تأمل في المجرد اللغوي..

..

أحمد الشيخ علي

كيف للمفاهيم المجردة التي لا وجود لها، أو لأقل على وجه التبسيط، تلك المسميات التي لا يمكننا التعامل معها بالحواس المباشرة، كيف لها أن تبدأ وتوجد وتحيا، أو تنتهي وتختفي وتموت؟
أتحدث عن مفاهيم عائمة في تجريدها اللغوي كالحب والروح والعدل والحرية مثلا..
كيف لنا أن نضع هذه المسميات أو نصوغها في هيأة محددة تشبهها؟ كيف لها أن تكون بأبعاد وملامح، وقابلة للتوصيف؟ على الرغم من قناعتنا بوجود أوصاف عديدة نستسيغ إلحاقها بها، وهذا ما تسمح به اللغة بالتأكيد، فنقول مثلا الحب الكبير، أو الروح العظيم، أو الصبر الجميل. كما نقول الحب القاتل، والمرير، والأعمى. وما إلى ذلك من صفات.
نحن نمنح هذا المفاهيم توصيفات قد لا تصلح لها، ولكننا نقع إذ ذاك رهن غواية اللغة، حيث تسمح المجازات والاستعارات باللعب الذي نمارسه من دون تفكير، أو مراجعة لما تؤديه تلك المسكوكات اللفظية في نظامنا العقلاني.
التأمل الذي حملني على هذا السؤال، يقودني إلى سؤال لا يبتعد كثيرا عن سؤالي الأول بشأن المسميات التي لا وجود لها في العالم المادي، ومنها الحب على سبيل المثال.
السؤال إذن، هل نحن، بوصفنا كائنات لغوية، نتداول في حياتنا المعقلنة، نظاما لغويا حقيقيا، أم نظاما مجازيا؟
لا يرضيني الجواب الجاهز: “كلاهما: الحقيقي والمجازي”.
هذا برأيي جواب العاجز. فالحقيقي يقتضي وجودا أوليا لا يخالجه المجاز. أما المجازي فهو توسّع، أو وجود ثانوي، أو لاحق اضطررنا له، استجابة لدواعي اللعبة اللغوية التي نتمركز فيها، وعليه يكون المجازي لاحقا على الحقيقي، أم هذا محض وهم تقودنا له اللغة، فنقع فيه؟
سأصوغ سؤالا من هذا التأمل الحر.
هل يمكننا استلال مستوى لغوي قوامه الحقيقة فقط؟
وبالمقابل من ذلك، سيحمل البعد المضمر من السؤال، سؤالا آخر: هل يمكن أن نتداول لغويا في مستوى المجاز فحسب؟
قد يبدو ذلك جدالا افتراضيا، لأن اللغة تسمح بالتمظهر، على صور ومستويات لا نهائية، وهذا من خصائصها. فهي متصلة من حيث هي منفصلة، ونحن نعلم أن اللغة علامات وإشارات ورموز، بها يتحقق الكلام والكتابة ومن ثم التواصل، بل بها يتحقق العقل الذي هو الإنسان، فلا وجود للإنسان بانعدام العقل، ولا وجود للعقل بانتفاء اللغة.

أضف تعليق

إنشاء موقع إلكتروني أو مدونة على ووردبريس.كوم قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑