست أصلية
وكأنّ الرسام ممثل بديل
مبهم ومكشوف كرجل مخابرات سريّ يعرفه الجميع
زُجَّ به لملء فراغٍ شُقّ في جانبٍ مُظلَّلٍ من اللوحة
فكشفته الألوان
واكتشف المتفرجون الخدعة
لا أعرف
لا أحد يعرف
من اقتحم المرسم
واستولى عليه
وكأنّا لا نعيش في هذا الكوكب
مع من سرق الشمس
وعلق مكانها شمعة
وكأنّا
لا نأكل على نفس الطاولة
نفس اللحم
ونفس المرق
مع من مرق
عن قانون الجاذبية
فسقط
من أسفل إلى فوق
كأنّه يجلس بيننا على زنبرك
ورأيتني أصرخ في حلمي:
شقي الحصار يا “مريم” وابتهلي
ابنك المسيح لمّا يزل
يمشي في طريقه
صليبه على كتفه
ويهوذا يتعشى
كعادته
على موائد القتلة
وعندما استيقظت منه
رأيتني أسبح في بحيرة
من عرق
ارتوازيٍّ

لا زحلاويٍّ

ولا رامللاهي

فاكتأبت
هل كان المطر قد سقط
وما الذي حدث بالضبط؟

رسالة إلى صاحبها مع توطئة ووصية أرجو أن تؤخذ في الحسبان

1 هل الموت ضرورة؟

والحياة ماذا؟

هل الموت حادث عرضيّ أم يمكن أن يُعَدَّ له؟

هل الموت كالحياة يأتي إلينا

دون أن يسألنا

وعلينا

أن نتدبّر أمرنا

كي نعدّ له العشاء

وكأس النبيذ

والفراش

ونقبّله في جبينه

ونرجو له ليلة طيبة

وأحلاما سعيدة؟

حسنا نفعل، وفادة الضيف إكرامه

وسنفعل كلّ ما نستطيع

لكن من أين سنأتيه،

في ساعة متأخرة،

بسعيدة؟

2 للموت أسباب؟

ليس شرطا أن يكون في أوج مرض عضال

أو بإصابة قاتلة من سهم كوفيد 19 أو 20 أو 2000

قد يكون، وهو ممكن أن يكون

حادث سير في الطريق السريعة أو حتى البطيئة

انزلاق قدم ثقيلة أو خفيفة في غرفة الحمّام

سقوط مروّع عن سرير أثناء النوم

ابتلاع اللسان في لحظة الإدلاء بالحقيقة

احتدام القلب عند اندفاع بركان يعتمل في الأحشاء

شعور بالخيبة المرّة أمام صورة معكوسة في المرآة

خذلان في اللحظة الحاسمة بين عاشقينِ كسقوط من فوق سطح في الخواء

وانتظار بلا معنى للا شيء

ولا شيء

قد يكون الموت كامنا

كعدو لا مرئيّ

في أيّ شيء

وفي كلّ شيء

3 للموت أوقاتٌ، وأسألني متى سأموت

لأرتب وقتي

على ساعته

وأعد المراسم كما أشتهيها:

* لا بكاء ولا حزن

* دعوة الشيخ إمام وعدلي فخري وجان فيرا (Jean Ferrat) وليو فيريه (Léo Ferré) للغناء

ولا بأس من بث أغنية ” عدّى النهار” لعبد الحليم، أكثر من مرة بين الأغنيات (سأترك تقدير ذلك لعريف الحفل أو عريفته، أو كلاهما معا)

*الحرص على أن يأخذ الطبّ ما يحتاجه من جسدي، وبالطبع ما يمكن منه أن يصلح لتحسين حياة محتاج

*أن لا يدفن ما يتبقى مني في مقبرة طائفية

(لا بأس، إذا عزّ ذلك في بلداننا المقيّدة العقول وكان لا بدّ من دفن، من مقبرة محايدة، بينا أنا أحبّذ لو أنثر كرماد في سماوات بلدان ثلاث، سأفصح عنها عندما أموت)

(يمكن في الوقت ذاته اعتبار هذه المراسم وصيتي من بعدي، إذا كان ثمّة في الحقيقة بعد. من حقي أن أعتقد بأن من حقي أن أتصرف بي بعد موتي، فاحترموا ما أريد، ولا تهضموا لي ذلك الحق)

4 رسالة مسجلة مع إشعار بالاستلام إلى الموت

أعرف أنك ستأتي، كعادتك، على غفلة مني. وأعرف أنني لن أستطيع ردّك. وأنك لن تمنحني فرصة أن أناقشك في الأمر، مع أنني سيكون لديّ فضول أن أعرف لماذا أتيت إليّ. لا بدّ أنه سيكون لديك سبب مقنع لذلك. لا أعتقد بأنّك ستفعل ذلك بالقرعة دون أن يكون لديك ما يدفعك إليه. لذا، أرغب بهذا أن أطلب منك فضلا واحدا لا غير، ألا وهو أن تعلمني بقدومك الموقر قبل أن تفعل. بضعة أيام. يوم. بضع ساعات. لأرتب أموري المهمة، وأودّع من أحبّ من معارفي، دون أن أعلمهم بالسر، وأنشر على الملأ وصيّتي التي ذكرتها، فوق، في الفقرة التي سبقت رسالتي هذه إليك، وربما أهيّء ظروفا لائقة، أرحب فيها بك. وفي الختام سلام، ولا تنس أن توصي ساعي البريد، بأن يعيد إليّ، إشعار استلامك للرسالة، بسرعة، كي أطمئن بأنها قد وصلتك.

غبار

في مكان ما قرأت أن القتلة يمنحون الشوارع أسماء قتلاهم

وفي مكان آخر لا يجد القتلى أسماءهم

لقد سطا القتلة على جميع الشوارع

وفاق عددهم عدد القتلى في الشوارع

وتحت أسقف المعابد

والمنازل

والمحاكم

وحتى في المقابر

والطرقات

وتحت جلود وكلاء الآلهة على الأرض

لا تبحثوا في الأسماء المبعثرة

تعدّد القتلى

تعدّد القتلة

من الأحياء من انتحل اسم قتيل كي يرثه

من الأحياء من أنكر اسم قتيل كي يقتل غيره

من الأحياء من سلب قتيلا وعاش بدمه

من الأحياء من يمشي في جنازة قتيله ويسأل: من قتله؟

من الأحياء من يدشّن شارعا قتيلا باسمه دونما حرج وهو يعرف أنه يمضي به إلى المقبرة

في مكان ما يشبه مدينة ملتها الحروب والأوبئة والنفايات الطاغية

قرأت أن القتلى يتجمّعون الآن لإلقاء القبض على القتلة الفارين من المحاكمة

لكنّ دخانا كثيفا تصاعد من الأرض إلى أعالي السماء حجب الرؤية وجعل المشهد يتلاشى كغبار

هل نحن غبار؟

فوق السطح

فكرت، كم فكرت

أن أعرف من أين يهبط الليل

وكيف يهبط

ومن أين تطلع الشمس

وكيف تطلع

لأعرف ما لا يقوله الروائيون في الكتب

لكنني لم أكن أعرف ما الذي عليّ أن افعله لأعرف

حتى طرأت في رأسي فكرة أن أصعد فوق سطح البيت وأراقبهما

فصعدت، ولم أنزل بعد

إن شئتم أن تعرفوا ما عرفت، اصعدوا مثلي إلى السطح

لا بأسَ، لا بأس

لا بأسْ
فغداً يومٌ آخَرَ
كما هو اليومَ غَدٌ لأمسْ

لا بأس

سَيَذْهَبُ حتما
سيذهب هذا البُؤْسْ
كالألم المباغٍتِ
في الرأسِ
أو في الضرْسْ

وعليْنا
أنْ نَتَعَلَّمَهُ
حتّى آخِرِهِ
هذا الدَرْسْ

إمّا نَحْنُ إذن
أوْ نَحْنُ، فلا بُدّ
إلى آخر نفْسْ

ألم أقل أمسُ :
غداً يوم آخَرَ؟
فَلمَ اللُبْسُ
وقد غادَرَ
أمسُ
كي يأتي
غدُنا
يكسرَ حدّة الصمْت
في هذا المَوْت
أو بالعكس

هكذا خسرت الوقت

قهوةٌ على نارٍ

وفنجانانِ فارغانِ يجلسانِ هادئين عَلى طاوِلة الصَباحِ

أحدهما يفرك عينيه من أثر النومِ ويبتسِمُ

وقُبالته يفتح الثاني دفتر ملاحظات الأمسِ لليومِ

وإصبع السكر يتجول في البيت غير عابئ بحرارة الطقسِ

وصوتُ مُذيعٍ في الراديو معلِّقاً في أسفٍ على اغتصابِ حاملٍ في منزلها

والمُغْتَصِبُ الآثمُ الطليقُ يُجَنَّدُ قاتلاً كي يطعَنَ الزوجَ الأعزَلَ في الخاصرة

ويَنْتَظِرُ

أن يأخُذَ العدْلُ مجراهُ

وسْطَ كلّ المياهِ الراكِدة في الوادِ المُقَدَّسِ طُوى وانطوى فصلُ الكلامِ على ما انضَوى تَحْتَهُ من كلامٍ فيما روى الراوي وما روى

وأنا هُنا أنتظِرُ

أن أعبُرَ الوادي على عصايَ وعصايَ محجوزَةٌ في انتظارِ استِواءِ القهْوَةِ والقهوَةُ تبطئُ لا يُهِمُّها لو أنَّ قلبِيَ الصَغيرَ في انتظارِها يَشْقى ويَنْفَطِرُ

ليْسَتِ القهْوَةُ ـ قالت قارِئَةُ النَشْرَةِ الجَوّيَةِ في أخبارِ الساعَةِ ـ لكنْ نارُكَ تَعْرَقُ في هذا الطَقْسِ وتَبْتَلُّ وإذا النارُ ابْتَلّتْ خَجِلتْ منْ فَوَرانِ القَهْوَةِ وانْحَسَرَتْ تَتَوارى خلفَ تلكُّؤِ الوقْتِ ـ وَقْتِكَ ـ فاٌصبِر إنّ الصَبْرَ جَميلٌ جَميلٌ جَميلٌ أنْظُر ها قهْوَتُكَ الآنَ تَطيبُ فَطِبْ صباحاً طِبْ واشْرَبْها يَشْرَبُها مَعَكَ الوَقْتُ

وصبّت لنا القهوة في الفنجانيْنِ

وانتظرتُ من سيبدأ قبل الآخر: أنا أم الوقتُ؟

لكنّ القهوة اندلقت فخسرتُ الوقت

وخسرتُ.. كلّ شيء.

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.