أحمد الشيخ علي *
.
{بسواد الليْل
تتلملم حمامات الحزْن بيّة
ومصابيح المَدِينة تموت}.
“م. ن”
.
ماذا يعني أن ترحل..
كنت رحلت بنا منذ التاث قطار الغربة بالليل،
وسافر صوتك نايا في الخيبات
يعيد جراح الأرض
ويرسم بالدم والموسيقى وطنا منسيا
.. عينا سعة الحلم
.. هديلا مبحوحا
حيث يموت يمامك بين يديك.
***
لا أبكيك،
بكيتك منذ رأيتك متكئا بالكلمات
على غبش يتفتت
بينا يسبقك نشيج الماضين مع الليل إلى الليل،
يلمون هوامشهم
ومتون حبيبات لا تمحى عن سمرتها القبلات
كما أسواط الجلادين،
وأعقاب سجائرهم،
مازالت صاخبة تلك الحفلات..
يلمون شظاياهم..
ويلمون وجوه الحلم
وآخر ما قالوا
في منتصف اللحظة
بين الصحو، وسكرتهم…
إذ تبدأ ضحكتهم تتشيأ
حتى يرخي الدمع قصائده،
فيلمع وجهك.. تضحك،
يلمع.. تبكي..
يلمع برق من غير سماء..
متكئا، تظهر، بالكلمات على نفسك،
لا تقوى أغنية الليل على حملك
والماضون يغذون الوحشة بالوحشة
ينفرطون عقودا وحكايات ودموعا،
ينتشرون بخورا في مجمرة التاريخ
دخانا من أجداث المدن المرسومة فوق شفاه المطرودين إلى ثلج منافيهم..
والنار نشيد الإنشاد
وأغنية البحر
ونورسه
حين تضيع الشطآن..
ويمتد البحر إلى آخر ما في الوهم.
أراك تعيد الحب على حقل رخام
وتحج لعينيك السنوات
محملة بالخوف
وبالوجع المضفور جدائل..
ها تمتد جدائله البحر،
وها وجهك
ثانية يظهر..
نصفيا بين العتمة والضوء،
وتمتد الدمعة تمثالا طوليا
للوجع المتجذر
في أرواح نساء قيامات الوطن المصلوب على وجهك..
بالأبيض والأسود
أرسمه
بالضوء وبالظل..
ولا يفتأ وجهك يكتب سيرة وطن مذبوح
من دمه
يصعد ألف مسيح ومسيح
نحو الصلب.
***
هل أخبرتك أن الأبيض والأسود..
والضوء وهذا الظل
على وجهك محض دم؟،
هل أخبرتك أن الألوان
خديعة هذا الزمن الأعمى؟
هل كنت ترى غير الليل
يفور على شفة الجرح الضاحك
في صدر الأرض؟!
دع عنك غوايات النرجس،
والعطر المكتوب على ورق
تتعفن في (خاطره) أرواح حبيبات،
لا يشبهن الحب،
ولا يقرأن الجسد المجنون
تضج به الريح
ويصخب مطر لا يهدأ،
دع عنك سؤال الموت..
سؤال الحرية..
كلّ سؤال يفضي للصبح..
وللوعد المرقوم على أفئدة المغلوبين، المنسيين
كحاشية في لوح طينيّ عابثه الماء.
دع عنك سماء القديسين، الشهداء،
دع الفقراء..
دع الأقمار، الأقدار، السمّار، الأوتار..
دع بابك للصدأ المحموم وللمعجزة الخرساء..
وتعال معي..
كي ندخل من أثر الحناء.
***
الأسطورة خيط من نور
مشدود بين ظلامين!
الأسطورة تلك النظرة
حين تمر محملة بالدهشة
بين المهد وشاهدة لا تُدركُ
كيف ومن أين!
الأسطورة أن تفتح بابا في يومك هذا
كي تدلف تاريخ (سقيفة ساعدة)
وتهيل مواسم موت لا تبرد غلمتها
فوق (حياء) كان يسمى وطنا…
هل يلزمني أن أغمض عينيك قليلا،
أم أغلق هذا الباب المشرع بين الزمنين؟
كن في يومك هذا،
أو كن عند جنازة بحر
ليس يكفنه غير (علي)،
ليس يعيد النور لكوكبه الدري
سوى (زيت) حسين.
***
الأسطورة أن تبدأ بالأسطورة
ثم تفض مراياها المحجوبة بالضوء،
وتترك ما تفضحه من شجر
يثمر موتا وضياعا وخرابا،
قلت غرابا..
ينشر جنحيه فتنطفئ الشمس،
وتنقتل الموسيقى،
يجرح سمع الدنيا صوت نعيق.
ونحيب يتعالى من أرواح الورد الغافي
في أحضان عشيقات
مر بهن الوقت وما مرّ العشاق،
هنا يكمن سرّ الأسطورة
حيث يبوح الليل بآية (مسح الأعناق)..
ماذا يعني أن ترحل،
والأرجوحة مازالت مثقلة بالرعشة،
تتبعها الرجفة،
يتبعها الصمت الكوني،
حروب منذ (الردة) ترتد بنا،
وعلى كل لسان ينمو الشوك،
أشحت بقلبك
لما ناداك الوطن المثخن باليتم،
وفاقت قامته الفاقة،
حين أفاق القصب المسكون مع الفجر.. وفجّر آهته بين يديك.
***
حان الوقت إذن،
كل الصور العجلى، تمرق في عينيك تسلسل ما في نهريك..
وتشهد بين يديك..
عليك.
ليت الماضي محض كتاب في رف الروح،
لنغلق ما فيه، ونطفئ شمعتنا،
ما عاد لنا غير النظرة نرميها صوب الأفق،
لعل جوادا يلهج في غرته ضوء،
يقبل من أسطورتنا..
حان الوقت إذن لتسافر في أرجاء الحلم،
وتهجس هذا الدرب النابع بين الصوت وبين الصمت.
نم حيث وجدت الأرض..
لعلك تدرك أن اللغة الآن
تقشر عنها أوهام المعنى..
كي تعتنق الموت!
لعلك تدرك أن الأسطورة
أثواب شتى
يتشكل فيها زمن بوجوه شتى
يتقلب نردا..
في أمكنة لا تدركها أقدام الماضين إليها..
تدرك أن الأبواب المغلقة، المفتوحة، ليست أبوابا كي تدلف منها،
أو تطرقها منتظرا من يأتي..
تدرك أن الأسطورة ما تحمله في قلبك..
أن الأسطورة أنت.
***
22 أيار 22

أضف تعليق