قراءة في مسرحية “الكيخوطي” لحكمت الحاج
عبد الجليل حمودي
.
كانت جدتي مرّة تغزل الصوف خيوطاً دقيقة. تدير المغزل على ساقها بعناية والقطة تلاحظ حركاتها متأهبة ظناً منها أنها تلاعبها، وفجأة قفزت على المغزل فانصرم الصوف من يديْ جدتي وتخبّل الخيط. نهرت جدتي القطة بشتى أصناف الشتائم وطفقت تعيد تنظيم الخيوط المخبّلة بتركيز لكن الغريب أنّ علامات السعادة تبدو ظاهرة على محيّاها فكأنّ عملية تخبيل الخيط أعجبتها دون أن تعلن بذلك للقطة.
هذه حال حكمت الحاج وهو يغزل الخيط الدرامي لمسرحيته “الكيخوطي”، إذ كانت مسرحية مخبّلة لا تعرف بدايتها من نهايتها، قدّها الكاتب كدّ رويّة وذلك هو الفرق بينه وبين جدتي. فإذا كان تخبيل خيط الصوف عند جدّتي عملية غير واعية، فإنّ تخبيل الخيط الدرامي عند حكمت الحاج عن سابق إصرار ووعي منه. إنّه يخادع القارئ بأن جعله يتوهّم أن المسرحية لا منهج لها. لا تسير وفق خطة محكمة. فيضيع في ثناياها ويتوقّف ليتأكّد من تعرّفه إلى الطريق السليم. يسائل نفسه مرّات عن هذه الأحجيات التي أغرقه فيها الكاتب. فيكدّ في السؤال ويعمل عقله عند القراءة بل يشارك الكاتب في صياغة المسرحية وتلك لعمري بعضٌ من أهداف حكمت الحاج ومراميه.
إنّ الناظر في هذه المسرحية بالذات يدرك إبداعها في تخبيلها الفني. وإذا أردنا أن نرسم المسرحية رسما بيانيا سنتحصّل على شكل مخطوط خطّه طفل صغير كان أول مرة يمسك فيها قلما.
تخبيل العنوان
إنّ التخبيل اكتسح كلّ جوانب المسرحية بدءاً بالغلاف من خلال العنوان: جاء العنوان على قسمين: قسمٍ أوّل ورد لفظاً واحداً “الكيخوطي” وهو في حكم علم الصرف اسم نسبة منسوب إلى الكيخوط. ولا يجد القارئ الحصيف كبير عناء في العودة بذاكرته القرائية إلى رواية “دون كيخوت” للروائي الإسباني “ميغيل دي سيرفانتس سافيدرا”. إنّ ذلك يوهم بأنّ شخصية المسرحية تماهي شخصية الرواية لكنّها تختلف عنها. تنتسب إليها. هي امتداد لها. ولعلّنا نقول إنها ظلها المعاصر. تصبح شخصية الرواية لا تمثّل ذاتها في زمنها الغابر بل تفيض على بقية العصور وقد تكون هي الشخصية التي تطلّ على الإنسانية في رأس كل قرن تملأ العالم عدلا كما جاء في الأثر. وقسمٍ ثان ورد عنوانا صغيرا ” فارس الظل الحزين يترجل” جملة اسمية ناقَض آخرُها أوّلَها (يترجل ≠فارس). هذه الضدية تعلن عن عبثية ما تحكم مسار الشخصية نتعرف إليها عند تحليلنا لمتنها.
تخبيل اللغة
إن اللغة فقدت وظيفة التواصل في المسرحية وهي وظيفتها الأساسية كما حدّدها جاكبسون فالحوار المعقود عليه تجسير الهوّة بين الشخصيات تواصليا لم يعد يؤدي تلك المهمة فهذا المقطع على سبيل المثال تتحاور فيه شخصية الأستاذ مع شخصية القناع 1 وكلتاهما لا تعير اهتماما لما تقوله الأخرى
) الأستاذ (وأخيرا نزل المسافرون، فركبنا سيارة أجرة تدفع
بنا إلى فندقٍ فيه حمام زاجل زاهٍ لونه وحروفه ساكنة في
صندوق موحّد مع أحذية قديمة على سبيل الاستعارة
(القناع1) عجيب هل هذا صحيح؟
(الأستاذ) إنه ماس حقيقي يستطيع الإنسان على ضوئه
تمييز الحق من الباطل حتى وإن كان الحق غير محتمل
الوقوع أو مشابها للباطل في أحيان كثيرة
ناهيك على أنّ الكاتب يستفيد من نظرية التقليب الخليلية فيتلاعب باللغة كما يشاء ولئن كانت البنية الفورمولوجية للغة العربية تسمح بمثل هذا التلاعب بل قد عدّه الكثير في بعض العصور دليل إجادةٍ وإتقانٍ فإنه أضحى في هذه المسرحية تشتيتا للمعنى مقصودا حتى لكأنّ المعنى لم يعد ذلك المطروح على الطريق يتلقّفه الإنسان أنّى شاء إنّما هو مسار صعب في طريق وعرة قد لا تؤدي إلى ما يروم الإنسان بلوغه ولذلك اتّهم الأستاذ القناع 1 بالتلاعب بالألفاظ فيردّ الثاني التهمة عنه: أنا لا ألعب بالكلمات. إنّ الفويرقات بين الصواتم نطقًا أو الحروف كتابةً قد تقذف المعنى من جهة إلى أخرى مناقضة (مختلفة مختلقة) أو (الكيخوطي الكيخوتي الكايخوطي الكوخوطي الشوشوطي المشروطي الشرموطي) أو (سرّ قوته سرقوتة) أو (وحيد القرن وحيد الفرن). يكاد يتلاشى المعنى في محاولة منه إيجاد فضاء خارج اللغة في عبثية لا تتوقّف لكن الفشل دائما ما يجعله يعود إليها مهما تعدّد. وصفة التعدّد الناخرة للمعنى قد تتجاوزه إلى تعدّد اللغات أو اللهجات. اللغة واحدة واللهجات تعدّدت إعلانا عن التفرقة وإنذارا بتلاشي اللغة لأن في تلاشيها ضياع للهوية واندثار للإنسان. جاءت هذه الجمل في المسرحية: شنو يعني؟ ايش نسوّي للظروف؟ حلو برشا. ثلاث لهجات للغة واحدة توحي بتخبيل لهجي قد يثري النص أسلوبيا لكن قد ينذر بتفريق المفرّق وتجزئة المجزّإ كما أسلفنا
تخبيل المكان تخييل الزمان
لئن كانت الشخصية تتجول في الرواية من مكان إلى آخر في نوع من الإمكانية الواقعية فإنّ الكيخوطي رابض في مكانه لم يستقل إلا مرة القطار للتحول عبر الأمكنة أو عندما تحدث عن سفرته بالطائرة إلى تركيا عدا هذين المثالين فإنّ الشخصية مستقرّة في مكانها ومع ذلك نجد المسرحية تعجّ بالأمكنة شرقا وغربا من حدود العراق إلى الجزيرة الأيبيرية مرورا بمصر وتونس. أمكنة لها وقع تاريخي ملموس مثّلت سلطة العرب المسلمين قديما وسيطرتهم على العالم. لعلّ الشخصية تبحث عن ذاتها في تاريخها أو إن الحاضر أنهكها فلجأت إلى الماضي تختبئ فيه من تصاريف الحاضر أو إنها هي هي مازالت منذ الماضي لم يقرّ لها قرار في الوجود فربطت الأمكنة بعضها ببعض لتوحّد شضاياه ولتصبح المأساة كونية تعم الجميع فتخفّ وطأتها على الذات. إنها الذات الجمع التي تسكن أجسادا مختلفة في أماكن متباعدة وأزمنة متضاربة تمخر عباب الوجود في قلق أبديّ بحثا عن الحرية والمعرفة وهو ما يتّضح من خلال تخبيل الشخصيات
تخبيل الشخصيات
لا نقصد بالشخصيات هنا التي تلعب أدوارا في المسرحية وإنما نقصد الشخصيات المستحضرة داخل الخطاب المسرحي. وتنقسم هذه الشخصيات في اعتقادنا إلى قسمين: أولٍ شخصيات لها بعدها التاريخي في عمق الوجدان العربي (سيف بن ذي يزن وعنترة بن شداد والظاهر بيبرس وحمزة البهلوان وعلى الزيبق والزير سالم وأبو زيد الهلالي وحسان التبع) فهم جميعاً أبطال “السير الشعبية العربية”. التي هي ملاحم أدبية صيغت عبر القرون لتتحول من مجرد أحداث تاريخية أو حكايات واقعية إلى أساطير تروي قصص البطولة والشرف والدفاع عن الحق. إنهم أعمدة الذاكرة الحكائية العربية. هم الرموز الفنية التي اختزل فيها الإنسان العربي أحلامه في العدالة، والحرية والكرامة عبر العصور. هذا التخبيل للشخصيات يلتقي مع الكيخوطي في هذه المسرحية ودون كيخوت في الرواية المذكورة لتأسيس قيم أجمع الإنسان أنها أسس وجوده. هؤلاء هم من نحتوا كيان الإنسان في هذا الوجود.
وقسم ثانٍ يجمع بين إبراهيم طايبيلي وسيرفانتس انتميا إلى حضارتين مغايرتين لكنّهما التقيا في البعد الوجودي للقيم الإنسانية الجمعاء رغم أنّ السياق العام سياق موبوء اتّسم بالعداوة القصوى. فلئن كان سيرفانتس ينتمي إلى الحضارة الطاردة فإنه اعترف للموريسكيين بدورهم التاريخي في بناء حضارة عظيمة في اسبانيا ولئن كان إبراهيم طايبيلي ينتمي إلى الحضارة المطرودة فإنه اعترف لسيرفانتس بإبداعيّته واستحقاقه أن يترجم روايته ويحافظ على وجودها في العالم
التخبيل: الجنون
نحتنا فيما سبق مصطلح التخبيل وربطناه بالخيط الدرامي واستعرنا ذلك من تخبيل الخيط الحقيقي فاكتشفنا أن الكاتب لا يسير على نهج تقليدي فيوهم بالتداخل الفوضوي بين أركان المسرحية وأواصرها إلا أن ذلك يبقى دائما في إطار الوهم لأنّ التخبيل كان عن وعي وإعلان عن عبث مدروس بما هو وجهة نظر أسلوبية ومضمونية تواجه الحياة وتفعل فيها. هذا التخبيل الأسلوبي والبنيوي يعكس التخبيل بمعناه المعتاد ألا وهو الاندراج ضمن الجنون منزعًا ضد العقل الذي خلق إنسانا يتسلّط على إنسان وضد العقلانية التي أضرت بالإنسان ولم تحقق له النتائج التي وعدته بها الحداثة. ويظهر ذلك في المسرحية من خلال شخصية الأستاذ المتّهم بالجنون والمنقاد إلى عيادة الطبيب عنوة كي يعالجه ويكشف الحوار بين الأستاذ وحبيبته عن نقد زيف الخطاب الحضاري الغربي أو الحديث وتعرّي توحشه. وتتحوّل مسرحية إلى مرثية حضارية تدين أولاً العصر الحديث القائم على الكراهية وتدمير الإنسانية، وتصوّر ثانياً تراجيديا الإنسان العربي الحامل لإرث الانكسار من غرناطة إلى بغداد. إنها مسرحية تمزج بين يأس الضحية وإصرارها على طلب السيف، بين الرغبة في الموت (النوم والظلام) والشهوة العميقة للوعي (الفهم والمعرفة).
الخاتمة
من خلال هذا التحليل لمسرحية “الكيخوطي” للكاتب حكمت الحاج، يمكن استنتاج عدة رؤى فنية عميقة تتمحور حول مفهوم “التخبيل” كمنهج درامي مقصود، وهي كالآتي:
التخبيل كفعل إبداعي واعٍ: الاستنتاج الأساسي هو أن “التخبيل” في خيوط المسرحية ليس عفوياً أو فوضوياً، بل هو فعل مقصود وبوعي كامل من الكاتب. يهدف الحاج من خلاله إلى مخادعة القارئ وإخراجه من دور المتلقي السلبي ليكون شريكاً في صياغة المسرحية وفك أحجياتها.
استحضار الرموز والتماهي مع “دون كيخوت”: المسرحية تُعد امتداداً معاصراً لشخصية “دون كيخوت” لـ “سيرفانتس”، حيث يظهر بطلها كفارس ظل حزين يعبر العصور. هذا الربط يمتد ليشمل أبطال السير الشعبية العربية (مثل عنترة والزير سالم) لترسيخ قيم العدالة والحرية والكرامة كأعمدة للذاكرة والوجود.
اللغة كوسيلة لتشتيت المعنى وتجسيد الضياع: إن اللغة في المسرحية فقدت وظيفتها التواصلية التقليدية. الكاتب يتلاعب بالألفاظ واللهجات المتعددة ليعلن عن تلاشي اللغة وانقسام الهوية، مما يعكس عبثية الوجود وصعوبة الوصول إلى معنى مستقر في واقع متشرذم.
المكان والزمان كمرآة للمأساة الكونية: رغم ثبات الشخصية في مكانها جسدياً، إلا أنها تجوب أمكنة تاريخية (من العراق إلى تونس إلى الأندلس)، مما يشير إلى أن الشخصية تعيش قلقاً أبدياً وتبحث عن ذاتها في التاريخ للهرب من وطأة الحاضر. هذا الربط يجعل من المأساة الفردية مأساة كونية تجمع شتات الذات العربية.
الجنون كأداة لنقد الحداثة: يُستنتج أن استخدام “الجنون” (من خلال شخصية الأستاذ) هو موقف فكري ضد “العقلانية الزائفة” التي لم تحقق للإنسان وعودها. المسرحية تتحول في النهاية إلى مرثية حضارية تدين توحش العصر الحديث القائم على الكراهية، وتصور تراجيديا الإنسان العربي الممتدة من غرناطة إلى بغداد.
إنّ المسرحية محاولة فنية لنسج واقع بديل يتداخل فيه الوهم بالحقيقة، والماضي بالحاضر، لإدانة زيف الخطاب الحضاري المعاصر والبحث عن جوهر القيم الإنسانية الضائعة.

أضف تعليق