.
هذه هي رواية “الحارس في حقل الشوفان” للروائي الأمريكي الأشهر جيروم سالينجر J. D. SALINGER (الطبعة السابعة عشرة، أبريل 1961) الصادرة عن منشورات Signet. تصميم الغلاف: جيمس أفاتي. جاء على غلاف هذه الطبعة (انظر الصورة المرفقة): “قد يصدمك هذا الكتاب الاستثنائي، وسيجعلك تضحك، وقد يحطم قلبك، لكنك لن تنساه أبدًا”. والأهم من هذا كله، ملاحظة وردت على الغلاف إذ يؤكد الناشر ان الكتاب الذي بين يديك هو (كامل وغير مختصر) Complete and Unabridged .
ولكن مهلا: ماذا يعني كل ذلك؟
* «كاملة وغير مختصرة»: ملاحظة صغيرة على غلاف رواية كبيرة، قد تعني الكثير من الأثمان..
بقلم: حكمت الحاج *
على غلاف إحدى طبعات الجيب القديمة من رواية ج. د. سالينجر الشهيرة The Catcher in the Rye، الصادرة عن منشورات Signet في طبعتها السابعة عشرة، نيسان/أبريل1961(يمكن الحصول على نسخة منها بسعر زهيد من سوق المزاد العالمي eBay) استوقفتني عبارة تبدو للوهلة الأولى تجارية عابرة، لكنها في الحقيقة تفتح بابًا نقديًا وببليوغرافيًا بالغ الأهمية: “Complete and Unabridged، كامل وغير مختصر” .
قد تبدو العبارة للعين العابرة مجرد وعد من الناشر، أو نوعًا من الطمأنة التسويقية للقارئ الذي يشتري كتابًا شعبيًا رخيصًا من كتب الجيب. غير أن هذه الطمأنة نفسها تكشف عن قلق دفين في تاريخ النشر: قلق النسخ المختصرة، والطبعات التجارية، والكتب المعدّة للطلاب، والملخصات، والطبعات المنقّحة، والنسخ المحذوفة، بل حتى الطبعات المزورة أو الملتبسة. فحين يضع الناشر على الغلاف أن هذا الكتاب «كامل وغير مختصر»، فهو لا يصف الكتاب فحسب، بل يلمّح ضمنيًا إلى وجود طبعات أخرى قد لا تكون كذلك.
صفحة الناشر الحالي تذكر أن الرواية صدرت أولًا في 16 تموز يوليو عام 1951 عن الناشر Little & Brown، وهي نقطة مهمة لأن طبعات Signet الورقية اللاحقة جاءت بعد صدور الطبعة المعتمدة من المؤلف بنفسه، أو ما يعرف في قطاع النشر بمصطلح “الأصل الصلب”.
ومهم أن نعرف أنه في سوق الكتاب الأميركي الشعبي، ولا سيما في خمسينات وستينات القرن العشرين، كانت كتب الجيب ذات الأسعار الزهيدة تراوح في منطقة وسطى ما بين الثقافة الجادة والنزعة الاستهلاكية الطاغية في المجتمع الرأسمالي. فهي من جهة تجعل الأدب الكبير النخبوي متاحًا لجمهور أوسع، ومن جهة أخرى تضع النص الأدبي داخل آليات السوق: الغلاف الصادم، العبارة الجاذبة، السعر الرخيص، والإيحاء بأن القارئ على وشك الدخول إلى تجربة غير مألوفة. ومن هنا نفهم تلك العبارة المثيرة على الغلاف: «قد يصدمك هذا الكتاب الاستثنائي، وسيجعلك تضحك، وقد يحطم قلبك، لكنك لن تنساه أبدًا».
هذه الجملة، بكل ما فيها من مبالغة تسويقية، لا تخلو من صدق. فرواية سالينجر صدمت فعلًا، وأضحكت فعلًا، وكسرت قلوب قراء كثيرين فعلًا، وظلت من تلك الكتب التي لا تمر في الذاكرة مرورًا عابرًا، لكنها في الوقت نفسه جملة تضع الرواية في إطار تجاري واضح: الرواية بوصفها تجربة عاطفية شديدة، لا بوصفها بناءً فنيًا ولغويًا بالغ التعقيد. وهذا ما يجعل الغلاف نفسه وثيقة ثقافية لا تقل أهمية عن النص، لأنه يكشف كيف أراد سوق النشر الشعبي (الشعبوي ربما) أن يقدّم هولدن كولفيلد إلى القارئ، لا بوصفه وعيًا روائيًا مضطربًا ومأزومًا، بل بوصفه بطلًا غير عادي في كتاب «قد يصدمك».
أما عبارة Complete and Unabridged فهي، من هذه الزاوية، أكثر من مجرد تفصيل طباعي. إنها تقول للقارئ: لا تخف من رخص الطبعة؛ هذه ليست نسخة مشوهة ولا تلخيصًا مدرسيًا ولا اختصارًا أخلاقويا مهذبًا. إنها الرواية كاملة كما ينبغي أن تُقرأ. لكن هل يكفي ذلك؟ في السياق الإنكليزي ربما تكون العبارة مطمئنة إلى حد بعيد، لأنها تعني أن طبعة Signet لم تقدم نصًا مختصرًا من الرواية، بل قدمت النص الكامل المتداول والمعتمد تجاريًا. غير أن الأمر يصبح أكثر تعقيدًا حين ننتقل إلى الترجمات العربية لرواية سالينجر الشهيرة.
فمن يدرينا، على وجه الدقة، من أي طبعة أُخذت الترجمة العربية؟ هل أُخذت من الطبعة الأصلية الصادرة عن Little & Brown؟ أم من طبعة جيب شعبية لاحقة؟ أم من نسخة مدرسية؟ أم من طبعة منقحة؟ أم من نص وسيط وصل إلى المترجم دون ضبط ببليوغرافي واضح؟ هذه ليست أسئلة شكلية، بل أسئلة تمس جوهر العلاقة بين النص الأصلي والنص المترجم. فكثير من الترجمات العربية القديمة، ولا سيما في عقود سابقة، لم تكن تعنى دائمًا بذكر الطبعة المعتمدة، ولا بتاريخ النشر، ولا برقم الطبعة، ولا بطبيعة النص: هل هو كامل؟ هل هو مختصر؟ هل هو مأخوذ عن الأصل مباشرة؟ هل هو مترجم عن لغة وسيطة؟ هل هو منقح وفق اعتبارات أخلاقية أو تعليمية أو رقابية؟
هنا تظهر المشكلة الكبرى في ترجمة رواية مثل “الحارس في حقل الشوفان” The Catcher in the Rye. فهذه ليست رواية تقوم على الحكاية وحدها، بحيث يمكن اختصار بعض المقاطع ويبقى «المضمون» قائمًا. وليست رواية أحداث كبرى يمكن تلخيصها دون خسارة قاتلة. إن عظمتها، أو جانبًا أساسيًا من عظمتها، يكمن في الصوت: صوت هولدن كولفيلد، ذلك الفتى القلق، الساخر، المضطرب، الحانق، المرهف، الفج، الرقيق، والمتناقض في آن واحد. إن الرواية لا تُروى لنا من الخارج؛ إنها تنبثق من داخل هذا الصوت. فإذا ضاع الصوت، ضاعت الرواية حتى لو بقيت الأحداث كاملة.
لذلك لا يكفي عند فحص أي ترجمة عربية لهذه الرواية أن نسأل: هل عدد الفصول كامل؟ هل بقيت الوقائع الأساسية كما هي؟ هل لم تُحذف الشخصيات؟ هذه أسئلة ضرورية، لكنها غير كافية. السؤال الأهم هو: هل نجا صوت هولدن في العربية؟ هل بقيت نبرته الشفاهية المترددة؟ هل بقي أسلوبه في التكرار والإعادة؟ هل بقيت سخريته من كل شيء؟ هل بقيت عباراته النافرة والمربكة؟ هل بقيت خشونته اللفظية؟ هل بقيت هشاشته؟ أم إن الترجمة قامت بتأديبه، وتهذيبه، وتنعيمه، وتحويله إلى فتى يتكلم بلسان مترجم بالغ يريد أن يكتب عربية «نظيفة» على حساب حقيقة الشخصية؟
إن الخيانة في ترجمة سالينجر قد لا تقع بالحذف وحده. قد تكون الخيانة أعمق حين لا يُحذف شيء ظاهريًا، ولكن تُستبدل روح الرواية بروح أخرى. فقد يترجم المترجم الرواية كاملة، فصلًا فصلًا، ومشهدًا مشهدًا، لكنه يقتلها حين يحوّل لغة هولدن إلى لغة مدرسية، أو إلى عربية أدبية مفرطة في التهذيب، أو إلى صياغة إنشائية لا تشبه فتى مطرودًا من المدرسة، تائهًا في نيويورك، يكره الزيف الاجتماعي ويخاف في العمق من الانهيار والوحدة والضياع. إن هولدن لا يطلب من المترجم فصاحة تقليدية، بل يطلب أمانة نبرية. وما أصعب هذه الأمانة.
ثم إن مسألة العنوان العربي تضيف طبقة أخرى من الالتباس. فقد شاعت الرواية عربيًا بعنوان “الحارس في حقل الشوفان” (عنوان مذهل في كل الأحوال)، كما عُرفت أيضًا بعنوان “الصياد في حقل الشوفان”، وذهب بعضهم إلى “حارس المرمى في حقل الشوفان”، بينما استبدل آخرون «الشوفان» بـ«الشيلم» أو «الجاودار»، وهو أدق من الناحية النباتية، لأن rye ليس الشوفان بالمعنى الدقيق. غير أن العنوان الأشهر عربيًا صار له نوع من السلطة التداولية، حتى وإن لم يكن أدق الترجمات.
أما كلمة Catcher نفسها فهي مربكة. فهي ليست «حارسًا» تمامًا، وليست «صيادًا» بالمعنى العربي الذي يوحي بالقنص والافتراس، وليست «حارس مرمى» إلا على سبيل التقريب الرياضي. إن هولدن يتخيل نفسه واقفًا في حقل من الشيلم/الجاودار، قرب حافة هاوية، لكي يلتقط الأطفال قبل سقوطهم. المعنى إذن ليس الحراسة بمعناها الأمني، ولا الصيد بمعناه العدواني، بل “التلقف” والإنقاذ والحيلولة دون السقوط. ولهذا تبدو ترجمة العنوان معضلة حقيقية: كيف ننقل بساطة العبارة الإنكليزية، وإيقاعها، وبراءتها الظاهرية، وعمقها الرمزي، من غير أن نحولها إلى عنوان شارح أو ثقيل؟
قد يكون «الحارس في حقل الشوفان» عنوانًا غير دقيق تمامًا، لكنه امتلك مع الزمن رسوخًا ثقافيًا. وقد يكون «المتلقف في حقل الشيلم» أدق من جهة المعنى، لكنه يبدو غريبًا، وربما فاقدًا للشاعرية التداولية التي يحتاجها عنوان روائي. وهنا نرى أن الترجمة ليست معادلة قاموسية، بل قرار ثقافي وجمالي. أحيانًا تنتصر الدقة، وأحيانًا ينتصر الرسوخ، وأحيانًا يكون على المترجم أن يوازن بينهما، وهو يعرف أنه سيخسر شيئًا في كل الأحوال.
تاريخ هذه الرواية يزيد المسألة تعقيدًا. فقد تعرضت The Catcher in the Rye للمنع والاعتراض في سياقات كثيرة، بسبب لغتها، وتوترها الأخلاقي، ونقدها للنفاق الاجتماعي، وإشاراتها الجنسية، ورفضها لعالم الكبار. ومن هنا يمكن أن نتخيل بسهولة كيف أن بعض الطبعات أو الترجمات أو النسخ المدرسية قد حاولت “تهذيبها” أو حذف ما فيها من “خشونة” و”نتوآت”. لكن الخشونة في هذه الرواية ليست زائدة تجميلية يمكن الاستغناء عنها. إنها جزء من بنية الشخصية. إنها ليست فضيحة لغوية، بل علامة نفسية وأسلوبية. فإذا حذفناها أو لطفناها أكثر من اللازم، فإننا لا نحذف ألفاظًا فحسب، بل نحذف اضطراب هولدن نفسه.
إن هولدن كولفيلد ليس بطلًا أخلاقيًا بالمعنى التقليدي، ولا نموذجًا تربويًا، ولا شخصية ينبغي تنقيتها لتصبح صالحة للقراءة المدرسية. إنه كائن روائي مأزوم، ومن حق الكائن الروائي أن يكون مأزومًا كما هو. بل إن جزءًا من صدق الأدب يكمن في أنه لا يقدّم لنا الإنسان كما ينبغي أن يكون، بل كما هو في لحظة انكساره وتناقضه وارتباكه. لذلك فإن أي ترجمة تحاول أن تجعل هولدن أكثر أدبًا مما هو عليه، أو أكثر تماسكًا مما هو عليه، أو أكثر عقلانية مما هو عليه، إنما تعيد تأليف الرواية زورا وبهتانا، من حيث لا تدري.
من هنا تبدو عبارة Complete and Unabridged على الغلاف علامة صغيرة على قضية كبيرة. فهي تذكرنا بأن النص الأدبي لا يصل إلينا بريئًا دائمًا. إنه يمر عبر ناشر، ومحرر، ومصمم غلاف، وسوق، ورقابة، ومترجم، وثقافة استقبال، وأحيانًا عبر اختصارات وحذف وتدخلات لا نراها. ونحن، كقراء عرب، كثيرًا ما نقرأ الرواية العالمية من خلال طبقات وسيطة لا نفحصها بما يكفي. نقرأ الاسم الكبير فنطمئن، ونقرأ العنوان المشهور فنظن أننا أمام النص نفسه، مع أن ما بين أيدينا قد يكون نصًا آخر: نصًا مخففًا، أو مؤدبًا، أو معاد الصياغة، أو محرومًا من موسيقاه الأصلية، لأنه بكل بساطة قد أجازته “الرقابة”، إن لم نقل “الرقابات”.
وليست هذه المشكلة خاصة بسالينجر وحده (قارن مع ترجمات توماس بينشن العربية). إنها مشكلة واسعة في تاريخ الترجمة العربية للأدب العالمي. كم من رواية وصلت إلينا منقوصة؟ كم من نص تُرجم عن الفرنسية وهو أصله روسي أو ألماني أو إنكليزي (دوستويفسكي مثلا)؟ كم من عمل كلاسيكي قرأناه في نسخة مدرسية مختصرة ونحن نظن أننا قرأنا الأصل (شكسبير مثلا)؟ كم من مترجم مارس الحذف باسم الذوق، أو الرقابة باسم الأخلاق، أو التهذيب باسم البلاغة؟ وكم من ناشر فضّل أن يضع على الغلاف اسم الرواية الشهيرة دون أن يكلف نفسه عناء توثيق الطبعة التي اعتمدها؟
في حالة The Catcher in the Rye، يصبح التوثيق أكثر إلحاحًا. فالترجمة الجيدة ينبغي أن تذكر صراحة الطبعة المعتمدة، وأن تبيّن أنها ترجمة عن النص الكامل غير المختصر، وأن تحافظ، قدر الإمكان، على البنية الصوتية للرواية. ولا أقصد بالبنية الصوتية مجرد نقل العامية الأميركية إلى عامية عربية مقابلة؛ فهذه مسألة شائكة وقد تقود إلى نتائج مضحكة أو مفتعلة. وإنما أقصد أن تبحث الترجمة عن مكافئ عربي للشفاهية، للتردد، للتكرار، للسخرية، للغضب، للضجر، وللحنان المفاجئ. يجب أن يشعر القارئ العربي أن هولدن يتكلم، لا أن المترجم يكتب عنه.
ولعل هذا هو الامتحان الحقيقي لأي ترجمة للرواية: هل نسمع هولدن؟ لا! هل نفهم الحكاية؟ لا! ففهم الحكاية أمر يسير: فتى يُطرد من مدرسته، يتجول في نيويورك، يلتقي أشخاصًا، يستعيد ذكريات، يصطدم بعالم الكبار، ويكشف شيئًا فشيئًا عن هشاشته الداخلية. لكن الرواية ليست هذه الخلاصة. الرواية هي الطريقة التي يقول بها هولدن هذه الأشياء. الرواية هي ذلك الارتجاج الداخلي في اللغة. هي تلك المسافة بين السخرية والانهيار. هي الضحك الذي يخفي كسرًا. هي الشتيمة التي تخفي خوفًا. هي اللامبالاة التي تستر حنانًا شديدًا. لذلك، حين تخون الترجمة النبرة، فإنها لا تخون الأسلوب وحده، بل تخون المعنى ذاته.
أما غلاف “جيمس أفاتي” لهذه الطبعة، فهو بدوره يستحق التوقف. إنه غلاف ينتمي إلى حساسية كتب الجيب الأميركية في تلك المرحلة: ألوان صارخة نسبيًا، مشهد يوحي بالغموض، رجل من الخلف، فضاء ليلي أو شبه ليلي، لافتة، حقيبة، وعبارة تسويقية تشبه النداء. هذا الغلاف لا يطابق بالضرورة رغبة سالينجر في أن تبقى الرواية بعيدة عن التصوير الزائد، ولا يطابق ميله المعروف إلى الإنزواء والتحفظ والابتعاد عن الاستعراض. لكنه يكشف كيف يمكن للسوق أن يخلق حول النص صورة لا يسيطر عليها المؤلف تمامًا. هنا يظهر التوتر بين الرواية كعمل أدبي والرواية كسلعة ثقافية في عالم الرأسمالية.
ولعل المفارقة أن سالينجر، الذي كتب رواية عن فتى يكره الزيف والادعاء والتمثيل الاجتماعي، وجد روايته نفسها محاطة بأغلفة وعبارات تسويقية قد تبدو، من وجهة نظر هولدن نفسه، نوعًا من ذلك الزيف الذي كان يمقته. فعبارة «قد يصدمك هذا الكتاب» تنتمي إلى لغة السوق، لا إلى لغة هولدن. ومع ذلك، فإنها أصابت شيئًا من الحقيقة. فالرواية صادمة حقًا، ولكن ليس لأنها تلهث وراء الصدمة، بل لأنها تكشف هشاشة مراهق لا يعرف كيف يحيا في عالم مصطنع. إنها لا تصدم بالفضيحة، بل بالصدق.
ومن هنا يمكن أن نعيد قراءة عبارة Complete and Unabridged لا بوصفها مجرد ضمانة نشرية، بل بوصفها استعارة نقدية. فكل قارئ جاد يريد أن يقرأ الرواية كاملة وغير مختصرة، لا بمعنى عدد الصفحات فحسب، بل بمعنى أن تصل إليه كاملة في ألمها، كاملة في صوتها، كاملة في فوضاها، كاملة في غضبها، كاملة في براءتها الملتبسة. والاختصار الأخطر ليس أن تُحذف عشر صفحات، بل أن يُختصر هولدن نفسه إلى «مراهق متمرد»، أو «فتى ساخط»، أو «ضحية مجتمع»، أو «رمز للاغتراب». كل هذه أوصاف ممكنة، لكنها تصبح فقيرة إذا حلت محل الكائن الروائي الحي.
الروايات الكبرى لا تعيش لأنها تملك موضوعات كبيرة فحسب، بل لأنها تخلق أصواتًا لا تُنسى. وهولدن كولفيلد واحد من تلك الأصوات. لذلك ظل حاضرًا في الذاكرة الأدبية العالمية، لا لأنه قام بأفعال خارقة، بل لأنه تكلم بطريقة لم يستطع القراء نسيانها. ومن هنا فإن الترجمة العربية التي لا تمنحنا هذا الصوت، أو لا تجتهد في الاقتراب منه، تكون قد قدمت لنا ظل الرواية لا جسدها.
إن السؤال الذي تثيره هذه الطبعة القديمة من Signet يتجاوز فضول المقتني أو هاوي الطبعات النادرة. إنه سؤال في صميم القراءة والترجمة والتلقي: أي نص نقرأ حين نقرأ رواية مترجمة؟ هل نقرأ سالينجر؟ أم نقرأ سالينجر كما فهمه مترجم ما؟ أم نقرأ سالينجر كما سمح به ناشر ما؟ أم نقرأ سالينجر بعد أن مرّ عبر رقابة ثقافية غير معلنة؟ ومن يملك أن يقول لنا إن هذا النص الذي بين أيدينا كامل وغير مختصر حقًا، لا في صفحاته فحسب، بل في روحه؟
لهذا كله، أرى أن أية إعادة ترجمة عربية جادة لرواية The Catcher in the Rye ينبغي أن تبدأ من هنا: من الصفحة الحقوقية، من الطبعة المعتمدة، من فحص العنوان، من طبيعة اللغة، من سؤال النبرة، ومن وعي عميق بأن سالينجر لا يُترجم بالحكاية وحدها. فالترجمة المنشودة لا ينبغي أن تكتفي بأن تقول إنها «كاملة وغير مختصرة»، بل عليها أن تثبت ذلك في كل صفحة، وفي كل جملة، وفي كل تردد من ترددات هولدن، وفي كل قفزة من قفزاته بين السخرية والحنان.
في النهاية، لا تبدو العبارة المطبوعة أسفل الغلاف — Complete and Unabridged — تفصيلًا صغيرًا كما حسبنا أول الأمر. إنها مفتاح لسؤال واسع: هل وصلتنا الرواية كما هي؟ وهل يمكن لأي رواية أن تصل كما هي؟ ربما لا توجد ترجمة بريئة تمامًا، ولا طبعة نهائية تمامًا، ولا قراءة خالصة من الوسائط. لكن الوعي بهذه الوسائط هو أول شروط القراءة الجادة.
أما سالينجر، فإن روايته تظل، بعد كل هذه العقود، كتابًا «قد يصدمك، ويجعلك تضحك، وقد يحطم قلبك، لكنك لن تنساه أبدًا». غير أن الأهم من ذلك كله أن نقرأها كاملة وغير مختصرة: لا في عدد صفحاتها وحده، بل في صوتها، وقلقها، وارتباكها، وخشونتها، وحزنها العميق. ففي “الحارس في حقل الشوفان” لسالينجر، قد ينجو “المتن” وتموت “الرواية” إذا خانت الترجمة “صوت” بطلها هولدن. وهذه، في تقديري، هي المسألة كلها.

أضف تعليق