الخميرة..

كريم الهزاع

وجدتُ الكراسة في سوق الجمعة.
لم أكن أبحث عنها.
كنتُ، كعادتي، أبحث عن كتابٍ لا أعرفه.
فالكتب التي نعرف أننا نريدها
 نذهب إليها مباشرة،
 أما الكتب التي تغيّر حياتنا
 فكثيرًا ما تعثر هي علينا.
كانت الكراسة ملقاةً بين كتبٍ مستعملة،
ومجلاتٍ قديمة،
وصورٍ لأشخاص لا أعرفهم،
 ورسائل فقدت أصحابها.
غلافها أسود،
 بلا عنوان،
 وبلا اسم مؤلف.
فتحتُها.
كانت الصفحة الأولى فارغة.
والثانية أيضًا.
أما الثالثة،
 فكُتب في أعلاها بقلم رصاص:
«لا تقرأ لتعرف أكثر…
 اقرأ لكي تصبح أقل يقينًا.»
رفعتُ رأسي نحو البائع.
كان رجلًا نحيلًا، 
يجلس خلف كومة من الكتب،
 ويبدو كأنه معروض للبيع معها.
سألته:
ـ لمن هذه الكراسة؟
نظر إليّ طويلًا، ثم قال:
ـ لمن يكملها.
ضحكت.
ـ وكم تريد فيها؟
قال:
ـ ستدفع ثمنها لاحقًا.
حسبتُه يمزح.
دفعتُ ما طلب،
 وضعتُ الكراسة تحت إبطي،
 وعدتُ إلى البيت.
في تلك الليلة،
 وضعتها إلى جوار سريري،
 بين كتابين لم أكملهما.
وقبل أن أنام،
 سمعتُ صوتًا في الغرفة.
ـ مكان سيئ لكراسة جيدة.
فتحتُ عيني.
كان بائع سوق الجمعة
 جالسًا على الكرسي المقابل.
قلت:
ـ كيف دخلت؟
قال:
ـ من الكتاب.
ـ أي كتاب؟
أشار إلى الكراسة.
ـ هذه ليست كراسة.
ـ ماذا تكون إذن؟
قال:
ـ خميرة.
ضحكتُ مرة أخرى.
وكان ذلك، كما اكتشفت لاحقًا،
 آخر شيءٍ يضحكه فيّ.
قلت:
ـ خميرة ماذا؟
قال:
ـ الأفكار.
ثم أضاف:
ـ ضع فكرةً صغيرة في رأس إنسان،
 واتركها هناك سنوات…
قد تستيقظ ذات صباح
 فتجد أنها غيّرت حياته كلها.
سألته:
ـ ومن أنت؟
قال:
ـ لا أهمية لذلك.
ـ مؤلف؟
ـ لا.
ـ فيلسوف؟
هز رأسه.
ـ ناقد؟
ابتسم.
ـ أسوأ.
ـ ماذا إذن؟
قال:
ـ قارئ.
ثم نهض،
 وسحب كتابًا من مكتبتي.
قلّبه قليلًا وسألني:
ـ قرأته؟
قلت:
ـ نعم.
ـ ماذا بقي منه؟
صمتُّ.
أعاد الكتاب إلى مكانه.
ـ إذن لم تقرأه بعد.
ومنذ تلك الليلة،
 بدأتُ أخاف أسئلته.
كان يظهر كلما ظننتُ أنني فهمت شيئًا.
إذا قلتُ: هذه هي الحقيقة،
 سألني: أيُّ حقيقة؟
وإذا أعجبتني فكرة،
 قال: اهدمها.
وإذا نقلتُ عبارةً لكاتب،
 سألني: وأين أنت منها؟
وإذا قلتُ إنني أريد أن أكتب،
 دفع إليّ ورقةً وقال:
ـ اكتب.
فأتردد.
فيضحك:
ـ أنت تحب الكتابة كثيرًا،
 خصوصًا حين لا تكتب.
سألته مرة:
ـ ماذا أقرأ؟
قال:
ـ اقرأ ما يغيّر طريقة قراءتك.
ـ وماذا أكتب؟
ـ ما لا يستطيع غيرك أن يكتبه بالطريقة نفسها.
ـ ومن أين تأتي الأفكار؟
قال:
ـ من الأفكار الأخرى.
ثم أشار إلى الكراسة:
ـ لا توجد فكرة يتيمة.
كل فكرةٍ تحمل آثار آبائها،
 والكتب تتناسل سرًا داخل الكتب،
 والكاتب الذي يظن أنه بدأ من نفسه
لم يفتش جيدًا في ذاكرته.
قلت:
ـ إذن نحن نكرر الآخرين؟
قال:
ـ لا.
ثم أخذ قطعة خبز كانت على الطاولة.
ـ هل تعرف كيف يُصنع هذا؟
ـ بالدقيق والماء والخميرة.
قال:
ـ والكتابة كذلك.
المعرفة دقيق،
 والتجربة ماء،
 والقراءة خميرة.
أما النار…
وسكت.
قلت:
ـ ماذا عن النار؟
دفع الكراسة نحوي.
ـ تلك عليك أنت.
منذ ذلك اليوم،
 صار يزورني باستمرار.
نتجادل في الرواية والشذرة،
 في السيرة والمقالة،
 في الفلسفة والعلم،
 في الكتب التي ينبغي أن نقرأها،
 والكتب التي كان يكفينا ألا نفتحها.
نتحدث عن كافكا وبورخيس،
 عن نيتشه وماركس،
 عن فرويد وبارت،
 عن دوستويفسكي وكالفينو،
 وعن أولئك الذين لم يكتبوا الكتب فقط،
 بل غيّروا الطريقة التي يمكن أن تُكتب بها الكتب.
وكان يكرر:
ـ لا تجمع الكتب.
اجمع ما فعلته بك.
شيئًا فشيئًا،
 بدأتُ أدوّن حواراتنا في الكراسة.
ثم أضفتُ إليها شذراتي.
وأفكاري.
وملاحظاتي عن القراءة.
وما تعلمته عن الكتابة.
ومقالاتٍ بدأت فكرةً صغيرة
 ثم رفضت أن تتوقف.
وضعتُ فيها أسئلةً بلا أجوبة،
 وأجوبةً لم أعد أثق بها،
 وجملًا التقطتُها من الكتب
 ثم أعدتُها إلى الحياة بطريقتي.
لم أعد أعرف، بعد فترة،
 أين ينتهي كلام المعلم
 ويبدأ كلام التلميذ.
وربما كان هذا ما يريده.
فالمعلم الحقيقي
لا يمنحك أفكاره…
بل يفسد عليك أفكارك القديمة.
وفي ليلةٍ متأخرة،
 سألته:
ـ ومتى أصبح كاتبًا؟
نظر إلى رفوف الكتب،
 ثم إلى الأوراق المبعثرة حولي،
 ثم إليّ.
قال:
ـ حين تتوقف عن السؤال.
ـ وكيف أعرف أنني توقفت؟
نهض متجهًا نحو الباب.
وقبل أن يختفي، قال:
ـ حين تبدأ.
انتظرتُ أن يعود.
لم يعد.
فتحتُ الكراسة.
وجدتُ في الصفحة الأخيرة جملةً
لم أرها من قبل:
«إذا نضجت الخميرة،
 لا تحتفظ بها في الوعاء.»
وضعتُ القلم على الورقة.
وفكرتُ في كل الكتب التي قرأتُها،
 وفي الكتب التي قرأتني،
وفي الأفكار التي آمنتُ بها ثم هجرتها،
 وفي الأسئلة التي كبرت معي،
 وفي ذلك الرجل الغريب
 الذي باعني كراسةً في سوق الجمعة
ثم أمضى وقتاً طويلاً يعلّمني كيف أملؤها.
قلبتُ الصفحة.
وكانت بيضاء.
كتبتُ في أعلاها:
” الخميرة ” .

أضف تعليق

إنشاء موقع إلكتروني أو مدونة على ووردبريس.كوم قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑