من كتاب السرائد..

.
(مصائر ..)
.

أحمد الشيخ علي

1
في الستين من أعمارهم، وربما أكثر من ذلك يتقاعد الموظفون. تلك هي مصائرهم، ينتهون من أعمالهم، ويغادرون مكاتبهم، وليس في حوزتهم سوى ذكريات لا تنسى، كأنها ألبوم صور، ليس فيه سوى صورهم التي تتكرر بنفس مبهور دائما، وكل ما يتذكرونه منها يعود بهم إلى الطرق، والممرات، والغرف، والمكاتب، والخزانات، والأضابير نفسها. ستكون الوجوه التي رأوها حاضرة في ذكرياتهم، والقصص والأحداث والمواقف التي لم تعد تثير الحزن ولا الضحك، لكثرة ما استعملوها وهم يعيدون سردها مع أنفسهم، أو في ما بينهم، عندما يلتقون مع بعضهم مصادفة، أو بموعد يخططون له بعناية.
الموظفون يتقاعدون وتبقى وظائفهم يشغلها آخرون أصغر سنا. وسيكبر هؤلاء ويتقاعدون، وتبقى الوظائف محفوظة، يا للسخرية، كأنها ودائع ثمينة، لا ينبغي التفريط بها أبدا.

***

2
صديقي، وهو جاري في الحي الذي أسكنه، وزميلي منذ أيام الدراسة الابتدائية، لم يكد يبلغ الخمسين من عمره عندما أبلغوه بانتهاء عمله، وضرورة تسليم عهدته، وأنه سيحال على التقاعد. ليس لأنه أصبح عجوزا، ولا بسبب تقصيره بعمله، ولكن لأن وظيفته لم تعد موجودة في النظام الإداري.
“الأمر ليس شخصيا”، قال له مديره، وأضاف متشاغلا بتقليب مجلة مصورة بين يديه: “كل سعاة البريد الذين بلغوا الخمسين من أعمارهم سيغادرون الوظيفة”.
لقد حُسم الأمر، وعليه أن يذعن بامتنان، فسوف يحصل على مكافأة إنهاء خدمة، ربما تعينه على اقتناء دراجة هوائية، وكتاب شكر بتوقيع مديره شخصيا.
لم يكن لديه ما يجادل به. فآثر الصمت الذي لازمه دائما. صديقي هذا منذ عشر سنوات لم ينطق ولو بكلمة واحدة، بعد أن سلم عهدته بما فيها دراجته وحقيبته الجلدية وبدلته الزرقاء. لكنه دأب على أن يستيقظ صباح كل يوم، ويرتدي بدلة ساعي البريد التي خاطها على نفقته، ويحمل حقيبة صنعها بنفسه، يحشوها برسائل يسهر على كتابتها حتى وقت متأخر من الليل، ويطرق أبواب البيوت، ليسلم أصحابها رسائل لم ينتظروها من أحد.

***
3
يحدث أن يكون الأمر مختلفا نوعا ما، وهذا ما حصل مع أبي. كان يافعا، عندما اقتادوه إلى الحرب، كنا صغارا أنا وإخوتي، كنا صغارا جدا، لم نكن لنُرى بالعين المجردة، وكانت أمي يافعة هي الأخرى، عندما وجدت نفسها تعمل في مستشفى ميدان على تحوم الحرب. كل ما عليها فعله فيه، سؤال الجنود الجرحى عن أسمائهم، قبل أن تتوقف قلوبهم.
كان أبي يافعا جدا، عندما أدخلوا نصفه إلى خيمة المستشفى، كان فاقدا ساقه اليمنى، وذراعه اليسرى، وبلا عينين، لكنه كان ما يزال وسيما، ولا يكفّ عن الكلام.
تحدث طويلا عن الحرب، التي انتهت منذ زمن بعيد، تحدث عن الجنود الذين عادوا، تحدث عن الأحياء، وتحدث عن الموتى، أما الموتى الأحياء، فكان أبي أكثرهم حظا، لقد عادت به أمي بحقيبتها، وصارا زوجين مخلصين. ولم يفتهما أن يحملا معهما الحرب التي انتهت هناك، إلى بيتهما المرمي في العراء بعيدا.
أنجب أبي الأعمى ذو الساق اليسرى، والذراع اليمنى أربعة أبناء أنا أكبرهم.
هناك تقاعدت الحرب، وما زال أبي ينام بمقدار حبة دواء مرة واحدة في اليوم، ويأكل نفسه ثلاث مرات، ولا ينسى أن يتحدث مع أمي عن الحرب التي لم يتقاعدا منها، هذه الحرب التي ابتلعتنا جميعا.

***

أضف تعليق

إنشاء موقع إلكتروني أو مدونة على ووردبريس.كوم قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑