حسين علي يونس
–
لا أدري من أين أبدأ هذه الحكاية.
قبل سنوات، كنت أتصفح مجلة سوفيتية، حين عثرت على موضوع يخص الكاتب الروسي قسطنطين باوستوفسكي والممثلة الألمانية مارلين ديتريش. كانت ديتريش متيمة بحب هذا الرجل بعد ان قرأت قصته الحزينة البرقية تلك القصة الساحرة التي بقيت عالقة في ذاكرتها، إلى أن جمعها القدر به ذات يوم فوجدت نفسها تنحني أمامه، وتمسك بقصبة ساقه .
أحببت تلك الحكاية الغريبة التي نقلتها وكالات الأنباء العالمية وتناقلتها الصحف لأن باوستوفسكي كان المرشح الأوفر حظًا لنيل جائزة نوبل في تلك السنة لكنه لم يظفر بها، بينما حصلت ديتريش على المجد كله صورة ديتريش وهي تمسك قدمي باوستوفسكي هزتني وبقيت عالقة في ذاكرتي سنوات طويلة أيضًا، إلى أن حدثت معجزة أخرى عندما ، وجدت نفسي أمام ديتريش من نوع مختلف
كانت ديتريش عراقية ، تكبرني بسنتين. تدرس الدكتوراه في جامعة بغداد. والدها كان ضابطًا كبيرًا، وأمها ألمانية مشرقة كالشمس ، كانت عائلتها تقيم في مدينة زيونة، التي تكثر فيها المشاتل الخضراء في شرق بغداد .
كانت ديتريشي هذه تدعى إيمان
كانت شقراء مثل أي ألمانية، بعينين زرقاوين كالفيروز، وشبيهة بمارلين ديتريش القديمة، صاحبة الصورة التي بقيت اتذكرها .
في تلك الأيام كنت عبثيًا متمردًا وعدميًا، لا حدود لطيبته، ولهذا اعتقدت إيمان أن إصلاحي سيكون سهلًا .
قالت لي ذات يوم : –
منذ أشهر وأنت تتردد على الجامعة… أنت تحبني
قلت لها :-
أنتِ ديتريشي الخالدة .
وهكذا وقعت في الحب .
كنت أسيح كالبخار في حمامات الصيف صوب قسمها، وأظل هناك إلى أن تخرج من الصف، فنذهب إلى الحديقة أو النادي الذي كان يضج بالطلبة .
غابت إيمان لعدة أيام وافتقدتها، فتحرك فار القلق في عبئي. ذهبت إلى رفيق لها كان يلمحنا معًا وسألته عنها .
فقال لي إن إيمان تعرضت إلى حادث وكُسرت ساقها .
:
وهو يدلني على مكان سكنها ، نصحني بأن اصطحب معي زميلًا أو زميلة إذا ذهبت إلى بيت والدها كبير الشأن. كان الجميع يعتقد أن والدها كان وزيرا قبل تسلم صاحب الحفرة رئاسة البلد ، وأنا أتجول في حديقة الجامعة ، فكرت بنوع السيارة التي دهستها ، لكن زميلة لها وجدتها في طريقي أخبرتني أنها تعرضت إلى حادث من نوع آخر .
في اليوم الثاني وجدت نفسي أستعير زي طالب جامعي، وأحمل معي كتبًا جامعية، وأضع يدي على جرس باب بيتهم
خرج لي ضابط، وكانت هناك حماية قرب الباب، غرست التردد في طرق قراراتي الرمادية .
كنت رجلًا فارًا من خدمة العلم ، واحمل هوية مزورة لطالب في معهد الفنون الجميلة
:-
شكو، شعندك؟ صرخ بي احدهم
قلت له بتردد :-
أبحث عن زميلة معي في الجامعة تعرضت إلى حادث دهس قبل يومين
قال لي الرجل العسكري :-
ها، فهمت. وصلت يا ولد. إنها ابنة السيد الآمر .
وهنا تذكرت قصة بوشكين الخالدة ، تلك التي كانت ترن في أذني كالليرة الذهب .
قلت للرجل :-
اذا امكن تنطيهم خبر؟
وفجأة تذكرت أمها الألمانية، فقلت في نفسي
:- كيف سأتفاهم معها؟ لقد أوقعت نفسي في ورطة كبيرة
بعد لحظات سمعت السيد الوالد وهو يصيح :-
شكو ابني؟
فقال له الجندي إن ثمة زميلًا لإيمان يريد رؤيتها
ادخلني والدها الكبير إلى الصالة، التي كانت كبيرة مرتفعة السقف. ذكرتني بحجرتنا المنخفضة المتواضعة، التي تشبه عربات الطرق المتربة في شتاءات آذار .
كان الرجل أريحيًا، ثم جاءت السيدة زوجته، غريتا هارمن، ورحبت بي بعربية مكسرة كحياتي، ودَفعتني إلى غرفة مارلين الجميلة، التي كانت تنام مجبرة في ثوبها الزجاجي الأبيض :-
ها إيمان
صرخت فرحًا برؤيتها، بعد أن أصبحت حواجز الرعب خلف ظهري
أخبرتني ديتريتش أن كلبها اللعين تركي سحلها كما يسحل الحمار عربة نفط قديمة
كانت ديتريشي تقف عند باب بيتها وتمسك بلجام تركي، حين سحبها ليطارد قطًا مر من أمام عينيه. ولأن وزن هذا التركي المرعب كان طنّين، فقد ساحل ديتريش معه، لأنها كانت تعقد حبله على يدها بقوة بسبب خشونة طبعه .
بعد ساعة تركت ديتريش ومضيت، أعدّ أشجار البيوت الكبيرة المعرشة وسحرتني حدائق البيوت الكبيرة واشجار الليمون وطرقها الواسعة
بعد أسابيع أخبرتني إيمان أنها تفكر في مغادرة العراق، الذي كان يلفظ أنفاسه الأخيرة، قبل ان يدمره صاحب الحفرة ثم عرضت عليّ أن نتزوج ونذهب إلى ألمانيا
وحين رأت ترددي، قالت بحزم وجدية :-
سنرجع إلى العراق لنموت فيه بعد أن نبلغ السبعين .
بالحقيقة، كان عرض ديتريتش العراقية الألمانية رائعًا، وقد عملت ما بوسعي لتنفيذه، لكن المعرقلات كانت كثيرة وكارثية، ودمرت حياتي لسنوات نجمية
فلقد كنت ممنوعًا من السفر ومحكومًا بعقوبة الإعدام، وقد وجدت رفيقًا أرشدني إلى حل تلك العقدة. منحته كومة دنانير من أجل حلحلة دفتر خدمتي العسكرية، الذي كان مزنجَرًا وقاتمًا كحياتي، ومن ثم منحي إشارة التسريح في دفتر الخدمة بينما ظلت كنيتي في الدائرة على حالها أكل ابن الزانية نقودي ولم يتم بقية عمله .
وهكذا مرت الشهور
بعد مدة التقيت بإيمان، ديتريتشي، فأخبرتني أنها ستمنحني شهرًا آخر من أجل العِشرة لأتصرف، لكن هذا الشهر مضى لحاله، ودخل في فم الغيب الذي لا يمكن معرفة مساره ومر شهر يليه شهر ولم يتغير مسار كينونتي في طرق المدينة الخربة ..
كان حماري قد بلغ نهاية حياته وفطس، وكان عليّ دفنه
وهكذا ذهبت مخططاتي أدراج الرياح
سافرت مارلين ديتريش، وتركتني وحيدًا أكابد مشقة العيش في حياة لا تريد أن تحررني من قيدها وسخامها
اليوم أجلس في غرفتي المعتمة، التي تشبه القبر، وأفكر بإيمان
مارلين ديتريش الخالدة .

أضف تعليق