تأملات (4)..

مارلين سعاده

(في الوقت والسرعة)
.

تَشوّهَ مفهومُنا للوقت، فقد ظنّ الناس أنّ قيمته تكمُن في سرعة العمل للاستفادة منه قدر الإمكان، واغتنامِه قبل أن ينفَد! والحقيقة هي أنّ قيمة الوقت تتجلّى في كيفيّة استخدامنا له، والتمتُّع بكلّ لحظةٍ منه، وعيشِها بملئها؛ فكلّما أسرعنا ونحن نستنفدُ إمكاناتِنا ظنًّا منّا أنّنا نكسب الوقت، فاتنا الكثير من جمالات اللحظة والعمر.
عند تحرّكنا لتحقيق هدفٍ مرجوّ، علينا أن نميّز بين السرعة المتهوّرة، والسرعة المتبصّرة، وذلك عن طريق تكريس الوقت الكافي لهذا الهدف، ليتمّ بنجاح؛ السرعة لا تعني دومًا تسجيل الوقت القياسيّ في تحقيق ما نريد، وإنّما التأنّي فيه، والعمل عليه بدقّة، ومنحه الوقت الذي يحتاجه.
نخسر الكثير من مباهج العمر حين نعبره مسرعين، فلنتذوّقه بهدوء ونهنأ به.
السرعة وجوهها عديدة، أكثرها شرًّا سرعة الغضب، والتصرُّف بعصبيّة، لذا، حين نغضب، علينا أن نتعلّم كيف نعطي أنفسنا الوقت حتى نهدأ، فنتّخذ حينها القرار الأسلم.
أجلُّ وجوه السرعة شأنًا وبهاءً، السرعةُ في انتشال غريق أو إنقاذ مخلوق مهدَّد… ما يعكس إنسانيّتنا وسموَّ روحنا.
إنّ حاجة أولادنا لوجودنا قربهم والإصغاء إليهم ومنْحِهم الوقت الكافي من يومنا، لا تقلّ أهمّيّة عن حاجتهم للغذاء، فلا تحرموهم عنايتكم متعلّلين بضيق الوقت؛ إن لم نحتضنهم كفاية في طفولتهم، لن نجدهم قربنا في شيخوختنا.
للوقت قدرةٌ عجيبة على شفائك من كلّ آلامك (نفسيّة وجسديّة)، فامنح نفسك الوقت الكافي لتبرأ.
لا يستطيع الوقت أن ينسينا من رحلوا وخسرناهم عَنوةً، لكنّ ألمَ فقدهم يعلّمنا الصبرَ على مُلِمّات الدهر ويشدُّ عزمَنا للتغلُّب عليها.
أسرِع في التمتُّع بكلّ لحظةٍ من عمرك قبل أن تذوي وتضمحل.
يسابق لاعب الكرة عدّادَ الساعة ليسدّدَ هدفًا حاسمًا، ويصارع الطبيب الوقتَ لإنقاذ مريض، ويجاهد الصحافيُّ لتحقيق سبْقٍ صحفيّ… ويبقى الهدف الأوّل من كلّ ذلك، تسخيرُ الوقت لما قد يمنح الإنسان السعادة والصحّة والأمان.
سرعةُ تطوُّر تكنولوجيا عصرنا المغلَّفة بمزاعم تحسين حياة الإنسان، شوّشت صفاءَ أذهننا وأثقلتها بابتكاراتها، فكانت نتيجتها خسراننا السلام الروحيّ.
يقال إنّ حياة الإنسان من الطفولة حتى آخر لحظة من عمره، تمرُّ في ذهنه كشريطٍ سريع عند مفارقته الحياة، فهل تكون تلك اللحظات هي الجنّة لأناس وجهنّم لآخرين؟!
لا تتسرّع في الحكم على أحد (بالخير أو بالسوء)، فقد تُريك الأيّام منه ما لم يكن ظاهرًا لك في بدايات معرفتك به.
سرعةُ تبدُّل أحوال الدهر تمنح الأمل لأناس وتُغرق آخرين في خضمٍّ من اليأس.
القرارات السريعة غالبًا ما تُنتِج الخسائر، فقد تودي بمستقبل أصحابها، وأحيانًا بحياتهم، ولطالما حكمت على مصير شعوبٍ برمّتها.
لا تكن سريعًا في تصديق ما يظهر لعينك، اِمنح نفسك الوقت، ودع الحكم للأيام.
أحيانًا نخطئ في اعتقادنا أنّنا نكسب الوقت، أو نصل سريعًا، عند اختيارنا الطرق القصيرة لتحقيق أهدافنا.
كن سريعًا في اتّخاذ القرار بالابتعاد عن كل ما قد يؤدّي بك إلى المزالق والرزايا…
قيل “في السرعة الندامة وفي التأنّي السلامة”، و”السرعة من الشيطان”، و”لا تسرع فالموت أسرع”… ومع كلّ هذه التحذيرات تُعمي السرعة عقول كثيرين وقلوبهم، فيسلّمونها مصيرهم، حتّى أنّها باتت سمة عصرنا المؤلَّهة!
صحيح أنّ الوقت والسرعة هما وجهان لعملة واحدة، ولكنّ قيمتهما لا تتحقّق غالبًا إلّا عند تسلُّط أحدهما على الآخر، فللوقت أحيانًا حكمٌ مبرمٌ يصدره متحكّمًا بوتيرة السرعة لصالح نجاح الهدف، وللسرعة ضروراتٌ أحيانًا تفرضها محطّمةً رفاهيةَ الوقت لتحقيق تفوُّقٍ باهر.

أضف تعليق

إنشاء موقع إلكتروني أو مدونة على ووردبريس.كوم قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑