تأمل في الصيرورة: الإنسان نهرا..

أحمد الشيخ علي

.

أقف على ضفة نهر وأنظر فيه، أقرأ أمواجه تتكسّر على الجرف وتشوّش صورتي التي تظهرني واقفا على ضفة النهر.
لوهلة يباغتني شعور جديد، تنتابني رعشة، ويصير جسدي نهرا، أصير أنا النهر، أو يصيرني النهر، كنّا نلتبس فينا، أنا وهو…
….
لم يكن ذلك شعورا عابرًا، إنه استعادة لأصلٍ منسيّ. في اللحظة التي تلاشت فيها الحدود بين جسدي وضفة النهر، أدركتُ أن “أناي” لم تكن بناءً صلدا، إنها محض دفق متتابع في جسد.
….
أغمض عينيّ على ذلك المشهد الحرّ، أستعيد صورتي في الماء، وأستعيد من الذاكرة ما يعينني على اكتشاف نفسي، كينونتي، وجودي، وصيرورتي. أنا وما يحيط بي.
أصغي، كأن هرقليطس من همس في أذنيّ: “لستَ من كنتَه قبل أن تغمض عينيك، ولا الماء نفسه الذي تموّهت صورتك عليه”. كلماته تلك لم يقلها، ولكنني سمعتها أو كأنني فعلت.
أطرف بعينيّ، أفتحهما، أرى ضوءا يتوهّج في النهر الذي لا يكفّ عن المضيّ، أغمض عينيّ مرة أخرى، وأسمع لغط الماء، النهر يجمع بين السكون والحركة في الآن نفسه. أسمع السكون، وأدرك الحركة، بينما أقف على ضفة النهر، مغمض العينين، كنت أتسرب إلى النهر، أنا الجسد الذي يحمل اسما، وله هوية. ها أنا الآن نهر. في أعماقي تحتشد رغبات، وتمور صور وذكريات وأحلام، ويحتدم فيّ تعاقب الحياة والموت.
….
أنا نهر، لا أملك مائي، ذلك ما عليه النهر، يسمح لمائه بالعبور.
حين صرته، أدركت أن مشاعري وأفكاري وخلجات نفسي، وحتى أوهامي، هي مياه تعبرني، ولا أستطيع حبسها. هكذا أنا، نهر محكومة مياهي باختيار مضيّها فحسب.
لست مجبرا، ولا مختارا، ولكنني مجبر على الاختيار. ساكن ومتحرك أنا.
أفتح عينيّ، وأصغي.. أرى وأسمع، كان الضوء ينحسر من جسد الماء الذي يكركر مثل طفل على مقربة من قدميّ. رأيتهما نابتتين في الطين، كانتا منه، ولكنني لم أر وجهي في الماء. رأيت طيورا صغيرة تخطف بأجنحتها على بشرتي، ارتجفت قليلا، كنت بعيدا وقريبا مني، أشف وأعتم، أترقرق وأتعكّر، واقف وأمضي أبدا، ولا أنظر ورائي.
***

أضف تعليق

إنشاء موقع إلكتروني أو مدونة على ووردبريس.كوم قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑