* عن “منشورات كناية”، بواقع مائة صفحة من القطع الكبير، وبصيغتين: ورقية وأخرى إلكترونية، صدرت اليوم مسرحية:
الخَيَّاطَاتُ..
وهي تراجيديا في فَصلَين وَستَّةِ مَشَاهِد
من تأليف: الشاعر العراقي حكمت الحاج
(في مُعالَجَةٌ دراميَّةٌ مَلحَميَّة مُستَلَّةٌ مِن قَصصٍ قصيرةٍ للكاتبِ العراقيّ العالميّ محمَّد خضَيِّر)
* يتوفر الكتاب للعموم على وفق الصيغ التالية:
للقراءة مجانا وعلى مختلف الأجهزة والمحامل
https://www.calameo.com/read/0082200311aaa1d70f04e?authid=TjjIcAapkJOl
للتنزيل ككتاب “پي_دي_أف”
https://hikmet.tentary.com/p/eY0rkM
لاقتناء نسخة ورقية مطبوعة من الكتاب
https://www.lulu.com/shop/%D8%AD%D9%83%D9%85%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%A7%D8%AC-and-hikmet-elhadj/%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%8A%D8%A7%D8%B7%D8%A7%D8%AA/paperback/product-gjzgdvn.html?page=1&pageSize=4
وعلى أشهر المنصات العالمية لبيع وتداول الكتب الرقمية
https://books2read.com/u/mewXaA
* مَلْحوظَةٌ في فلسفة المعالجة و الإعداد:/
لقد اعتمدتُ في تأليف هذه المسرحيَّة على نظريَّة ليندا هتشيون في «نظريَّة المعالجة أو الإعداد» ( A Theory of Adaptation ) بوصفها مرشداً منهجياً لا قالباً ميكانيكيَّاً. هتشيون تُحرِّر المعالجة من قيد «الأمانة للأصل» (fidelity)، وتقترح أن نفهمها فعلَ إبداعٍ موازياً ( adaptation as creative process and as palimpsestic experience). هذه المعالجة ليست «تحويلاً» مجرَّداً للقصص إلى مشاهد؛ بل هي نسجٌ تناصِّيٌّ (intertextual weaving) ينطلق من قصَّة «أمنيَّة القرد» (مركز الجاذبيَّة ونقطة الارتكاز للعمل) ويستجلب إليها في حركةٍ بريشتيَّةٍ ملحميَّة شخصياتٍ وفضاءاتِ قصص «الشَّفيع»، و«المئذنة»، و«المملكة السوداء»، و«الأرجوحة»، و«الأسماك»، و«التابوت»، و«منزل النساء»، و«ساعاتٍ كالخيول»، و«الصرخة»، و«تاج لطيبوثة»، بحيث تتكثَّف كلُّها في وعي امرأتَين، مريم ومرمر، الخيَّاطتَين في معملٍ حكوميّ.
اخترتُ الجوقة (الكورس) بالمفهوم اليوناني (مُعلِّقاً، مُنذِراً باسمِ القَدَر، مُلخِّصاً) ممزوجاً بالمفهوم البريشتيّ (مُقاطِعاً، مُغرِّباً، مُخاطباً الجمهورَ مباشرةً). الإيقاع التراجيدي متدرِّجٌ في كارثيته: محادثاتُ نهارٍ خفيفة في ظاهرها، تَطوي تحتها قدراً يفترسُ بطيئاً. لكنَّ المدى الكونيّ للمسرحيَّة شِكسبيريّ، والكشفُ الأخير عن آلة الموت هو سترِندبَيرغيّ، والمسافةُ بين المُشاهِد والمنصَّة بريشتيَّة. اللغة فصحى دراميَّة، لا تُكتب كما تُكتب الرواية أو المسلسلات، بل كما ينبغي للحَنجَرة أن تَنطقَ في فضاءٍ مسرحيّ.
أهم بطلات المسرحية هي “ماكنة الخياطة” اليدوية بالعلامة الشهيرة Singer (ربّما سبعٌ منها للجوقة) وكان ثمَّة منها نوع يُدار باليد ونوع يُدار بالساق، ولم يكن يخلو منها بيت عراقي. وكانت المنافسة شديدة بين ماركة سنجر Singer (نساؤنا العراقيات كن يفضلن نطقها بالصيغة الصوتية صنگر) وبين الماركة العالمية الشهيرة الأخرى Butterfly (أم الفراشة) لكنني اخترت علامة Singer لأنها كانت الماركة المفضلة في عائلتي إبان فترة الستينات.
الإرشاد المسرحي الخاص بالإخراج:/
* تتوزّع جوقة الخيّاطاتُ السبعُ على مكائنهنّ في صفٍّ واحد. وليست المكائنُ كلها سواءً: فثلاثٌ منها «سنجر» سوداءُ ثقيلةٌ بدوّاسة، نُقِش على كلٍّ منها اسمُها الذهبيُّ وقد بهَتَ على قَدْرِ ما توارثَتْه من أيدٍ؛ لا تتشابهُ واحدةٌ بالأخرى، إذ لكلٍّ خدوشُها وعُمرُها وحكايتُها. والأربعٌ الباقيات من ماركة «الفراشة» حمراءُ العلامة، خفيفةٌ متماثلة، كأنها أتت من المعمل الحكوميّ. إلى “السنجراتِ” تجلسُ الكبرياتُ عُمراً ومَن ورِثْنَ المهنةَ عن أمّهاتٍ وجدّات؛ وإلى “الفراشاتِ” تجلسُ الصغيراتُ، ومريمُ ومرمرُ منهنّ. لا تُذكَرُ هذه المكائنُ وأنواعها في الحوار البتّةَ، ولا يُشارُ إليها بكلمة؛ غير أنّ تباينَها قائمٌ في المشهد منذ أوّلِ لحظةٍ تُرى فيها الجوقةُ، التي يمكن في كل الأحوال أن تمثل صوت القَدَر.
دخلت مكائن “سنجر/Singer” إلى العراق في العهد العثماني، وصار لها حضور واضح في الموصل وبغداد والبصرة مع مطلع القرن العشرين. أما Butterfly/الفراشة، الصينية الصنع، فالأرجح أنها دخلت العراق في أواخر الخمسينات، وشاعت في البيوت العراقية في الستينات بوصفها منافسًا عمليًا وأرخص سعراً أو أكثر إتاحة من “سنجر” الأمريكية الباهظة، ماكنة الأمّهات والجدّات والمهور الغالية عند العوائل الراقية؛ بينما “الفراشة” هي ماكنة المعمل الحكومي والزمن الاشتراكي، صينية رخيصة وبمتناول نساء الطبقة الوسطى العراقية.
أخيراً وليسَ آخِراً: الإرشاداتُ المسرحيَّةُ مفصَّلةٌ بقدر ما يكفي لتحديدِ مَنطِقِ المنصَّةِ والإضاءة، ولكنَّها مفتوحةٌ بقدر ما يَلزمُ لِيُسَهِّلَ للمخرجِ أن يَنحَتَ رؤيتَه الخاصَّة. الجوقةُ ـ بسبعِ ممثِّلات ـ تَقومُ بأدوارٍ مُتعَدِّدةٍ في كلِّ فصل، ممَّا يَختَزِلُ التَّعدادَ الكلِّيَّ للممثِّلين إلى نَحوِ سَبعَ عشرةَ ممثِّلاً وممثِّلة. الصمت عنصر أساسي في العرض المرئي على الركح الخشبي.
مَلحوظَةٌ ختامِيَّة:/
اعتمدتُ في النسجِ الأخير للنص المسرحي على توازنٍ بين قصصٍ من مجموعتين لكاتبنا الكبير محمد خضير: «أمنيَّة القرد»، و«الشَّفيع»، و«المئذنة»، و«المملكة السوداء»، و«الأرجوحة»، و«التابوت»، و«الأسماك» من “المملكة السوداء”؛ و«منزل النساء»، و«ساعاتٌ كالخيول»، و«الصرخة» و«تاج لطيبوثة»، من “في درجة 45 مئوي”؛ مع تلاوين وتحشيات من قصائد للشاعر المصري أمل دنقل والشاعر العراقي بلند الحيدري والشاعر الفرنسي آرثر رامبو والشاعر العراقي حكمت الحاج، بحيث يكون كلُّ مشهدٍ بمثابةِ «طِرْس» أو «شَفيفَة» (palimpsest) كما تسمِّيها ليندا هتشيون، تستشفُّ منها قصَّةً وتلامسُ تحتها قصَّةً وتسمعُ في حافَتِها قصَّةً ثالثة.
إن أحد الأهداف المركزية لدينا هو تفكيك النظرة الهرمية التي تجعل “الأصل” أسمى من “الاقتباس”. ففي الخطاب النقدي التقليدي، يُعامل الاقتباس بوصفه عملًا مشتقًا، يعيش في ظل نص سابق. هيتشيون ترفض هذا المنطق، ونحن كذلك. نحن نرى أن الاقتباس ليس عملية نقل ميكانيكية، بل هي إعادة كتابة خلاقة داخل سياق ثقافي وعبر وسيط، مختلفين.
الاقتباس عندنا ليس خيانة، ولا ترجمة حرفية، ولا اعتداء، بل هو “تكرار بلا استنساخ”، وهذا ربما يعني أن الاقتباس أو المعالجة أو الإعداد إنما يعيد تقديم سردية معروفة، لكنه يعيد تشكيلها دلاليًا وجماليًا وفلسفيًا، عَلى وِفقٍ جديدٍ. (حكمت الحاج).


أضف تعليق