حَيرةُ الفلسفةِ ما بينَ الأنْسَنة والحَيوَنة..

(من اللوغوس الأرسطي إلى الحيوان الداريدي والحياة العارية)

بقلم: حكمت الحاج *

قرأت باهتمام بالغ مقالة الباحث الكويتي الأستاذ علي بن نخي، المعنونة: «الغيوم ثيرانٌ تنطح الغروب: قراءة لكتاب جاك دريدا ‘الحيوان الذي هو أنا’»، والمنشورة في مجلة «البعد الخامس»، في عددها الثالث والعشرين، تموز/يوليو 2026 (تجدون رابط الحصول عليها أدناه). وقد أثارت المقالة في ذهني جملة من الملاحظات والأسئلة التي صغتُها في هذا التعقيب، لا من باب المنازعة، بل من باب الحوار مع نصّ فلسفي خصب، أرجو أن يتسع له صدر الباحث الشاب، كما تتسع له مساحة المجلة الغرّاء.

# بادئ ذي بدء، ينبغي الإشادة بالمقال المشار إليه، من جهتين على الأقل: أولاهما أنه مقال فلسفي بامتياز، لا يكتفي بعرض كتاب دريدا عرضًا تلخيصيًا، بل يحاول أن يستنطق طبقاته المفهومية المعقدة. وثانيتهما أنه نص طويل النفس، ممتلئ بمادة زاخرة تفتح أكثر من منطقة للمراجعة والتفكير وإعادة النظر في التراث الواسع الذي تركه لنا جاك دريدا، سواء في “التفكيك” بوصفه منهجًا نقديًا أدبيًا، أم في “التفكيك” بوصفه فلسفة أورو-أمريكية تشكّل واحدًا من مداميك الفكر الفلسفي المعاصر وتيارات ما بعد الحداثة.
غير أن ما يلفت النظر في مقالة الأستاذ علي بن نخي أنه لم يتوقف عند دريدا الناقد الأدبي، بل ذهب بنا إلى دريدا الفيلسوف. وهذا التحول في زاوية النظر مهم جدًا. فكثيرون دخلوا إلى دريدا من باب النقد الأدبي وحده: النص، التناص، الأثر، الاختلاف، اللعب، موت المركز، تفكيك الثنائيات، وما إلى ذلك من المفردات التي صارت مألوفة في الدرس النقدي العربي. لكن دريدا، في العمق، ليس ناقدًا أدبيًا يستخدم الفلسفة، بل فيلسوف يقرأ الفلسفة كما لو كانت كتابة، ويقرأ الكتابة كما لو كانت الحدث الأعمق للفلسفة.
لذلك فإن الانتقال من «دريدا الناقد» إلى «دريدا الفيلسوف» لا يلغي الأول، بل يعيده إلى أصله. فالتفكيك ليس تقنية لتحليل القصيدة أو الرواية فحسب، بل هو مساءلة جذرية لتاريخ الميتافيزيقا الغربية: الحضور، الأصل، الصوت، المعنى، العقل، الهوية، اللوغوس، الإنسان، الحيوان، القانون، الضيافة، السيادة، الموت، العدالة. ومن هنا تأتي أهمية كتاب دريدا «الحيوان الذي إذن أنا أكونه/أتبعه»، أو «الحبوان الذي أنا إياه» لا بوصفه كتابًا في الحيوان فقط، بل بوصفه كتابًا في الإنسان حين يعرّف نفسه بنفي الحيوان.

يفتتح الباحث علي بن نخي مقالته بتعريفنا بالكتاب موضوع القراءة، وبإلقاء الضوء على حيثيات تأليفه ونشره. والحديث هنا يدور حول كتاب الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا المعروف في ترجمته الإنكليزية بعنوان:
The Animal That Therefore I Am
أما عربيًا فقد تُرجم أو تُداول بصيغ متعددة، منها: «الحيوان الذي أنا عليه»، و«الحيوان الذي، إذن، أنا هو»، «الحيوان الذي إذن أنا موجود» ويمكن اقتراح صيغة أكثر استجابة للالتباس المقصود في العنوان الفرنسي: «الحيوان الذي إذن أنا أكونه/أتبعه». فالفعل الفرنسي suis يحتمل معنى «أكون» ومعنى «أتبع»، وهذا الالتباس ليس تفصيلًا لغويًا عابرًا، بل هو مركز اللعبة الفلسفية في العنوان. فدريدا يشتغل على صدى عبارة ديكارت الشهيرة: «أنا أفكر، إذن أنا موجود»، لكنه يستبدل مركزية الذات المفكرة بسؤال الحيوان: ما الحيوان الذي أنا إياه؟ وما الحيوان الذي أتبعه؟ وهل الإنسان خارج الحيوانية حقًا، أم أنه لا يعرّف نفسه إلا عبر تعقب الحيوان ومطاردته وإقصائه واستهلاكه؟
بهذا المعنى، يحتمل العنوان معنيين متداخلين. الأول: هو الحيوان الذي أنا إياه، أي إن الإنسان ليس خارج الحيوانية، بل هو شكل مخصوص منها. والثاني: هو الحيوان الذي أتبعه أو أتلوه، أي إن الإنسان يأتي بعد الحيوان، يتعقبه، يطارده، يتغذى عليه، ويؤسس تعريفه لذاته عبر إبعاده عن دائرة العقل واللغة والحق. وقد صدر الكتاب بالفرنسية بعد وفاة دريدا سنة 2006، ثم صدرت ترجمته الإنكليزية سنة 2008 بتحرير ماري لويز مولله، وهو مبني على محاضرات ألقاها دريدا سنة 1997 ضمن ندوة حملت عنوان «الحيوان الأوتوبيوغرافي».

ليست المسألة المركزية عند دريدا في هذا الكتاب دفاعًا عاطفيًا مباشرًا عن الحيوان، ولا مجرد امتداد لنزعة أخلاقية في «حقوق الحيوان» بالمعنى الشائع كما هو معروف إعلاميا بحالة الفنانة بريجيت باردو)، بل هي قبل ذلك تفكيك للكلمة نفسها: «الحيوان». فالغرب، في نظر دريدا، ارتكب عنفًا مفهوميًا حين جمع كائنات لا تُحصى، شديدة الاختلاف في أجسادها وحساسيتها وعوالمها وأنماط وجودها، تحت اسم مفرد واحد: وهو “الحيوان”؛ ثم وضع هذا الاسم في مقابل كائن واحد مرفوع إلى مركز السيادة، هو الإنسان.
من هنا نحت دريدا مفردته الشهيرة animot، وهي لفظة تلعب على تقارب animal وmot، أي الحيوان والكلمة. والمقصود أن «الحيوان» ليس كائنًا واحدًا، بل بناء لغوي وتصنيفي وسلطوي. إن الكلب، والقط، والحصان، والقرد، والأخطبوط، والفيل، والعقرب، والحوت، ليست «حيوانًا» واحدًا إلا داخل قاموس بشري يسعى إلى توحيد المختلف كله في كتلة واحدة، كي يبقى الإنسان وحده في الجهة المقابلة: جهة العقل، واللغة، والسيادة، والقانون.
ومن هنا يبدأ الخيط الفلسفي الأخصب: كيف يُصنَّف الكائن الحي بحسب امتلاكه أو حرمانه من القول، والألم، والحق، والظهور السياسي؟ منذ أن عُرّف الإنسان بوصفه «حيوانًا (ناطقا) ذا لوغوس»، صار من الممكن، في تاريخ طويل من الفلسفة والسياسة، أن يُحكم على الكائنات بحسب قربها أو بعدها من الكلام المعترف به. غير أن الأنظمة الشمولية في القرن العشرين ستقلب هذا التعريف ضد الإنسان نفسه. فهي لا تكتفي بأن تمنعه من الكلام، بل تمنعه حتى من أن يكون ألمه قابلًا للتصديق. وحين يُحرم الإنسان من اللوغوس ومن الاعتراف بالألم، يتحول إلى “حياة عارية”، إلى جسد مُدار ومسيطر عليه، إلى كائن في مزرعة سياسية حيث السلطة وحدها تتكلم، وحيث الضحايا لا يُصدرون، في نظرها، إلا ضجيجًا.
عند أرسطو، الإنسان ليس مجرد حيوان، بل هو الحيوان الذي يمتلك اللوغوس. غير أن اللوغوس هنا لا يعني الكلام بالمعنى اللساني الضيق وحده، بل يعني القول، والبيان، والعقل، والقدرة على التعليل، والتمييز بين العدل والظلم، والنافع والضار، والخير والشر. لذلك فإن الترجمة التراثية الشائعة: «الإنسان حيوان ناطق»، صحيحة من حيث التداول، لكنها قد تكون ضيقة إذا فهمنا النطق بوصفه مجرد التلفظ بالأصوات. الأدق أن نقول مع فلاسفة الحداثة المعاصرين إن الإنسان كائن حي يمتلك اللوغوس، أي يمتلك القول العاقل والقدرة على إظهار المعنى المشترك.
هنا يولد ربط عميق بين الكلام والسياسة. فالمدينة، عند أرسطو، ليست جماعة أصوات، بل جماعة لوغوس. ليست تجمعًا بيولوجيًا، بل فضاء للكلام المشترك. الحيوان يمتلك الصوت الذي يعبّر عن اللذة والألم، أما الإنسان فيمتلك الكلام الذي يكشف العدل والظلم، الخير والشر، النافع والضار. ومن ثم فإن من لا يُعترف له باللوغوس يبقى على تخوم المدينة أو خارجها.
غير أن هذه النقطة نفسها تحمل نفيا كامنا داخلها. فإذا كان الاعتراف السياسي مشروطاً باللوغوس، فما مصير من تُصادر سلطته على الكلام؟ وما مصير من يُقال إن كلامه ليس كلامًا، بل ضجيج، وتشويش، وخيانة، وجنون، وإرهاب، وهرطقة، ومرض؟ هنا يبدأ إمكان العنف. لا لأن أرسطو من دعاة الشمولية، بل لأن تعريف الإنسان باللوغوس يمكن، متى استولت عليه السلطة، أن يتحول إلى معيار إقصاء: من لا يُسمح له بالكلام لا يُعامل كإنسان كامل.
وهنا تتوضح صلة دريدا بأرسطو والخيط الرابط بينهما. فدريدا لا يناقش أرسطو وحده، بل يفكك تقليدًا فلسفيًا كاملًا بنى إنسانية الإنسان على خاصية مزعومة تميّزه عن «الحيوان»، ألا وهي: العقل، اللغة، الاستجابة، الوعي بالموت، الأخلاق، العري، المسؤولية، القدرة على الكذب، القدرة على السؤال، أو امتلاك العالم. هذا التقليد يمتد من أرسطو إلى ديكارت، وكانت، وهايدغر، ولاكان، وليفيناس، وفوكو وغيرهم. والمشكلة ليست في القول بوجود اختلاف بين الإنسان والحيوان، بل في تحويل هذا الاختلاف إلى سيادة ميتافيزيقية شاملة للإنسان على كل ما عداه.

فالتعريف الأرسطي يقول ضمنيًا إن الإنسان يساوي حيوان مضافاً إليه لوغوس. أما دريدا فيسأل: ماذا فعلت الفلسفة حين جعلت اللوغوس ملكية بشرية خالصة؟ وماذا خسرت حين جعلت الحيوان هو الطرف الناقص: كائنًا بلا لغة، بلا عقل، بلا استجابة، بلا عالم، بلا موت، بلا أخلاق؟ ثم أليس هذا النقص المزعوم هو ما سمح للإنسان بأن يؤسس سيادته على الحيوان، بل أن يؤسس صورة الإنسان عن نفسه عبر إقصاء الحيوان؟
لا يريد دريدا أن يقول إن الإنسان والحيوان شيء واحد؛ فهذا تبسيطٌ مُخلٌّ. بل يريد أن يسأل: من أعطانا الحق في أن نجمع الكائنات الحية غير البشرية كلها تحت اسم واحد؟ وهل الاختلاف بين الإنسان والحيوان اختلاف واحد حاسم، أم شبكة من الفروق والتدرجات والقدرات والعلاقات؟ وما الذي يحدث للإنسان حين ينظر إليه الحيوان؟
هنا تظهر عبقرية المشهد الداريدي الشهير، الذي أعاد سرده كاتب المقال نقلا عن الكتاب موضع النظر: دريدا عارٍ أمام قطته في الحمَّام. القطة تنظر إليه. لم تعد المسألة أن الإنسان ينظر إلى الحيوان بوصفه موضوعًا للمعرفة، بل أن الحيوان ينظر إلى الإنسان، فيضعه في موضع الحرج والعري والمسؤولية. هذه النظرة تهدم شيئًا من كبرياء الذات الفلسفية التي كانت تقول منذ ديكارت: «أنا أفكر، إذن أنا موجود». كأن دريدا يقول: قبل أن أقول «أنا أفكر»، ثمة حيوان ينظر إليّ، وثمة عري، وثمة خجل، وثمة علاقة لا أستطيع اختزالها إلى مفهوم.
وها هنا تتصل المسألة بما يسميه دريدا في سياقات أخرى “مركزية اللوغوس” (اللوغوسنتريزم)، أي جعل العقل/الكلام/الحضور/المعنى الواعي مركزًا للحقيقة. وحين تدخل مسألة الحيوان إلى هذا النقد، يصبح السؤال: هل كان الإنسان، حين عرّف نفسه بأنه «الحيوان الناطق»، يفكر حقًا في الحيوان؟ أم كان يستخدم الحيوان مرآة معكوسة لكي يرى نفسه أعلى، وأنقى، وأسمى، وأحق بالسيادة؟
يمكن تلخيص العلاقة بين أرسطو ودريدا في جملة واحدة: أرسطو يقول إن الإنسان حيوان يتميز باللوغوس، ودريدا يسأل: من قال إن الحيوان يمكن اختزاله إلى غياب هذا اللوغوس؟
غير أن دريدا ليس وحده في هذا المسار. فجيرمي بنثام، من داخل التقليد الفلسفي “النفعوي”، نقل السؤال الأخلاقي من العقل والكلام إلى الألم. لم يسأل: هل الحيوان يفكر؟ هل يتكلم؟ هل يمتلك عقلًا؟ بل سأل السؤال الحاسم: هل يتألم؟ هذه النقلة شديدة الأهمية لأنها تكسر احتكار اللوغوس للأخلاق. فالكائن قد يكون مستحقًا للاعتبار حتى حين لا يدخل في نظام القول العقلاني. معيار الأخلاق، عند بنثام، لا ينبغي أن يكون امتلاك الكلام، بل القدرة على المعاناة.

وهنا يمكن نقل السؤال إلى الإنسان المضطهد المقهور. فالسلطة الشمولية لا تمنع الإنسان من الكلام فقط، بل تمنعه من امتلاك ألمه. تجعله عاجزًا عن التعبير. فإذا تكلم قالت السلطة: هذا كذب. وإذا صرخ قالت السلطة: هذا ضجيج. وإذا تألم قالت: هذا تمثيل. وإذا مات قالت السلطة: هذا إجراء ليس إلّا. وبهذا المعنى، لا تصادر السلطة اللوغوس وحده، بل تصادر شرعية الألم. وهذه نقطة حاسمة: القمع الشمولي لا يكتفي بإسكات الضحية، بل يمنع ألم الضحية من أن يصير حقيقة عامة.
بعد بنثام سيأتي بيتر سنغر، في كتابه الحيوان “الليبرالي” في سياق أخلاقي آخر، ليبني على مركزية الألم والمعاناة في نقد التمييز النوعي. غير أن أهمية بنثام، في سياقنا، تكمن في أنه فتح الباب أمام قلب السؤال: ليست المسألة هل يشبه الحيوان الإنسان في العقل، بل هل يمتلك حساسية للألم. وبالمثل، ليست المسألة في السياسة الشمولية هل تمنح السلطة للإنسان حق الكلام، بل هل تعترف أصلًا بألمه بوصفه ألمًا، وبشهادته بوصفها شهادة، وبموته بوصفه فاجعة لا مجرد واقعة إدارية، على حد تعبير “سنغر”.
أما جورجيو أغامبن فينقلنا إلى المفصل السياسي الأشد. في مفهومه عن «الحياة العارية»، لا يظهر العنف السيادي في القتل وحده، بل في القدرة على تعليق القانون وإنتاج إنسان لا هو داخل القانون تمامًا ولا خارجه تمامًا؛ إنسان يمكن احتجازه، تعريته، نفيه، تركه للموت، أو التعامل معه كجسد لا كمواطن. الحياة العارية هي الحياة البيولوجية المنزوعة من غطائها السياسي والحقوقي.
إن الأنظمة الشمولية تحوّل الإنسان من ذات ناطقة إلى حياة عارية. المواطن يصبح ملفًا. المعارض يصبح حالة أمنية. السجين يصبح رقمًا. الجسد يصبح موضوعًا للإدارة والسيطرة. الاسم يُمحى ويحل محله التصنيف: خائن، عميل، منحرف، رجعي، عدو الشعب، عنصر مريض، خطر على الأمن، جرثومة، حشرة. هنا لا تقتل السلطة الإنسان فقط، بل تسبق قتله بعملية لغوية: تعيد تسميته بحيث يغدو قتله، أو سجنه، أو محوه، نتيجة منطقية داخل خطابها.
وهنا يظهر فوكو أيضًا بعد أغامبن، وإن لم يكن مركز هذه المقالة. فعبر كتابه “المراقبة والعقاب” تظهر لنا السلطة الحديثة كأنها لا تعمل بالقوة وحدها، بل بالتصنيف، والملف، والسجن، والمستشفى، والمدرسة، والمخبر، والشرطة، والإحصاء. إنها لا تقول دائمًا: سأقتلك. بل تقول: سأعرّفك، سأصنفك، سأراقبك، سأحوّلك إلى حالة، إلى رقم، إلى خطر، إلى ملف أمني. وحين ينجح هذا التحويل، يغيب الإنسان ويظهر «الملف». والملف لا يتكلم؛ الملف يُعالج.
بهذا المعنى، لا ينبغي أن نقول إن السلطة تجعل الإنسان «حيوانًا» بالمعنى الطبيعي أو البيولوجي؛ فذلك يعيد إنتاج الإهانة التي يفككها دريدا. الأدق أن نقول إن السلطة تنقل بعض البشر إلى الموقع الذي سبق للميتافيزيقا أن حبست فيه الحيوان: موقع الكائن المحروم من اللوغوس، المحروم من التعبير، المحروم من حق الألم، المحروم من الشكوى وأن يكون موضع مخاطبة واعتراف.
فالسلطة الشمولية تستعير ضد الإنسان البنية نفسها التي مارسها الإنسان، في تاريخه الميتافيزيقي، ضد الحيوان. إنها تجعل بعض البشر في موقع «الحيوان» لا بالمعنى البيولوجي، بل بالمعنى الخطابي والسياسي: كائنات لا يُعتدّ بقولها، ولا يُصدّق ألمها، ولا يُعترف بموتها بوصفه فاجعة. وهذا هو جوهر “الحيوَنة السياسية”: لا تحويل الإنسان إلى حيوان، بل إسقاطه في منطقة الحرمان التي اختُرعت فلسفيًا لتبرير السيادة على الحيوان. ومن هنا يمكن فهم مصطلح دريدا المركب: كارنو-فالوغو-سنتريزم carno-phallogocentrism، الذي يمكن تعريبه تقريبًا بـ«المركزية اللحمية-الفالوسية-اللوغوسية»، أو «الكارنو-فالوغومركزية». وهو تركيب نقدي يجمع بين ثلاثة امتيازات: امتياز أكل اللحم، وامتياز الذكورة والفحولة/السيادة، وامتياز اللوغوس/العقل/الكلام. والمقصود أن الذات الغربية السيادية لم تتكوّن فقط بوصفها ذاتًا عاقلة متكلمة، بل أيضًا بوصفها ذاتًا تملك حق القتل الرمزي والمادي، وحق استهلاك الجسد الحيواني وانتهاكه.
بهذا المعنى، يمكن القول إن الإنسان أكل الحيوان بعد أن أخرجه أولًا من دائرة المخاطبة. أو بعبارة أقسى: قبل أن يذبح الإنسان الحيوان بسكينه، ذبحه بمفهومه. سمّاه «حيوانًا» بالمعنى الاختزالي، جرّده من التفرد، وضعه خارج اللغة، ثم قال: لا يتكلم؛ إذن لا يحتج. لا يبرهن؛ إذن لا يملك حقًا. لا يوقّع عقدًا؛ إذن لا يدخل في العدالة. لا يردّ بل يصدر أصواتًا؛ إذن يمكن استعماله.
لكن ينبغي هنا الاحتراز من اختزال التاريخ كله في الفلسفة. فإن استعباد الحيوان وأكله سابقان على أرسطو وديكارت ودريدا؛ إنهما مرتبطان بالصيد والرعي والزراعة والبقاء والاقتصاد والطقس والأسطورة. غير أن الفلسفة منحت هذه الممارسات القديمة لغة تبريرية عليا. جعلت ما كان ممارسة مادية يبدو كأنه نتيجة طبيعية لترتيب الوجود نفسه. وهذا هو مكمن الخطر: حين تتحول الهيمنة إلى بديهية أنطولوجية.

في ضوء ذلك، يمكن أن نتحدث عن «الحيوَنة اللوغوسية» أو «التجريد المزدوج»: التجريد من الكلام والتجريد من الألم. فالسلطة حين تصادر كلام الإنسان لا تنتزع منه وسيلة التعبير فحسب، بل تنتزع منه موقعه الأنطولوجي بوصفه ذاتًا قابلة للمخاطبة. وحين تصادر ألمه، لا تنكر واقعة الألم وحدها، بل تنكر أهليته لأن يكون شاهدًا على ما وقع له. وبذلك يصبح قتله ممكنًا قبل أن يقع قتله فعليًا؛ لأن القتل الرمزي قد سبقه، عبر نزع الاسم، ونزع الصوت، ونزع الشهادة، ونزع الألم.
وهذا يفسر لماذا تخاف الأنظمة القمعية الديكتاتورية من الكلمة أكثر مما تخاف أحيانًا من السلاح. الكلمة تعيد الإنسان إلى موقع اللوغوس. تجعله شاهدًا لا موضوعًا، تجعله خصمًا لا مادة، تجعله مواطنًا لا جسدًا، واسمًا لا رقمًا. لذلك يكون أول عمل استبدادي هو التحكم باللغة: منع الصحافة ومصادرة التعبير، تجريم الهتافات والمظاهرات، تخوين القصيدة وشعرائها ومغنيها، مراقبة المسرح بكل أصنافه، وتدجين وتكميم الجامعات، ثم منع النكتة وسحق السخرية، ومصادرة الذاكرة. فالاستبداد يعرف أن من يحتفظ بحقه في الكلام يحتفظ بجزء من إنسانيته السياسية، حتى وهو في السجن.

ومن زاوية المفاهيم داريدية، يمكن القول إن السلطة تريد أن تمنع الأثر. تريد أن تجعل الضحية تموت بلا أثر، بلا كتابة، بلا شهادة، بلا أرشيف. فالقتل النهائي ليس قتل الجسد فقط، بل قتل إمكانية أن يبقى للجسد قول بعد موته. لذلك تصبح الكتابة، والشهادة، والأدب، والمسرح، والقصيدة، والأغنية، أعمال مقاومة، لا لأنها ترفع شعارات بالضرورة، بل لأنها تعيد للإنسان موقعه ككائن يُنتج معنى، لا كجسد قابل للمحو.
هنا يصبح استدعاء ثلاثية جورج أورويل وآرثر كوستلر موفقًا جدًا: «مزرعة الحيوان»، و«1984»، و«ظلام في الظهيرة». غير أن كل نص من هذه النصوص يؤدي وظيفة مختلفة في تحليل القمع الشمولي.
في «مزرعة الحيوان»، نرى كيف ينقلب خطاب التحرير إلى خطاب ترويض. الحيوانات تثور باسم العدالة، ثم ينتهي الأمر إلى سلطة جديدة تعيد إنتاج القهر. الأهم في هذه الرواية، بالنسبة إلى نقاشنا هذا، هو أن اللغة السياسية تتغير تدريجيًا: الشعارات تُعدّل، الذاكرة تُزوّر، والمساواة تتحول إلى امتياز. إنها رواية عن الطريقة التي يبتلع بها الخطابُ الثورة، وعن كيفية إعادة كتابة المساواة بحيث تصبح قناعًا للهيمنة.
أما رواية «1984» فتصلح لتحليل مصادرة اللوغوس نفسه: اللغة الجديدة، تزييف الحقيقة، تحويل التفكير إلى جريمة، وجعل السلطة قادرة على التحكم لا في الكلام فقط، بل في شروط التفكير. هنا لا يُمنع الإنسان من قول الحقيقة فحسب، بل يُدفع إلى فقدان القدرة على تمييز الحقيقة. هذه هي ذروة القمع اللوغوسي: ليس إسكات القول، بل تخريب اللغة التي تجعل القول ممكنًا.
أما «ظلام في الظهيرة» لآرثر كوستلر فتصلح لتحليل الاعتراف القسري والمحاكمة الأيديولوجية. الإنسان في هذه الرواية لا يُسكت فقط، بل يُجبر على أن يتكلم ضد نفسه بلغة السلطة. وهذا أخطر من الصمت. فالسلطة الشمولية لا تريد دائمًا إنسانًا أخرس؛ أحيانًا تريد إنسانًا يتكلم، ولكن بصوتها هي. تجعله يعترف، يبرر إدانته، ويشارك في سحق ذاته.
هكذا تعمل الثلاثية الروائية هذه بوصفها مختبرًا سرديًا للفكرة الفلسفية: في «مزرعة الحيوان» تعيد السلطة كتابة المساواة؛ في «1984» تعيد هندسة اللغة والحقيقة؛ وفي «ظلام في الظهيرة» تنتزع من الضحية اعترافًا يبارك إلغاءها. وما يجمع هذه النصوص الثلاثة هو أن الشمولية لا تكتفي بالسيطرة على الجسد، بل تريد السيطرة على القول، والذاكرة، والألم، والاعتراف، وإمكان التعبير عن القمع.
في الأنظمة الشمولية لا يُمنع الإنسان من الكلام فقط، بل يُنتزع منه حقه في أن يكون مصدرًا لكلامه. لا يُمنع من الألم فقط، بل يُنتزع منه حقه في أن يكون شاهدًا على ألمه. وبذلك تنجز السلطة شكلًا مزدوجًا من الحيوَنة السياسية: نزع اللوغوس من جهة، ونزع الاعتراف بالألم من جهة أخرى. فإذا كان أرسطو قد عرّف الإنسان بأنه الحيوان ذو اللوغوس، فإن الشمولية تعرّف ضحيتها ضمنيًا بأنها الكائن الذي لا يُسمع لوغوسه، ولا يُحسب ألمه، ولا يُسأل عن موته.

من هنا، ودائما مع جاك دريدا عبر علي بن نخي، لا تبدو «الحيوَنة» مفهومًا كافيًا ما لم نحرّره من دلالته الإهانية التقليدية. فليس المقصود أن الحيوان أدنى في ذاته، ولا أن الإنسان حين يُقمع «ينحط» إلى مرتبة الحيوان. هذا منطق ينبغي تفكيكه لا إعادة إنتاجه. المقصود، على وجه أدق، أن السلطة تكشف أن استباحة الحيوان واستباحة الإنسان تصدران من منطق واحد: منطق يجعل الحق تابعًا لامتلاك اللوغوس المعترف به من السيد. فمن لا يعترف السيد بكلامه، لا يُسمع؛ ومن لا يُسمع، لا يُحسب؛ ومن لا يُحسب، يمكن أن يُمحى.
وهذه هي الأطروحة التي يمكن أن نخرج بها من حوار دريدا مع أرسطو وبنثام وسنغر وأغامبن وأورويل وكوستلر: القمع ليس عنفًا سياسيًا فقط، بل عملية أنطولوجية ولغوية تسبق العنف وتجعله ممكنًا. السلطة لا تبدأ بقتل الإنسان، بل بإعادة تعريفه. لا تبدأ بإسالة الدم، بل بتجفيف المعنى. لا تبدأ بالمقبرة، بل بالقاموس. وحين ينجح القاموس في تحويل الإنسان إلى ضجيج، وملف، وخطر، وحالة، ورقم، يصبح العنف اللاحق نتيجة لا تبدو، في نظر السلطة، إلا إجراءً عاديًا.
لذلك فإن سؤال دريدا عن الحيوان ليس سؤالًا جانبيًا في الفلسفة، بل هو سؤال يمسّ مركز تعريف الإنسان لذاته. فالإنسان الذي بنى سيادته على حرمان الحيوان من اللوغوس، قد يجد نفسه، في ظل السلطة الشمولية، ضحية للآلية نفسها: يُحرم من القول، ثم من الحق، ثم من الألم المعترف به، ثم من الموت بوصفه فاجعة. عندئذ لا يعود التفكيك تمرينًا لغويًا، بل يصبح أداة لكشف البنية العميقة التي تجعل الاستباحة ممكنة، سواء تعلقت بالحيوان الذي أُخرج من دائرة المخاطبة، أم بالإنسان الذي أُخرج من دائرة المدينة.

إن أهمية مقالة علي بن نخي وفضلها علينا أنها أعادت فتح هذا الباب: باب دريدا الفيلسوف، لا دريدا الناقد وحده. ومن هذا الباب يمكن أن نذهب بعيدًا، من الحيوان إلى الإنسان، ومن اللوغوس إلى الألم، ومن الفلسفة إلى السياسة، ومن الميتافيزيقا إلى السجن، ومن السؤال الأخلاقي عن الحيوان إلى السؤال الشمولي عن الإنسان حين يُجرّد من حقه في الكلام ومن حقه في أن يكون ألمه مسموعًا.

# لمن يريد الإطلاع على أصل مقالة علي بن نخي، هاهي في موقع مجلة «البعد الخامس» على وفق الرابط التالي:

الغيوم ثيرانٌ تنطح الغروب

أضف تعليق

إنشاء موقع إلكتروني أو مدونة على ووردبريس.كوم قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑