المشروع الروائي عند عز الدين جلاوجي..

عز الدين جلاوجي بين المسردية واستثمار التراث في رواية الشجرة التي هبطت من السماء..

بقلم: حيزية فضة

                                مقدمة
 تُعَدُّ الروايةُ اليومَ من أوسع الفنون الأدبية تعبيرًا عن التحولات الثقافية والاجتماعية، إذ لا تقتصر مهمتها على السرد فحسب، بل تتعالى لتكون فضاءً للحوار بين الحاضر والماضي، بين الفرد والمجتمع، وبين الحداثة والتراث، وفي هذا السياق، يبرز المشروع الروائي لعز الدين جلاوجي كواحد من التجارب السردية المتميزة التي تسعى إلى تأسيس خطاب روائي متوازن يجمع بين التقنيات السردية الحديثة واستثمار التراث الثقافي والفولكلوري. تكشف رواية «الشجرة التي هبطت من السماء» عن أفق واسع لهذا التزاوج المعرفي والجمالي، حيث لا يقتصر النص على حكي سردي تقليدي، بل يتحول إلى فضاء للتعبير عن الهوية الثقافية والانشغالات الاجتماعية بوسائل سردية مبتكرة. إن هذه الدراسة تسعى إلى تحليل المشروع الروائي عند عز الدين جلاوجي من زاويتين رئيسيتين؛ الأولى تتعلق بالمسردية وأساليب السرد التي يعتمدها الكاتب لتشكيل بنيته الروائية، والثانية تتناول استثمار التراث وأبعاده في الرواية، وذلك بغية الكشف عن كيفية تشابك هذين البعدين لإنتاج خطاب سردي متميز.
وسوف تستند الدراسة إلى منهج نقدي يعنى بتحليل النصوص وتلمس الخيوط السردية والرمزية التي توظف الثقافة التراثية في خدمة بنية الرواية ومضامينها.

 وبذلك، تطرح الدراسة الإشكالية التالية: كيف ينجح عز الدين جلاوجي في مزج المسردية الحديثة مع استثمار التراث في روايته “الشجرة التي هبطت من السماء” لتقديم مشروع روائي يعكس هويته الثقافية ويواكب التطورات السردية المعاصرة؟ ولتناول هذه الإشكالية، سيتم تقسيم الدراسة إلى محاور رئيسية تبدأ بتحليل المسردية وتقنياتها في الرواية، ثم دراسة التراث وكيفية توظيفه في النص، وصولاً إلى التداخل والتفاعل بين هذين المحورين في بناء المشروع الروائي المتكامل لعز الدين جلاوجي.

المحور الأول: المسردية في مشروع عز الدين جلاوجي الروائي

شهد الأدب العربي المعاصر تحولات جذرية مست مختلف الأجناس الأدبية، نتيجة انفتاحه على المنجزات النقدية الحديثة، ولا سيما نظريات التداخل الأجناسي، والتجريب، والكتابة العابرة للأنواع، وقد أسهمت هذه التحولات في إعادة النظر في الحدود التقليدية الفاصلة بين الأجناس الأدبية، فلم تعد الرواية أو المسرحية أو الشعر كيانات مغلقة، بل أصبحت فضاءات إبداعية تتفاعل فيما بينها، وتستثمر خصائص بعضها بعضًا في سبيل إنتاج نص أكثر قدرة على استيعاب تعقيدات الواقع وتحولات الوعي الجمالي.[1]

وفي هذا السياق، يبرز مشروع الأديب الجزائري عز الدين جلاوجي بوصفه أحد أبرز المشاريع الإبداعية التي راهنت على التجريب، من خلال السعي إلى تأسيس كتابة تتجاوز الأشكال الموروثة، وتبحث عن صيغ تعبيرية جديدة تستجيب لمتطلبات الإبداع المعاصر. فلم يكن التجريب عند جلاوجي مجرد ممارسة شكلية، وإنما كان رؤية فكرية وجمالية تنطلق من إيمانه بأن الأدب لا يحقق وظيفته إلا إذا استطاع أن يتجاوز القوالب الجاهزة، ويعيد تشكيل أدواته بما ينسجم مع تطور الحساسية الجمالية الحديثة. ومن ثم جاءت المسردية باعتبارها أهم تجليات هذا المشروع التجريبي، إذ تمثل محاولة واعية لإعادة بناء العلاقة بين المسرح والرواية ضمن نص واحد، يقوم على التكامل لا على الإلغاء.[2]

ويُعد مصطلح المسردية من المصطلحات التي نحتها عز الدين جلاوجي للدلالة على جنس أدبي جديد، يجمع بين «المسرحية» و«السردية»، في صيغة تركيبية تعكس طبيعة هذا النص الهجين، ولا يقتصر هذا المزج على الجمع بين الحوار والسرد، بل يتعداه إلى إعادة تشكيل البنية النصية برمتها، من خلال الإفادة من تقنيات الرواية الحديثة، كالاسترجاع، والاستباق، والوصف، وتيار الوعي، والتعدد الصوتي، مع المحافظة في الوقت نفسه على مقومات البناء المسرحي، مثل الحوار، والصراع، والحركة، والحضور الدرامي للشخصيات. وبذلك لا تصبح المسردية مجرد مسرحية مطولة أو رواية حوارية، وإنما نصًا مستقلاً يمتلك خصوصيته الجمالية وآلياته التعبيرية.[3]

ويؤكد عدد من الباحثين أن ظهور المسردية لم يكن حدثًا معزولًا، بل جاء في سياق عالمي وعربي عرف انفتاحًا متزايدًا بين الأجناس الأدبية، حيث بدأت الحدود التقليدية تفقد صرامتها لصالح نصوص هجينة تستثمر إمكانات أكثر من جنس أدبي. غير أن خصوصية تجربة جلاوجي تكمن في أنها لم تكتف باستلهام هذا التوجه، بل سعت إلى تأصيله داخل السياق الأدبي الجزائري والعربي، عبر تقديم تصور نظري وممارسة تطبيقية متكاملة، وهو ما جعل المسردية تتحول من مجرد تجربة إبداعية إلى مشروع نقدي وجمالي أثار اهتمام الباحثين والدارسين.[4]

وتكشف قراءة المنجز المسردي لعز الدين جلاوجي أن هذا المشروع لم ينشأ بدافع الرغبة في كسر القواعد الفنية فحسب، وإنما تأسس على رؤية فكرية تعتبر أن المسرح العربي في صورته التقليدية أصبح في حاجة إلى تجديد أدواته التعبيرية، خاصة في ظل تراجع الإقبال على القراءة المسرحية، وهيمنة الرواية بوصفها الجنس الأدبي الأكثر حضورًا في المشهد الثقافي.

كما أن المسردية لا تعني ذوبان المسرح في الرواية أو العكس، وإنما تقوم على مبدأ التكامل الفني بينهما؛ إذ يحتفظ كل جنس بخصائصه الأساسية، غير أنه ينفتح على إمكانات الجنس الآخر بما يحقق نصًا أكثر ثراءً وتعقيدًا.

ولا يمكن فهم مشروع المسردية بمعزل عن المشروع الروائي الشامل لعز الدين جلاوجي، فالتجريب يمثل السمة المركزية في مختلف أعماله الإبداعية، سواء في الرواية أو المسرح أو القصة، وهو ما يدل على أن المسردية ليست تجربة عابرة، بل حلقة من حلقات مشروع يسعى إلى تجديد الكتابة الأدبية الجزائرية، وإعادة صياغة العلاقة بين الشكل والمضمون، وبين النص والقارئ، وبين الأدب والواقع.

المحور الثاني: استثمار التراث في الرواية

أولاً: مفهوم التراث في الرواية (دلالاته وأنواعه)

يُعدُّ التراث من أكثر المفاهيم حضورًا في الدراسات الأدبية والنقدية المعاصرة، لما ينطوي عليه من أبعاد حضارية وثقافية وفكرية تسهم في تشكيل هوية المجتمعات وخصوصيتها التاريخية. ولم يعد التراث يُنظر إليه بوصفه مخزونًا من الماضي فحسب، وإنما أصبح يمثل منظومةً ثقافيةً متكاملةً تتداخل فيها المعتقدات، والعادات، والأساطير، والرموز، واللغة، والتاريخ، والفنون، بما يجعل منه عنصرًا فاعلًا في إنتاج الخطاب الأدبي المعاصر. ومن ثم، فإن استحضار التراث في الرواية الحديثة لا يعني استعادة أحداث الماضي أو إعادة إنتاجه بصورة حرفية، وإنما يعني إعادة تأويله وإعادة بنائه وفق رؤية فنية تستجيب لأسئلة الحاضر وإشكالاته.[5]

وقد شهدت الرواية العربية منذ النصف الثاني من القرن العشرين انفتاحًا ملحوظًا على الموروث الثقافي، نتيجة التحولات الفكرية والاجتماعية التي عرفها العالم العربي، فوجد الروائيون في التراث وسيلةً لإعادة مساءلة الواقع، وإبراز الخصوصية الثقافية في مواجهة مظاهر التغريب والاغتراب. ومن هنا أصبح التراث مادةً إبداعيةً تتجاوز حدود التوثيق التاريخي، لتتحول إلى بنية جمالية ورمزية ترفد النص الروائي بأبعاد دلالية متعددة، وتمنحه قدرةً على الانفتاح على مستويات مختلفة من التأويل.[6]

وانطلاقًا من هذه الرؤيا، فإن التراث في الرواية لا يقتصر على النصوص التاريخية أو الأخبار القديمة، بل يشمل مختلف المكونات التي شكلت الوعي الجمعي للأمة، سواء أكانت مادية أم معنوية، مكتوبة أم شفوية. فهو يتجلى في الأساطير، والحكايات الشعبية، والمعتقدات الدينية، والأمثال، والعادات الاجتماعية، والطقوس، والذاكرة الجماعية، بل يمتد إلى المكان بما يحمله من رمزية تاريخية وثقافية، وإلى اللغة بما تتضمنه من ألفاظ وتراكيب وتعبيرات موروثة، الأمر الذي يجعل التراث فضاءً ثقافيًا واسعًا تتقاطع داخله الأبعاد التاريخية والإنسانية والجمالية.[7]

ويذهب كثير من النقاد إلى أن توظيف التراث في الرواية المعاصرة لم يعد يهدف إلى تمجيد الماضي أو الهروب إليه، وإنما يسعى إلى إقامة حوار بين الماضي والحاضر، بحيث يغدو التراث أداةً للكشف عن التحولات الاجتماعية والفكرية، ومجالًا لإعادة بناء الهوية الثقافية في ضوء المتغيرات الراهنة. وبهذا المعنى يتحول التراث إلى خطاب حيٍّ يتفاعل مع الواقع، بدل أن يبقى مجرد ذاكرة جامدة أو مادة أرشيفية.[8]

ومن هذا المنطلق، يمكن التمييز بين عدة أنماط للتراث داخل الخطاب الروائي، تختلف باختلاف الوظيفة التي يؤديها كل منها داخل النص السردي.

أولًا: التراث الثقافي

يقصد بالتراث الثقافي مجموع المنجزات الفكرية والمعرفية التي راكمتها الأمة عبر تاريخها، وتشمل اللغة، والأدب، والفنون، والعادات، والقيم، والأنظمة الاجتماعية، والرموز الثقافية. ويؤدي هذا النوع من التراث دورًا مهمًا في ترسيخ الهوية الحضارية، إذ يسمح للروائي باستحضار المرجعيات الثقافية التي تشكل وعي الشخصيات، وتحدد علاقتها بالمكان والزمان والآخر. كما يسهم في بناء فضاء روائي يحمل خصوصية المجتمع الذي ينتمي إليه النص، بعيدًا عن النمطية أو الاغتراب الثقافي.[9]

وفي رواية «الشجرة التي هبطت من السماء» يتجلى التراث الثقافي من خلال استحضار الحياة القروية، والعلاقات الاجتماعية، وأنماط التفكير التقليدية، والذاكرة الجماعية التي تتحكم في رؤية الشخصيات للعالم. كما تتجسد هذه المرجعية الثقافية في صورة المكان، وفي اللغة التي تتخللها تعبيرات ذات حمولة شعبية، وفي حضور الشيخ، والكتّاب، والمرأة، والجماعة بوصفها مكونات أساسية للبنية الثقافية للرواية.

«اشتد هلع الجميع، وعواصف الانقراض تزحف عليهم، لن تشهد المضارب أعراسًا وأفراحًا، سيجف الجميع كما جفت الشجرة الروحانية.»[10]

 ويعكس هذا المقطع الاعتقاد الشعبي بقدسية بعض الأشجار، وهو من الموروث الثقافي المتداول في المجتمعات العربية، حيث تُنسب إليها قوى غيبية أو بركات خاصة، وهذا موجود بكثرة في البلدان العربية.
«… يبتعد على مسامعهم حكاياته مع الجن…. واندفع يروي مغامرته مع الجن…». ص19
 وتكشف هذه الإشارات عن حضور الموروث الشفهي الذي يقوم على قصص الجن والعجائب، وهو عنصر متجذر في الثقافة الشعبية العربية.
يتضح من هذين المقطعين أن عز الدين جلاوجي لا يوظف التراث الثقافي بوصفه زخرفة لغوية، وإنما يجعله مكوّنًا بنائيًا في الرواية، من خلال استحضار المعتقدات الشعبية (الجن، الشجرة الروحانية، النبوءة)، والتراث الاجتماعي (القبيلة والمضارب وأسماء الشخصيات…)، والتراث الديني الشعبي (الشيخ)، بما يسهم في بناء عالم روائي يستند إلى الذاكرة الجماعية ويمنح السرد أبعادًا رمزية وثقافية.

ثانيًا: التراث الشعبي

يُعد التراث الشعبي من أغنى المصادر التي استثمرتها الرواية العربية، لما يحمله من حكايات وأساطير وأمثال وأغانٍ ومعتقدات وطقوس تعكس رؤية المجتمع للعالم. ويتميز هذا النوع من التراث بكونه وليد الذاكرة الجماعية، إذ ينتقل شفهيًا من جيل إلى آخر، محتفظًا بقدر كبير من الخصوصية الثقافية. ولا يستحضره الروائي بوصفه عنصرًا تزيينيًا، وإنما يوظفه لإضفاء الواقعية على الأحداث، وتعميق البعد النفسي والاجتماعي للشخصيات، وربط الحاضر بالماضي.
وفي رواية «الشجرة التي هبطت من السماء» يحضر التراث الشعبي عبر المعتقدات المرتبطة بالخصوبة، والخوف من اللعنة، والاعتقاد في الكرامات، إضافة إلى الطقوس التي يمارسها أهل القرية طلبًا للخلاص من الجفاف والعقم، وأيضا تجلى التراث الشعبي في الطقوس التي يعتمدها أهل القرية عند توليد المرأة، وهي عناصر لا تؤدي وظيفة وصفية فحسب، بل تكشف عن طبيعة الوعي الجمعي الذي يحكم الشخصيات ويوجه سلوكها.

1.الاستعانة بالقابلة الشعبية (الداية)

يظهر هذا العنصر بوضوح في النص من خلال استدعاء امرأة تتولى عملية التوليد، وهو من أشهر مظاهر التراث الشعبي، ويظهر ذلك في الرواية في قوله:

« لقد وصلت، لقد وصلت. بعد لحيات دخلت هجيرة قائلة: خيرا يا رب، خيرا…» كما ورد: «وقد اشتد صراخها وتقضم يديها عرقًا.» ص ( 166)

و تمثل هجيرة شخصية القابلة الشعبية (الداية) التي كانت تتولى ولادة النساء قبل انتشار المستشفيات، وهو مظهر أصيل من مظاهر التراث الشعبي الجزائري والعربي عموماً.

2.إشعال النار أثناء الولادة

وفي قوله:
«خرجت حدّة بنت الصيد قائلة: – سأعدّ النار.» ص(166)

وإعداد النار من العادات الشعبية المصاحبة للولادة، حيث كانت تُستخدم للتدفئة أو لتعقيم الماء والأدوات، وهو طقس متوارث في البيئات التقليدية.

3.استعمال الماء الساخن

«… ماء ساخن، وقطع قماش نظيفة.»، وفي موضع آخر: «وأسرعت تصدر الأوامر: – إليّ بالماء الساخن.» ص (166)

 يُعد تجهيز الماء الساخن من الطقوس الشعبية الملازمة للولادة في المجتمع التقليدي،
ويعكس هذا المشهد الممارسات التقليدية في استقبال المولود قبل توفر الوسائل الطبية الحديثة.

4.  التكافل الاجتماعي بين نساء القرية

يتجلى ذلك في قوله: «مدت أم الدّهماني يدها فاحتضنت الصبية، وأطلقت زغرودة حارة، أعادتها إلى نوة التي سلمتها إلى هجيرة فلفتها في قماش أبيض…» (168)
 جسّد النص عادة اجتماع النساء لمساندة المرأة أثناء الولادة، وهي من القيم الاجتماعية المتوارثة في التراث الشعبي.

يكشف هذا المقطع عن توظيف عز الدين جلاوجي للتراث الشعبي من خلال تصوير طقوس الولادة التقليدية، مثل حضور الداية (القابلة الشعبية)، وإعداد النار، وتجهيز الماء الساخن والعديد من العادات الشعبية، وإلى جانب مظاهر التضامن النسوي والدعاء. ولا يورد الكاتب هذه العناصر بوصفها تفاصيل وصفية فحسب، بل يجعلها وسيلة لإحياء الذاكرة الشعبية والمحافظة على خصوصية البيئة الاجتماعية والثقافية التي تدور فيها أحداث الرواية

ثالثًا: التراث الديني

يشكل التراث الديني أحد أهم المكونات المرجعية في الرواية، إذ يستثمر الكاتب الرموز الدينية، والآيات، والدعاء، والشخصيات ذات البعد الروحي، بما يمنح النص أفقًا دلاليًا يتجاوز حدود الحكاية. ويظهر هذا التراث في الرواية من خلال حضور الإيمان، والتضرع، والبحث عن الخلاص، واستدعاء الشخصيات التي تتمتع بمكانة روحية داخل الجماعة، وهو ما يجعل الدين عنصرًا مؤثرًا في تشكيل الوعي الفردي والجماعي.

1.  شخصية الشيخ عبد الله (الشيخ الصالح)

ويظهر في قوله: «… كان في حاجة ماسة لأن يختلي بنفسه، صباحًا قرر أن يقصد الشيخ عبد الله، وحده الله يمكن أن يفهمه ويفك أسراره…» (ص 36).

 يوظف الروائي شخصية الشيخ عبد الله بوصفها رمزًا دينيًا، إذ يلجأ إليه أفراد القبيلة طلبًا للنصح والهداية، وهو ما يعكس المكانة التي يحتلها الشيخ أو العالم في الوجدان الشعبي العربي الإسلامي.

2.   الدعاء

ويتجلى ذلك في قوله: «ظل الشيخ عبد الله يلهج بالدعاء…» (ص 37).

ويمثل الدعاء مظهرًا من مظاهر التراث الديني الإسلامي، وقد وظفه الكاتب لإبراز تعلق الشخصيات بالله في أوقات الشدة، وإضفاء بعد روحي على الأحداث.

3.  التضرع إلى الله

«مدّ الشيخ عبد الله يده فاستمسك بلجام الجواد، هذا دفعة واحدة، اصطف الفرسان خلف قائدهم…» ثم يأتي بعده مباشرة: «ظل الشيخ عبد الله يلهج بالدعاء وهو يقف قريبًا من الشجرة العجفاء…» (ص 37).

 يجمع هذا المشهد بين القيادة الروحية والدعاء، مما يعكس حضور الشخصية الدينية بوصفها مرجعًا أخلاقيًا وروحيًا داخل القبيلة.

4.  الإيمان بالله

وذلك في قوله: «وحده الله يمكن أن يفهمه ويفك أسراره.» (ص 36).

إذْ يجسد هذا القول عمق الإيمان والتوكل على الله، وهو من القيم الأساسية في التراث الديني الإسلامي.
يتبين من خلال استقراء الرواية أن عز الدين جلاوجي لم يوظف التراث الديني توظيفًا زخرفيًا أو شكليًا، وإنما جعله عنصرًا فاعلًا في تشكيل البناء السردي، إذ تجلى ذلك في استحضار شخصية الشيخ عبد الله بوصفه مرجعية دينية وروحية، وفي حضور الدعاء والتوكل على الله باعتبارهما ملاذًا للشخصيات في مواجهة القلق والمصير المجهول، فضلًا عن الإشارة إلى السحر بما يحمله من حمولات دينية وثقافية. ويكشف هذا التوظيف عن وعي الروائي بأهمية الموروث الديني في تشكيل الوعي الجمعي، وربط الحاضر بمرجعياته الروحية، بما يضفي على النص أبعادًا فكرية ورمزية تتجاوز السرد المباشر، ويؤكد أن التراث الديني في الرواية يمثل ركيزة من ركائز بناء الدلالة وتعميق رؤية الكاتب للإنسان والوجود.

رابعًا: التراث الأسطوري

يُعد التراث الأسطوري من أبرز ملامح الرواية، إذ لا تكتسب الشجرة دلالتها من كونها عنصرًا طبيعيًا فحسب، بل تتحول إلى رمز كوني يجمع بين الحياة والموت، والخصب والجدب، والانبعاث والفناء، وتستثمر الرواية هذا الرمز في بناء عالم تتداخل فيه الحقيقة بالأسطورة، والواقع بالخيال، بحيث تغدو الأسطورة وسيلة لتفسير الواقع وكشف أبعاده النفسية والثقافية، لا مجرد حكاية غرائبية.

ولقد استلهم الروائي قصة حيزية، وهي من أشهر قصص التراث الشعبي الجزائري، ثم أعاد تشكيلها داخل الرواية في قالب أسطوري، فأضفى عليها أبعادًا رمزية جعلتها تؤدي وظيفة الأسطورة في البناء السردي.

ومن هنا فإن الشجرة لا تؤدي وظيفة مكانية، وقصة حيزية لا تمثل قصة شعبية جزائرية، وإنما تصبح مركزًا رمزيًا تدور حوله الأحداث، وتتحدد من خلاله مصائر الشخصيات، بما يجعلها تمثل الذاكرة والهوية والاستمرار.

1.  حيزية بوصفها رمزًا للبعث والخلود

لا يكتفي الروائي باستحضار حيزية بوصفها شخصية من التراث الشعبي، بل يحيطها بهالة أسطورية توحي بالبعث والعودة إلى الحياة، وهي سمة من سمات الشخصية الأسطورية التي تتجاوز قوانين الواقع.

«قالت الطاووس: سبحان الله كأنها عادت إلى الحياة.» (ص 548)

2.  طقوس التطهير قبل الانتقال

 يوظف الكاتب طقوسًا ذات طابع احتفالي ورمزي (الطيب، الأعشاب، الحناء)، فتغدو الشخصية وكأنها تستعد لرحلة مقدسة، وهو ما يقربها من أبطال الأساطير الذين تسبق انتقالهم طقوس خاصة.

«تسللت مثانة وراحت تخضب الجسد بمسحٍ من الطيوب والأعشاب، وملأت شعرها الأسود الطويل بالحناء.» (ص 548)

3.  الانتقال إلى عالم الخلود

يجمع الكاتب بين المرجعية الدينية والخيال الأسطوري، فيصور حيزية وكأنها تعبر من العالم الأرضي إلى عالم الخلود، وهو بناء أسطوري يمنح الشخصية بعدًا يتجاوز الموت الطبيعي.

«إلى الخلود أيتها الطاهرة… إلى جنة الرضوان.» (ص 552)

4.  خلود حيزية في الذاكرة الجماعية

 إعادة إنشاد القصيدة داخل الرواية لا تؤدي وظيفة التذكر فقط، بل تؤسس لخلود الشخصية في الوعي الجمعي، وهو ما يميز الأبطال الأسطوريين الذين تظل سيرتهم متداولة عبر الأجيال.

«أعاد عزوز بولحروز قراءة المقطع الشعري…» (ص 549)

5.  امتزاج الإنسان بالطبيعة

تتجاوز الشجرة هنا كونها عنصرًا طبيعيًا لتغدو كائنًا ذا حضور خارق، يرتبط بالمصير الإنساني وبالذاكرة الجماعية، وهو ما يعزز الطابع الأسطوري للرواية.

«شقوا الشجر… استقروا الشجرة.» (ص 555)

يتجلى التراث الأسطوري في رواية «الشجرة التي هبطت من السماء» من خلال إعادة تشكيل قصة حيزية في قالب يتجاوز حدود الحكاية الشعبية، إذ يمنحها الروائي صفات الشخصيات الأسطورية التي تقاوم الفناء وتبلغ مرتبة الخلود. كما يحيطها بجملة من الرموز والطقوس، مثل البعث، والانتقال إلى عالم الخلود، والشجرة الروحانية، فتغدو حيزية رمزًا يتجاوز بعدها التاريخي والشعبي إلى بعد أسطوري. وبهذا لا يكتفي عز الدين جلاوجي باستحضار التراث، بل يعيد إنتاجه فنيًا، محولًا الحكاية الشعبية إلى أسطورة حديثة تخدم رؤيته السردية والفكرية.

يتضح أن التراث في رواية «الشجرة التي هبطت من السماء» لا يُختزل في استدعاء الماضي أو إعادة إنتاج عناصره، وإنما يمثل بنية ثقافية وجمالية تتداخل فيها المرجعيات الشعبية والدينية والأسطورية، لتؤسس خطابًا روائيًا يزاوج بين الأصالة والتجريب.

ومن ثم فإن التراث يغدو أداة لإعادة بناء الهوية، ووسيلة لإنتاج الدلالة، لا مجرد مادة حكائية تستعاد من الذاكرة، وهو ما يمهد لدراسة تجلياته التطبيقية داخل الرواية في المبحث الموالي.

 استثمار التراث في رواية الشجرة التي هبطت من السماء لعز الدين جلاوجي

يُعدّ استثمار التراث في الرواية العربية المعاصرة أحد أبرز المداخل الجمالية والفكرية التي اعتمدتها الكتابة السردية الحديثة لإعادة تشكيل الهوية الثقافية وإعادة مساءلة الذاكرة الجماعية. فالتراث لم يعد مجرد مادة موروثة تُستدعى بوصفها خلفية تاريخية أو زخرفًا ثقافيًا، بل أصبح بنية فاعلة في إنتاج الدلالة وبناء العالم الروائي.

وفي هذا السياق، تتجلى رواية “الشجرة التي هبطت من السماء” لعز الدين جلاوجي بوصفها نموذجًا سرديًا يقوم على تداخل مكونات التراث المختلفة، حيث تتشابك الرموز والأساطير والحكايات الشعبية والتاريخ المحلي داخل بنية فنية مفتوحة على التأويل.

1.  الرموز التراثية وإنتاج الدلالة

تحتل الرموز التراثية موقعًا مركزيًا في البناء السردي للرواية، إذ تتحول العناصر الطبيعية والإنسانية إلى إشارات دلالية مشحونة بالمعاني الثقافية والوجودية.

وتأتي الشجرة بوصفها الرمز المركزي في النص، حيث تتجاوز بعدها الطبيعي لتصبح علامة كونية تحيل إلى مفاهيم متعددة مثل الانتماء والجذور والذاكرة والاستمرارية. كما تتخذ دلالة رمزية مركبة تجمع بين الأرض والسماء، بما يجعلها نقطة تقاطع بين الواقعي والميتافيزيقي.

إن هذا التوظيف الرمزي لا يكتفي بإعادة إنتاج المعنى التقليدي، بل يعيد تشكيله داخل سياق سردي حديث يمنح الرمز طاقة تأويلية مفتوحة.

2.  الأسطورة بوصفها بنية تفسيرية للعالم

تُوظَّف الأسطورة في الرواية بوصفها آلية معرفية لتأويل الواقع وإعادة إنتاجه ضمن رؤية تخييلية تتجاوز المنطق الواقعي المباشر.
فالأسطورة لا تُستحضر في النص كحكاية ماضية، بل تُعاد صياغتها داخل بنية سردية حديثة تجعلها:
أداة لتفكيك الواقع
وسيلة لإنتاج المعنى
إطارًا رمزيًا لفهم الوجود
وقد أكدت الدراسات الأكاديمية أن الرواية تعتمد على البنية الأسطورية في تشكيل خطابها السردي، من خلال إعادة إدماج الموروث الأسطوري داخل سياق حداثي يدمج بين التخييل والواقع.[11]
كما تساهم الأسطورة في منح النص بعدًا كونيًا يتجاوز المحلي إلى الإنساني العام.

3.   الحكاية الشعبية واستعادة الذاكرة الشفوية

يمثل الموروث الشعبي أحد أهم مكونات التراث الموظف في الرواية، حيث تُستدعى الحكاية الشعبية باعتبارها خطابًا ثقافيًا يعكس الوعي الجمعي وتصوراته للعالم.
ويتم توظيف الحكاية الشعبية في النص عبر مستويين:

مستوى استدعائي: حيث تُستحضر الحكاية في شكلها الشفهي التقليدي، مثل حكاية حيزية واستدعائها.

مستوى تحويلي: حيث يعاد تفكيكها وإعادة تركيبها داخل بنية سردية حديثة، وهو ما حدث لحكاية حيزية حيث أعاد تفكيكها وتركيبها داخل الرواية.
وبذلك تتحول الحكاية الشعبية من مادة فلكلورية إلى عنصر بنائي داخل النص الروائي يسهم في إنتاج الدلالة وإغناء البنية السردية.

4.   التاريخ المحلي وإعادة بناء الذاكرة الجماعية

يشكل التاريخ المحلي عنصرًا أساسيًا في بناء المرجعية الواقعية للرواية، حيث يتم استحضار الأحداث المرتبطة بالمكان والذاكرة الجماعية.

غير أن هذا التاريخ لا يُقدَّم بوصفه سردًا وثائقيًا، بل يُعاد إنتاجه داخل النص وفق رؤية فنية تجعل منه:
إطارًا لتفسير الحاضر
وسيلة لقراءة التحولات الاجتماعية
عنصرًا في بناء الهوية السردية
وبذلك يتحول التاريخ من مادة مرجعية إلى بنية دلالية داخل النص الروائي.

يتضح من خلال رواية “الشجرة التي هبطت من السماء” أن استثمار التراث لا يقوم على الاستعادة المباشرة، بل على إعادة البناء الجمالي والمعرفي للذاكرة الثقافية داخل النص.

فمن خلال تداخل الرموز والأساطير والحكايات الشعبية والتاريخ المحلي، ينجح النص في إنتاج فضاء سردي متعدد الطبقات، يعيد مساءلة العلاقة بين الماضي والحاضر، وبين الواقعي والمتخيل، بما يجعل الرواية نصًا منفتحًا على التأويل والتعدد الدلالي.

المحورالثالث: التداخل بين المسردية واستثمار التراث في تشكيل المشروع الروائي
رواية الشجرة التي هبطت من السماء لعز الدين جلاوجي

يشكل التداخل بين المسردية (Narrativity) واستثمار التراث أحد أبرز المداخل النقدية في الدراسات السردية الحديثة، إذ لم يعد النص الروائي بنية خطية مغلقة، بل أصبح فضاءً تركيبياً تتفاعل فيه التقنيات السردية مع الموروث الثقافي في مختلف تجلياته. وفي رواية الشجرة التي هبطت من السماء لعز الدين جلاوجي، يتجلى هذا التداخل بوصفه آلية مركزية في بناء الخطاب الروائي وإنتاج دلالاته المتعددة.

1.  التفاعل الديناميكي بين المسردية والتراث

تقوم البنية السردية في الرواية على دينامية معقدة تتداخل فيها تقنيات مثل التقطيع السردي، والاسترجاع، وتعدد الأصوات، وتكسير التسلسل الزمني، مما يسمح بإدماج التراث داخل البنية السردية لا بوصفه عنصرًا خارجياً، بل كجزء من نسيجها الداخلي.

وقد أكد سعيد يقطين أن الخطاب الروائي الحديث يقوم على تفاعل بنيوي بين عناصر السرد المختلفة، حيث تتحول المكونات الثقافية إلى جزء من آليات إنتاج المعنى داخل النص الروائي.[12]

كما أن حميد لحمداني يذهب إلى أن البناء السردي الحديث يقوم على تعدد المستويات الحكائية وتداخل الأزمنة، وهو ما يسمح باندماج العناصر التراثية داخل البنية الروائية بشكل عضوي.[13]

ويظهر هذا التفاعل بشكل واضح في الرواية من خلال توظيف الرمز المركزي (الشجرة) الذي يتحول إلى محور دلالي يربط بين مستويات الحكي المختلفة.

2.  أثر التداخل على استقبال النص لدى القارئ المعاصر

إن تداخل المسردية مع التراث يؤدي إلى إعادة تشكيل أفق التلقي لدى القارئ المعاصر، حيث يصبح النص الروائي بنية مفتوحة تتطلب قراءة تأويلية تقوم على تفكيك الرموز وإعادة تركيب العلاقات الدلالية.
فالقارئ لم يعد يتعامل مع النص بوصفه حكاية مباشرة، بل بوصفه شبكة من العلامات الثقافية التي تستدعي خلفية معرفية وتأويلية. وفي هذا السياق، تصبح الأسطورة والحكاية الشعبية أدوات لخلق نوع من “المقاومة الدلالية” التي تمنع القراءة السطحية للنص.
ويشير عبد الله إبراهيم إلى أن السرد العربي الحديث يعيد إنتاج الموروث الحكائي ضمن بنية جديدة تجعل من التراث عنصرًا فاعلًا في تشكيل الوعي الجمالي للنص.[14]

3.  الخطاب الروائي المتجدد والهوية الثقافية

يعمل عز الدين جلاوجي على خلق خطاب روائي متجدد يقوم على دمج الذات الفردية بالهوية الثقافية الجماعية، حيث يتحول النص إلى فضاء لتجسيد الذاكرة الشخصية والجماعية في آن واحد.
فالتداخل بين التراث وتقنيات السرد الحديثة ينتج خطابًا هجينيًا (Hybrid discourse) يعكس:
●             الذات الفردية للمؤلف
●             الذاكرة الجمعية للمجتمع
●             التحولات الثقافية والتاريخية

كما أن هذا الخطاب يتسم بتعدد الأصوات، مما يمنح الرواية بعدًا حواريًا يعكس صراع الرؤى داخل البنية السردية، ويجعل النص مفتوحًا على قراءات متعددة.

4.  استنتاجات حول إغناء التجربة الروائية

يمكن القول إن التداخل بين المسردية واستثمار التراث في رواية الشجرة التي هبطت من السماء يؤدي إلى:
●             إغناء البنية الجمالية للنص
●             توسيع أفق التأويل
●             خلق تعددية دلالية
●             تحويل النص إلى مشروع روائي مفتوح
●             إعادة إنتاج الهوية الثقافية داخل خطاب حداثي

وبذلك، يصبح النص الروائي فضاءً لإعادة بناء العلاقة بين الماضي والحاضر، وبين التراث والحداثة، وفيها رقي عبر اللغة والوصف وبناء الشخصية والصراع والحبكة والتشويق، وفي الرسائل الخفية التي تتضمنها، في إطار رؤية فنية متكاملة.

استنتاجات حول دور هذا التداخل في إغناء التجربة الروائية وإرساء مشروع روائي متكامل.

أسفر تحليل رواية “الشجرة التي هبطت من السماء” في ضوء المشروع الروائي لعز الدين جلاوجي عن جملة من النتائج، يمكن إجمالها فيما يأتي:

● كشفت الدراسة أن المسردية تمثل ركيزة أساسية في المشروع الروائي لعز الدين جلاوجي، إذ لا يقتصر السرد لديه على نقل الأحداث، وإنما يتحول إلى فضاء جمالي تتفاعل فيه تقنيات الزمن، وتعدد الأصوات، والحوار، والاسترجاع، والاستباق، بما يمنح النص كثافة دلالية ويُسهم في بناء رؤية فنية متماسكة.

● بينت الدراسة أن البناء السردي في الرواية يقوم على وعي فني واضح بتقنيات الرواية الحديثة، حيث تتداخل المستويات الزمنية وتتعدد وجهات النظر، الأمر الذي يجعل القارئ شريكًا في إنتاج المعنى، ويمنح العمل بعدًا تأويليًا يتجاوز القراءة الخطية التقليدية.

●  أظهرت الدراسة أن استثمار التراث في الرواية لم يكن استدعاءً زخرفيًا أو توظيفًا شكليًا، وإنما جاء بوصفه مكونًا بنائيًا يسهم في تشكيل الرؤية الفكرية والجمالية للنص، من خلال الإفادة من الموروث الشعبي والتاريخي والرمزي والأسطوري في إنتاج دلالات جديدة ترتبط بقضايا الإنسان والمجتمع.

●  كشفت الدراسة أن جلاوجي نجح في إعادة إنتاج التراث داخل سياق روائي معاصر، فحوّل العناصر التراثية إلى أدوات للتعبير عن قضايا الهوية والذاكرة والتحولات الاجتماعية، وهو ما منح الرواية قدرة على الجمع بين الأصالة والانفتاح على تقنيات السرد الحديثة.

●  أوضحت الدراسة أن التفاعل بين المسردية واستثمار التراث شكّل أحد أبرز ملامح المشروع الروائي عند عز الدين جلاوجي، إذ أسهم هذا التداخل في بناء خطاب روائي يجمع بين العمق الفكري والثراء الفني، ويحقق توازنًا بين المرجعية الثقافية والابتكار السردي.

● تؤكد نتائج الدراسة أن المشروع الروائي لعز الدين جلاوجي يقوم على رؤية إبداعية واعية تسعى إلى تجديد الرواية الجزائرية والعربية، عبر توظيف التراث داخل بنية سردية حديثة، بما يرسخ خصوصية تجربته ويمنحها مكانة متميزة في المشهد السردي المعاصر.

وفي الختام، يمكننا القول هذه الدراسة خلصت إلى أن رواية “الشجرة التي هبطت من السماء” تمثل نموذجًا دالًا على المشروع الروائي لعز الدين جلاوجي، الذي يقوم على التفاعل الخلاق بين المسردية واستثمار التراث في بناء خطاب روائي حديث.

 فقد أثبتت الدراسة أن التقنيات السردية لم تُوظف بمعزل عن المرجعية التراثية، وإنما اندمجت معها لتشكيل بنية نصية غنية بالدلالات، تجمع بين العمق الجمالي والبعد الفكري، وتعيد مساءلة قضايا الهوية والذاكرة والواقع الإنساني في إطار رؤية إبداعية متجددة. وبذلك يمكن الإجابة عن إشكالية الدراسة بالقول إن نجاح المشروع الروائي عند عز الدين جلاوجي يكمن في قدرته على تحقيق التوازن بين الحداثة السردية والأصالة الثقافية، حيث أصبح التراث عنصرًا فاعلًا في إنتاج المعنى، وأضحت المسردية أداة لتجديد أشكال التعبير الروائي، الأمر الذي أسهم في بناء تجربة روائية ذات خصوصية فنية وفكرية داخل الرواية الجزائرية والعربية المعاصرة.

وتفتح هذه الدراسة آفاقًا لبحوث لاحقة يمكن أن تتناول المشروع الروائي لعز الدين جلاوجي من زوايا أخرى، كدراسة البنية الزمنية في مجمل أعماله الروائية، أو تمثلات الهوية والذاكرة، أو جماليات اللغة والأسلوب، أو تجليات التاريخ والأسطورة، بما يسهم في الكشف عن أبعاد جديدة لهذه التجربة الإبداعية الثرية.

[1] شريط سنوسي، تجربة “المسردية” عند عز الدين جلاوجي (قراءة في المفهوم والمرجعية)، مجلة المقاصد في اللغة والأدب، المجلد 3، العدد 1، 2024، ص 100–113.

[2] بن خوية رابح؛ ختو الزهرة، المسردية رؤية في التشكيل الجديد للنص المسرحي لدى عز الدين جلاوجي، مجلة كلية الآداب واللغات، المجلد 6، العدد 1، 2020، ص 180–207.

[3] لعياضي محمد، آليات التجريب السردي في مسرحيات عز الدين جلاوجي – المسردية نموذجًا، مجلة مقاليد، المجلد 6، العدد 7، 2018، ص 119–126.

[4] جدع غنية، تداخل الأجناس الأدبية والكتابة عبر النوعية: تجربة عز الدين جلاوجي المسردية نموذجًا، مجلة فصل الخطاب، المجلد 11، العدد 4، 2022، ص 157–172.

[5] حسن بحراوي، بنية الشكل الروائي: الفضاء–الزمن–الشخصية، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط1، 1990، ص 77.

[6] حسن بحراوي، بنية الشكل الروائي: الفضاء–الزمن–الشخصية، مرجع سابق، ص 105.

[7] حسن بحراوي، بنية الشكل الروائي: الفضاء–الزمن–الشخصية، مرجع سابق، ص 132.

[8] المرجع نفسه، ص166.

[9] جيرار جينيت، عودة إلى خطاب الحكاية، ترجمة محمد معتصم، المركز الثقافي العربي، ط1، 2000، ص 39.

[10] عز الدين جلاوجي، الشجرة التي هبطت من السماء، منشورات المنتهى السداسي الثاني، ط1، 2024، ص18.

[11] هيمة عبد الحميد؛ هبال، كوثر. توظيف الأسطورة في رواية الشجرة التي هبطت من السماء لعز الدين جلاوجي. مذكرة ماستر، جامعة قاصدي مرباح ورقلة، الجزائر، 2026.

[12] سعيد يقطين، تحليل الخطاب الروائي (الزمن – السرد – التبئير)، الدار البيضاء / بيروت: المركز الثقافي العربي، ط4، 2005، ص: 25–60.

[13] حميد لحمداني، بنية النص السردي من منظور السيميائيات السردية، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط1، 2000، ص: 40–85.

[14] عبد الله إبراهيم، السردية العربية: بحث في البنية السردية للموروث الحكائي العربي، بيروت: المركز الثقافي العربي، 1992، ص: 15–55.

أضف تعليق

إنشاء موقع إلكتروني أو مدونة على ووردبريس.كوم قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑