بقلم: حكمت الحاج *
.
.. ليست مجموعة عبد الخالق گيطان الشعرية الجديدة الموسومة “أربع سيدات في حانة” * ديوانًا شعريًا بالمعنى المتعارف عليه للكلمة، أي أنها ليست كتاب قصائد مستقلة تجلس كل واحدة منها في عزلتها الورقية، ثم تنتظر قارئًا عابرًا يمرّ بها كما يمرّ المسافر بمحطات قطار. إنها، في تقديري، أشبه بعمل مسرحي مؤجل، أو بنصّ ركحي متشظٍّ، لم يُكتب لكي يُمثَّل فوق خشبة مسرح واحدة، بل لكي يستعيد نفسه على الخشبات كلها: خشبة بغداد، وخشبة المنفى، وخشبة الذاكرة، وخشبة الحانة، وخشبة الغرفة، وخشبة الجسد المتعب، وخشبة ذلك الماضي العراقي الذي لا ينتهي، حتى حين يبتعد صاحبه عنه إلى أقصى المنافي والجهات.
منذ العنوان نفسه، نحن لا ندخل ديوانًا بل ندخل مكانًا: إنه”الحانة” أو “البار” بمحكيتنا البغدادية. والحانة، في المخيال الشعري والمسرحي، ليست مجرد مكان للشرب أو العزلة أو لقاء العابرين، بل هي فضاء اعتراف، وفضاء انتظار، وفضاء أقنعة، وفضاء شخصيات جانبية تخرج فجأة من الظل لتصير مركز المشهد. أما “الأربع سيدات” فهنّ، قبل أن يكنّ نساءً محددات، أربع علامات ركحية: المرأة بوصفها ذاكرة، المرأة بوصفها فخًا، المرأة بوصفها خلاصًا مستحيلًا، والمرأة بوصفها شاشة يظهر عليها ما لا يريد الرجل/الشاعر أن يراه في نفسه. لذلك يبدو عنوان المجموعة، في عمقه، أقرب إلى عنوان مسرحية ذات فصل واحد: أربع شخصيات نسائية، مكان مغلق، رجل وحيد، طاولة، دخان، كراسي، وماضٍ لا يكف عن الدخول والخروج من الباب نفسه:
“رائحة خشب الأرز الإسباني لم تسقطها البيرة المعتقة
دنان ضخمة. كان على الندماء أن يستخدموا حاسة شم ثاقبة
لكي يميزوا بعضهم البعض. المرء يخال نفسه في قرن سحيق
وهو يجلس على هذه الطاولة الناعمة. هنا تراكمت الآلاف
من الصور. كل قادم جديد عليه أن ينحت صورته على
الطاولة قبل أن يغادر. وهكذا فعلتُ.”
وما يزيد هذا الانطباع أن المجموعة تبدأ تقريبًا من عتبة مسرحية صريحة. ففي قصيدة “المهرج والمظلّة” يظهر المهرج، ويظهر المسرح القريب، وتظهر المرآة، ويظهر ذلك الكائن الذي لا تعنيه من العالم إلا صورته. هنا لا يكون المهرج شخصية كوميدية بل قناعًا تراجيديًا، ولا تكون المظلّة أداة اتقاء مطر بل إشارة إلى هشاشة الحماية كلها. كأن الشاعر يقول منذ البداية إن الحياة نفسها مشهد، وإن الذات لا تظهر إلا وهي متورطة في تمثيل ما، وإن الإنسان العراقي، والمنفي خصوصًا، ليس كائنًا يسير في العالم فقط، بل ممثل يخرج من خراب إلى آخر، ومن دور إلى آخر، ومن قناع إلى قناع:
“الموتُ يصفر في الأزقة الحزينة
وعلى مسرح قريب
يلعب المهرج بمظلته
المهرجُ الذي يجلس ساعات طوال أمام المرآة
لا يعنيه شيء في هذا العالم غير مظلته.”
ولا ننسَ هنا إن الشاعر عبد الخالق گيطان هو رجل مسرح بالأساس، فقد درسه جيدا وتمرس في متابعته ونقده وكتب فيه أكثر من نص مسرحي، أذكر منها “حياة داجنة” الذي اطلعت عليه شخصيا حوالي العام 1989 إن لم تخني الذاكرة. غير أن مسرحية عبد الخالق گيطان هنا لا تستقيم وفق بناء أرسطي مغلق؛ لا عقدة مركزية، ولا ذروة واحدة، ولا حلّ نهائيًا. نحن أمام “دراماتورجيا التقطيع”، إذا صحت العبارة: قصائد قصيرة أو متوسطة الطول، تواريخ متفرقة، أمكنة بعيدة، شخصيات تظهر ثم تختفي، نساء، إخوة، آباء، شعراء، نقاد، مهاجرون، جنود، موتى، وحاضر أسترالي (مدينة سيدني) لا يؤدي إلى محو بغداد بل إلى إعادة استحضارها. إن سيدني في هذه المجموعة ليست بديلًا مكانيًا عن بغداد، بل هي مصباح إضاءة جديد يسلّط نوره على بغداد القديمة، فوق خشبة مسرح الزمان. كل قصيدة مكتوبة في مكان جديد، لكنها لا تسكن ذلك المكان تمامًا؛ إنها تستخدمه كمرآة خلفية لكي يظهر الماضي العراقي أكثر وضوحًا وقسوة:
“امرأة حبلى
قد تضع مولودا عراقيا يحمل معه فأسا
تماما مثل السيد انكيدو.
نحن العراقيون
أو العراقيين
لم تزل صلاتنا منيعة مع الغضب.”
وهنا تكمن القيمة غير التقليدية للمجموعة: إنها لا تكتب عن المنفى بوصفه موضوعًا جاهزًا، ولا عن بغداد بوصفها حنينًا سياحيًا أو مرثية مألوفة، بل تكتب عن الزمن حين يتحول إلى خشبة. فالماضي عند عبد الخالق ليس ذكرى، بل ممثل. يدخل متأخرًا، ينسى جملته أحيانًا، يغيّر ترتيب المشاهد، يسرق الضوء من الحاضر، ثم يخرج تاركًا وراءه رائحة دخان وقطعة قماش سوداء وكرسيًا مقلوبًا. لذلك فإن قصائد المجموعة لا “تتذكر” بغداد فقط، بل تجعل بغداد “تؤدي” نفسها من جديد: الأزقة، البيوت، الأصدقاء، المقاهي، المسرح، شارع الرشيد، محلة الجديدة، شارع المعارف، منطقة الوزيرية، أكاديمية الفنون الجميلة، مقهى باب المعظم، وأسماء من مرّوا في تلك الحياة أو غابوا عنها: قاسم محمد عباس، ضياء أحمد عبد الرزاق، حكمت الحاج، نادي إتحاد الأدباء، مقهى الجماهير، حسن عجمي، سوق السراي، محمد مبارك، مقداد عبد الرضا، سعدي يوسف، الخ ..
في قصيدة “لقد فقدت أخًا” مثلًا، تتحول الذاكرة العائلية إلى ذاكرة مكانية. فقدان الأخ لا يبقى حدثًا شخصيًا مغلقًا، بل يصير فقدانا للمدينة نفسها. الأب يحكي قصصًا، المدينة لها نهر، الشوارع تتحول إلى مكبّ نفايات، والنهر يصير ظلًا صغيرًا، والراوي يشعر أنه صار غريبًا في مدينته. هنا يبلغ الشعر نقطة مسرحية مؤلمة: الشخص لا يبكي أخاه عبد الرحمان وحده، بل يبكي الدور الذي كان يؤديه داخل عائلة ومدينة وتاريخ. وحين يسقط ذلك الدور، لا يعود الفقدان عاطفيًا فقط، بل أنطولوجيًا أيضاً: من أنا بعد غياب الأخ؟ ومن أكون حين لا تعود المدينة قادرة على التعرف إليّ؟ ومن يبقى لي من شخصياتي القديمة؟:
“كانت شجرة التوت في حديقة المنزل وارفة
التقطتُ بعض الحبّات الحمر
قال لي: عليك بالسود ناضجة أكثر.
ثم أخذني إلى مكتبة شاهقة وقال ها هي،
اخترت قصص آرسين لوبين
إذ كانت اغلفتها جذابة لفتى غرير
كنا نكبر معا.
أنا مع العزلة وهو مع الآلام..
العزلة تجعلك مغرورا ليس أكثر
والآلام تعلّقك على حبل رفيع ثم تبصق عليك.”
أما قصيدة “إلى مقداد عبد الرضا”، فهي من المفاتيح الكبرى لفهم البنية المسرحية للمجموعة. فمقداد عبد الرضا ليس اسمًا عابرًا في نص، بل علامة تنتمي إلى ذاكرة المسرح العراقي. القصيدة تستدعي المسرح لا كفنّ خارجي بل كبيت قديم للأصدقاء، وكخرابة حميمة، وكفضاء كان يجمع الشعراء والممثلين والرفاق. تظهر فيها عبارة “الصابر الأول”، ويظهر المسرح، ويظهر شارع الرشيد، ويظهر الجدار المنهار في اللحظة التي يكتب فيها الشاعر على حافة انهيار ذاكرته الشخصية. هنا يصبح المسرح ليس مبنى بل طريقة في الحداد. والصديق المسرحي لا يُرثى كما يُرثى الآخرون، بل يُستدعى كأننا ننادي ممثلًا غادر الخشبة قبل نهاية العرض:
“في الطابق الأوسط بين الأرضِ والسماء، رأيت رأسك يطلُّ
خلف الحائط. هل كنتَ تصور فيلما؟ أم أنه حضور مباغتُ في عَرضِ يخرجه صاحبنا المهووس بالموت؟ لقد تكاثرت النفايات في الجوار. كثر العفن أيضا. حملة الرماح بلا خوذ تقيهم الهجمات المتلاحقة. رأيت عينيك حينها تومض. نسيت كل ما عرفته عنك في سنوات طويلة، وبقيت مشتتا في هذا المشهد السوريالي.
المهنة تغيرت تم غزوها من قبل ممثلين صغار، ولكنهم شاطرون بالرقص. لم يبق أحدٌ من الذين تعرفهم. صحيح، أين ذهبوا؟ هل يُعقل أنَّ المسرح الذي كنا اعتدناه أُغلق إلى الأبد؟”
ولا ينبغي أن نمر سريعًا على عنوان “حياة فاجرة من ستة مشاهد” دون أن نتوقف. فهذا العنوان وحده يكشف أن الشاعر لا يكتفي باستعارة مفردات المسرح، بل يفكر شعريًا بمنطق المشهد. تقسيم النص إلى “مشاهد” يعني أن التجربة لم تعد تُروى خطيًا، بل تُعرض بصريًا. المشهد الأول، الثاني، الثالث، إلى السادس: نحن أمام مونتاج ركحي، حيث تتتابع اللقطات كما في مسرح داخلي، لا كما في قصيدة غنائية تقليدية. وفي هذا النص يظهر أثر السرد، وأثر السينما، وأثر المسرح، وأثر الرواية السياسية/الكابوسية حين ترد الإشارة إلى “قصر الأحلام” لإسماعيل كاداريه. وهذا الاستدعاء ليس تزيينًا ثقافيًا، بل تعميق لفكرة الرقابة على الحلم، أي على أكثر مناطق الإنسان هشاشة وخصوصية:
“المشهد الأول/
أكرهك أكثر من كره هاملت لأمه الخائنة
طعنته بفجورها،
وكنت لوحدك أشدّ حدّة من نصل سكين عليه
أعترف بأنني مغفل مع المرأة.
هذا طبع ريفي
ونحن في المدينة
نتأنق في
المساءات
وفي أوائل النهار نطلق الدموع
كان علينا أن نصبر
وأن ندع الرغائب السخيفة تزمجر لوحدها
ولكننا بدائيون جداً
نسجد فورا في اللحظة التي تفتح المرأة فيها ساقيها.”
ولنتابع القراءة والتخيل مع شاعرنا عبد الخالق گيطان نحو المشهد الثالث:/
“كان سرب الطائرات المهاجمة مرئياً
وكنت وصاحبي نمشي
والطائرات ترمي قنابلها
ونحن نغذ الخطى..
بعد ساعات
كنا نسمع في المقهى المظلم نتائج القصف
ولكلّ روايته
أما روايتي،
والتي تشبه رواية صاحبي
فكانت محاورة عن قصر أحلام كاداريه.”
هكذا يدخل الروائي الألباني “إسماعيل كاداريه” إلى الكادر لا بوصفه اسمًا عالميًا مرموقًا، بل بوصفه قرينًا لكابوس عراقي. فـقصر الأحلام، في خلفيته الرمزية، يحيل إلى سلطة تراقب الأحلام وتحوّل اللاوعي إلى ملف سياسي. وعند گيطان تصبح الحياة العراقية، بما عرفته من حرب وحصار وخوف ونفي، شبيهة بقصر أحلام آخر: كل شيء مراقب، حتى الذاكرة؛ كل شيء قابل للمصادرة، حتى الحلم؛ كل شيء يمكن أن يتحول إلى تهمة، حتى القصيدة. لذلك ينسجم حضور كاداريه مع هذه المجموعة التي لا تفصل بين الخاص والعام، بين الجسد والسياسة، بين الحب والحرب، بين الحانة والدولة، بين المرأة والمنفى.
وفي “العراقيون” يحضر اسم محمد مبارك، الناقد العراقي الكبير، لا بوصفه هامشًا توثيقيًا فحسب، بل بوصفه شاهدًا من شهود تلك الجماعة الرمزية التي تسمي نفسها: العراقيين. القصيدة، بحسب ما يظهر من بنائها، لا تكتب “العراقي” كهوية مطمئنة، بل ككائن مهدد بالغضب، بالهزيمة، بالنفي، وبقابلية دائمة لأن يجرح نفسه ويجرح الآخرين. العراقيون هنا ليسوا شعبًا في بطاقة تعريف، بل جوقة تراجيدية. والجوقة، في المسرح الإغريقي، لا تفعل الحدث دائمًا لكنها تعلق عليه، تندب، تحذر، تتهكم، وتذكّر البطل بما لا يريد أن يتذكره. بهذا المعنى، “العراقيون” في المجموعة هم جوقة عبد الخالق گيطان: يظهرون لكي يقولوا إن الفرد ليس فردًا تمامًا، وإن كل خراب شخصي له ظل جماعي، وإن كل منفى خاص هو استمرار لمنفى أكبر:
“العراقيون
يجيدون شتيمة بعضهم البعض
يجلسون في الشرفات
ومع النخب الثالث يطلقون دموعهم للريح
كل عراقي فيهم قصة للذبح، النأي أو الحريق
هكذا يقضون أمسياتهم النادرة بين آه وآه
العراقيون النبلاء هم أكثر المخلوقات عدوانية
يرفعون سكاكينهم بغتة
وهذه السكاكين موجهة إلى العراقي
يرفعها عراقي
يعينه عراقي
ويسقط عراقي ثالث صريعا..”
أما سعدي يوسف، الحاضر في قصيدة تحمل اسمه، فيدخل المجموعة دخول الشاعر/ الشبح. ليس سعدي هنا موضوع رثاء فقط، بل علامة على مصير الشاعر العراقي حين يموت بعيدًا، أو حين تلتف حول موته ظلال الغابة والخيول والأشباح والقصائد الغاضبة. سعدي يوسف، بما يمثله في الشعر العراقي الحديث من تجوال ونفي ومشاكسة ومواقف، يصبح في هذه المجموعة مرآة كبرى لعبد الخالق كيطان نفسه: شاعر يكتب من مكان بعيد، لكنه لا ينجو من بلاده؛ شاعر يبتعد، لكن اللغة تعيده؛ شاعر يرى أن الموت ليس نهاية فردية فقط، بل فصل آخر من مسرحية عراقية طويلة:
“مات الشاعر سعدي يوسف
تاركا وراءه تلالا من القصائد الغاضبة
كان مشهده على السرير غريبا،
غدا سيخرج الحطابون إلى الغابة كعادتهم
ولكنهم هذه المرة لن يحتطبوا
سيرفعون إلى هامات الأشجار قصيدة شاعرِ
مات عند الفجر..
وفي فجر بعيد
ستهرع فتيات القرية للوداع الأخير
سيذكره الثوريون
والراقصون على النصال
الشاعر حين يموت
ترقص على الحيطان الأشباح
وتفرّ الخيول…”
حتى “لوثبروك”، محارب الفايكنغ الذي تحول إلى ملك، يظهر في ديوان عبد الخالق گيطان “أربع سيدات في حانة” بطريقة لافتة للنظر. فاستدعاء شخصية من عالم الفايكنغ داخل ديوان لعراقي يعيش في المنفى قد لا يبدو غريبًا إذا قرأناه ضمن منطق الأقنعة المسرحية. الشاعر لا يبحث في لوثبروك عن التاريخ الإسكندنافي، بل عن صورة المحارب المتعب، الملك الخارج من العنف، الشخصية التي تمزج البطولة بالموت. وحين يضعه داخل نص عنوانه “على حافة الشتاء”، فإن البرد لا يعود طقسًا طبيعيًا فقط، بل يصير حالة وجودية: برد المنافي، برد الحروب القديمة، برد الممالك المنهارة. إن لوثبروك هنا قناع آخر للعراقي المحارب الذي لم يختر كل حروبه، لكنه وجد نفسه في قلبها:
“لقد تعبنا
كنا نرى المعبد يخوض في الرذيلة
وكنا نسمع أنك أنت الرذيلة بلا مبالغات
وهكذا يصبح الموت مجديا.
لوثبروك محارب شجاع تحول إلى ملك الفايكنج.”
ومن اللافت أن المرأة في هذه المجموعة ليست موضوع غزل خالص، ولا رمزًا واحدًا قابلًا للتثبيت. المرأة التي تدخن كثيرًا بعينين دامعتين، المرأة الأولى وذراع على الساتر، السيدات الأربع في الحانة، المرأة التي تصنع الخناجر، المرأة التي تظهر على الطاولة أو عند النافذة أو داخل عزلة المدينة، كلهن لا ينتمين إلى أنثى واحدة. إنهن شخصيات ركحية تتبادل الأدوار. مرة تكون المرأة أمًا، ومرة حبيبة، ومرة مدينة، ومرة خيانة، ومرة نجاة، ومرة مقبرة ناعمة، ومرة مرآة قاسية. في نصوص گيطان لا تقف المرأة خارج خراب الرجل، بل تشاركه صناعته وكشفه. إنها لا تأتي لتخفف التراجيديا دائمًا، بل أحيانًا لتجعلها أكثر وضوحًا.
والحانة، في هذا السياق، تصبح الخشبة الأكثر ملاءمة لهذه الشخصيات. ففي الحانة تختلط المصادفة بالاعتراف، والليل بالذاكرة، والجسد باللغة، والغرباء بأشباه الأصدقاء. طاولة الحانة في المجموعة ليست قطعة أثاث، بل منصة كتابة. عليها تُنحت الصور، وتُترك الآثار، ويجلس العابر قبل أن يغادر. ومن هنا نفهم لماذا تبدو الطاولة، في أكثر من موضع، أقرب إلى شاهدة قبر أو إلى بقعة مسرح. كل من يجلس إليها يترك شيئًا منه، ندبة، دخانًا، كأسًا، كلمة، أو ظلًا. وفي النهاية، لا يبقى من الإنسان إلا أثره على الطاولة.
ما يفعله عبد الخالق في هذه المجموعة هو أنه يحوّل القصيدة إلى “ما بعد المونولوغ” إن صح التعبير. ليست القصيدة اعترافًا داخليًا محضًا، لأن هناك دائمًا مخاطبًا ما: امرأة، أخ، أب، صديق، مدينة، شاعر ميت، ناقد غائب، أو ذات أخرى داخل الذات. وليست القصيدة حوارًا مكتملًا، لأن الآخر غالبًا لا يجيب. نحن إذن أمام مونولوغ مسرحي محاط بأطياف الحوار. وهذه واحدة من أجمل خصائص هذه المجموعة: إنها تجعل الصمت “شخصية”. والصمت لا يقع بين الجمل فقط، بل يجلس في النص، يدخن، ينظر إلى الشاعر، ويمنعه من إكمال ما يريد قوله.
وفي هذا كله تظل بغداد هي الغائب الأكبر والحاضر الأكبر. لا تظهر بغداد دائمًا باسمها المباشر، لكنها تفرض إيقاعها على النص. بغداد هنا ليست مدينة نوستالجية ناعمة، بل مدينة مجروحة، متغيرة، متروكة، حاضرة في أسماء الشوارع والأصدقاء، وفي انكسار العائلة، وفي المسرح الذي لا يُعثر فيه على الصديق الثالث، وفي البيت القديم، وفي الگراج، وفي الساتر، وفي الجنود، وفي السجناء، وفي العراقيين الذين لا يستطيعون أن يخرجوا من عراقيتهم كما يخرج المرء من معطف قديم. المنفى لا يمحو بغداد بل يضاعفها. وكلما كتب الشاعر من “سيدني”، بدا كأنه يكتب من بغداد ثانية، بغداد المحمولة في الذاكرة، أو بالأحرى بغداد المحمولة كجرح أبدي لا يريد أن يلتئم.
ولعل أهم ما في هذه المجموعة الشعرية أنها لا تقع في بلاغة المنفى السهلة. كثير من شعر المنفى العربي يكتفي بثنائية جاهزة: هنا/هناك، الوطن/الغربة، الماضي/الحاضر. أما گيطان فيكسر هذه الثنائية، لأن “هنا” نفسها تصبح مسرحًا لـ“هناك”، و“هناك” لا يبقى مكانًا قديمًا بل يتحول إلى قوة تشتغل داخل الحاضر. لا توجد مسافة آمنة بين سيدني وبغداد. المسافة الجغرافية هائلة، لكن المسافة الشعرية شبه معدومة. إن الشاعر لا يقطع المكان، بل يحمل المكان معه كمن يحمل ديكورًا كاملًا على ظهره: باب البيت، جدار المسرح، طاولة الحانة، شارع الرشيد، صوت الأب، غياب الأخ، ووجوه الأصدقاء.
من هنا يمكن أن نقرأ “أربع سيدات في حانة” بوصفها “أطلسًا مسرحيًا للذاكرة العراقية في المنفى”. ليست خرائطه جغرافية، بل شعورية وركحية. كل قصيدة مشهد، كل عنوان باب، كل اسم علم مصباح صغير، كل امرأة قناع، كل مدينة خلفية، وكل تاريخ في آخر القصيدة يشبه إرشادًا مسرحيًا يقول لنا: هنا حدث الألم، هنا كُتبت الجملة، هنا جلس الشاعر في مكان بعيد بينما كانت بغداد تعبر من أمامه بملابس قديمة.
إن عبد الخالق گيطان، في هذه المجموعة، لا يكتب قصائد عن المسرح أو بالإستعانة به، بل يكتب الشعر كما لو أن المسرح صار جزءًا من جهازه العصبي. لذلك لا نحتاج إلى البحث عن المسرح في المفردات الصريحة وحدها، رغم حضور: “المشهد” و“المسرح” و“الممثلين” و“الحانة” و“المهرج” والكلمة الإرشادية “صمت” في آخر إحدى القصائد. الأهم هو أن طريقة بناء القصيدة نفسها طريقة مسرحية: دخول وخروج، إضاءة وعتمة، أقنعة، كراسي، طاولات، أبواب، شخوص، جوقة، صمت، وذاكرة تؤدي دورها كل ليلة. وهذا ما يجعل المجموعة قابلة لأن تُقرأ لا بعين القارئ وحده، بل بعين المخرج المسرحي أيضًا.
قد يقول قارئ آخر إن هذه المجموعة “حزينة” أو”نوستالجية” أكثر مما ينبغي، أو إنها تستسلم أحيانًا لفائض المراثي، أو إن كثرة الموتى والأصدقاء الغائبين والنساء البعيدات تجعل الديوان مثقلًا بظلاله. غير أن هذا الاعتراض، وإن كان مفهومًا، لا يلغي طبيعة المشروع نفسه. فهذه ليست مجموعة تريد أن تكون خفيفة أو متوازنة أو مزدانة بمهارات شكلية باردة. إنها كتاب ذاكرة. وكتاب الذاكرة، حين يكون صادقًا، لا يوزع أحزانه بالتساوي، ولا يعتذر عن ثقلها. أليس الحزن عراقيا أو لا يكون؟ ثم إن الحزن هنا ليس مادة وجدانية فقط، بل هو تقنية بناء. الحزن هو الديكور، وهو الإضاءة، وهو الكورس، وهو الممثل البديل حين يغيب الجميع.
ومع ذلك، فإن قيمة المجموعة لا تكمن في حزنها وحده، بل في قدرتها على تحويل الحزن إلى مَشاهد. وهذا فرق جوهري. فالحزن حين يبقى مجرد عاطفة قد يتحول إلى شكوى، أما حين يصير مشهدًا فإنه يكتسب جسدًا، وحركة، وزمنًا، وملامح. عبد الخالق كيطان لا يقول فقط إنه حزين؛ إنه يرينا الحزن وهو يجلس على كرسي، وهو يفتح بابًا، وهو يدخل حانة، وهو يدخن، وهو يتذكر أخًا، وهو يبحث عن صديق مسرحي، وهو يلمح سعدي يوسف في البعيد، وهو يستدعي كاداريه لكي يشرح له لماذا صارت الأحلام نفسها خاضعة للتفتيش.
هكذا أجدني، وأنا أقرأ هذه المجموعة، لا أقول إن عبد الخالق گيطان كتب ديوانًا جديدًا، بل أقول إنه أقام عرضًا مسرحيا شعريًا طويلًا عن الذاكرة. أقام عرضًا بلا ستارة نهاية. فكل قصيدة تنتهي، لكنها لا تغلق المشهد. وكل اسم يمر، لكنه لا يغادر تمامًا. وكل مدينة تظهر، لكنها لا تستقر في الجغرافيا. وكل امرأة تجلس في الحانة، لكنها سرعان ما تتحول إلى قصيدة، أو إلى جرح، أو إلى مرآة، أو إلى بغداد نفسها.
في “أربع سيدات في حانة” لا نقرأ الشاعر بوصفه نزيل منفى فقط، بل بوصفه مدير خشبة لذاكرة لا تهدأ. يوزع الأدوار على موتاه، وينادي أصدقاءه، ويستدعي النساء، ويترك للمسرح أن يفسر ما عجزت القصيدة وحدها عن تفسيره. وربما لهذا السبب بالذات تبدو المجموعة قريبة منا نحن الذين عرفنا الشعر والشاعر والمسرح وبغداد والمنافي والأصدقاء الذين صاروا أسماء في القصائد. إنها لا تطلب منا أن نقرأها فقط، بل أن نجلس معها على الطاولة ذاتها، في تلك الحانة البعيدة، حيث لا تزال أربع سيدات ينتظرن، ولا يزال شاعر عراقي يكتب قصائد جديدة في أماكن جديدة، لكنها كلها، بطريقة أو بأخرى، تعود إلى بغداد.
هامش:/
* أربع سيدات في حانة، شعر، عبد الخالق گيطان، منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق، بغداد 2026. تصميم الغلاف: شروق سمير. الرقم المعياري الدولي (اسبن Isbn): 978-9922-761-17-6.


أضف تعليق