نصوص..

أحمد الشيخ علي

1.
كتاب…

في كومة كتب قديمة وجدته، إنه كتاب قديم، غلافه الجلدي متهرئ، وليس له عنوان، ولا تحمل صفحاته الصفر ترقيما، كان موحشا كمقبرة، وفسيحا كصحراء، فتحته فطالعتني صفحة ليس فيها سوى كلمة واحدة: “اقرأني”.
شعرت أن الكتاب يتحدث إلي، لذا دفعت ثمنه الزهيد، وحملته إلى وحدتي.
….
أنام عادة بعد أن أطفئ مصابيح البيت، ثم آوي إلى فراشي، وأطفئ المصباح المنضدي القريب من وسادتي.
كان هناك ضوء قوي ينتشر في الصالة ويسيل بين الممرات ليدخل عليّ غرفتي.
كنت متأكدا من إطفاء جميع المصابيح، فمن أين جاء هذا الضوء؟
نهضت، وذهبت إلى الصالة، فوجدت الكتاب على الطاولة يتنفس وينبض، ومع كل نبضة كأنه يريق ضوءا دخانيا من حواشيه. وكنت كلما اقتربت منه، ينحسر الضوء وينسحب دخانه المتوهج ويخفت نبضه ويهمد نفسه، وقفت على بعد خطوات منه، وقد بدأ خوف غريب ينمو في صدري، وتصاعدت أنفاسي، ولكنني برغم ذلك اقتربت أكثر، ومددت يدي إلى حيث وضعت الكتاب على الطاولة التي تتوسط الصالة. كان باردا، وبلا حراك. تماما في موضعه الذي تركته فيه.
يبدو أنني كنت أتوهم ما رأيت قبل قليل، أقنعت نفسي، والتفت عائدا إلى غرفة نومي. لكنني سمعت همسا خافتا، كأنه فحيح: “اقرأني”.
توقفت، وكاد قلبي يتوقف أيضا، لقد وصلني الهمس ثانية، ولكن كما لو أنه يطوف في رأسي هذه المرة.
استعدت توازني، وتركت فكرة النوم وذهبت إلى الصالة، مدفوعا لقراءة هذا الكتاب.
أشعلت المصابيح وجلست إلى الطاولة، وبدأت بتقليب صفحات الكتاب.
لاحظت أن الصفحة التي أنظر فيها وأقلبها، ثم أعود إليها تتغير، مرة تكون الكتابة في الصفحة متواصلة الأسطر، ومرة ثانية تكون متفرقة الكلمات، وأخرى تكون الصفحة خالية إلا من كلمات قليلة متناثرة من غير انتظام.
لم أستطع تحديد مضمون الكتاب على وجه الدقة، كانت تختلط في رأسي الأفكار بشأنه، فهو كتاب يشبه كتب الأساطير، ويشبه أيضا كتب الطلاسم والتعازيم، ربما كان كتابا أدبيا قلت لنفسي، وربما هو كتاب سحر.
كان الوقت يقترب من الفجر، عندما سرت في جسدي رعشة بفعل الشتاء الذي كان يرسل رياحه في أزقة المدينة فتشهق أرواح الأشجار بطيورها، وترتجف درفات النوافذ فتنوس الستائر وأفئدة المسهدين.
كان البرد يعتصر جسدي، بينما تتكثف على جبيني قطرات من العرق، وتغيم عيناي فلا أدرك حقيقة ما أنا فيه من الضيق والضياع. كان العالم من حولي يتلاشى، وكنت معلقا خارج حدود الزمان والمكان.
لا أعرف كم مضى عليّ من الوقت عندما بدأت أدرك ما أنا عليه، كان ثمة ضجيج ولغط يملأ أذني، وكنت أنحني على كومة كتب على الرصيف، وبين يدي كتاب قديم متهرئ الجلد، لا عنوان له، وقد فقدت صفحاته الأولى. يتصاعد منه دخان عصور غابرة وأنين عصور ستأتي.
رميت به وقمت فزعا، وما أن خطوت مبتعدا حتى سمعت بائع الكتب يناديني، ويعرض علي أخذ الكتاب بلا ثمن، لكنني اكتفيت بالمضي في طريقي لأختفي في الزحام.

2.
حلم أو أكثر خيبة…

يمكن أن تكون حياتي محض حلم، أعني حياة أحد ما، ليس مهما من يكون، الذي يهم أن هناك من يحلم بنا جميعا، ونحن، أنا أو أي أحد نعيش في ذلك الحلم الطويل المرعب، نتحرك فيه، ونكبر، نتعارف، ونعقد صداقات، ونحب، ونتزوج ويصير لنا أبناء، يكبرون ويعيشون حياتهم بكل تفاصيلها، داخل هذا الحلم، الذي يحلمه أحد ما.
لا أدري تماما متى بدأ هذا الحلم، ربما قبل قليل، يبدأ الحلم من منتصفه، أو آخره، لا فرق، في الحلم نجد أنفسنا صغارا ونكبر، نجد آباءً وأمهاتٍ، أو لا نجد مطلقا، فقط نجد أنفسنا نتذكر أشياء نطلق عليها الماضي، ونمنحها زمنا يبعد أو يقرب، يحلم بنا أحدهم، ونحن في حلمه نحلم أننا هناك نحيا ونموت ويحل أناس آخرون بدلا عنا سيحلمون أيضا، تقع الحوادث، وتندلع الحروب، وتتغير أحوال الناس في عقولنا، أو داخل جمجمة أحدهم، يصدف أن يكون نائما ويحلم بكل هذا، وفي لحظة ما سيستيقظ، ويتذكر أو لعله سينسى كل شيء.
قد يكون الأمر أكثر خيبة، فليس ما يجري حلما، ربما يكون محض خيال يتوهمه أحدهم، أراد أن يكتب شيئا، فأغمض عينيه وراح يفكر بكل ما جرى، وما سيجري.
الأمر مثير للشفقة حقا، فقد يكتب ما يفكر به، أو لعله سيفتح عينيه، ويفكر بأمر آخر، وقد لا يكون هناك شيء من هذا كله لحظتئذ.

3.

The End…

كنا عدوين في الحرب نفسها، بيننا بركة من دم، وجذوع أشجار تدخن بصمت.
أطلق نحوي رصاصته الأخيرة، وكذلك فعلت أنا. كنت أصوب نحو رأسه، ولا أدري أين ستصيبني رصاصته.
رأيته يقع في بركة الدم، وكذلك أنا وقعت فيها.
لم يدم الأمر طويلا، عندما نهض وتقدم نحوي بخطى ثقيلة.
رأيته وقد حذفت رصاصتي عينه اليمنى ونصف جمجمته.
أما رصاصته فقد أحدثت ثقبا صغيرا في صدري ولكنها خرجت بقلبي كله من ظهري.
نهضت أيضا، وسرت نحوه ببطء، التقينا في منتصف المسافة، كنا نخوض في وحل من الدم والبراز، وعندما التقينا، مد يده وصافحني بقوة، سألته هل انتهت الحرب الآن؟
أجابني بلطف: أظن ذلك.
ابتسمت له، ومددت يدي في جيبي أبحث عن سيجارتي الأخيرة وعلبة الكبريت.
أما هو فقد التفت ومضى يدندن أغنية لم أسمعها من قبل. ولكنها لم تفارق ذاكرتي أبدا.

أضف تعليق

إنشاء موقع إلكتروني أو مدونة على ووردبريس.كوم قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑