كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

كوضع السيف في موضع الندى..

[حكمت الحاج] *

.. كم هالني (تبعاً ربما لمعهود أفكاري) أن أرى السويديين وقد وضعوا “إشراقات” و “فصل في الجحيم”، في باب النثر، للاختصاص، ضمن ترجمتهم للأعمال الكاملة لشاعر فرنسا الأكبر، آرثر رامبو، Arthur Rimbaud، بينما وضعوا “المركب السكران” و “بوهيميتي” في باب الشعر..!
لقد وضعوا أيضا، ويا للهول، “رسالة الرائي” في باب النصوص المتفرقة. أما قصيدته العظيمة بعنوان “في المناطق الجبلية في شبه الجزيرة العربية” والتي يخاطب فيها “نابليون” مذكرا إياه بأنه (أي رامبو) ربما كان من نسل “يوغرطة” القائد الروماني الإفريقي التونسي، فقد وضعوها في باب أعمال الصبا والمدرسة! :
> «.. يا يوغرطة، يا ابنَ الصحارى والذرى،
تلتفّ حولك الأزمنةُ كعمامةٍ من لهب،
وتتقدمُ العروشُ نحو نهايتها
كما لو كانت خرافاً
استدرجها الراعي إلى القدَر.
وتقفُ الشعوبُ، وَجَلاً،
أمام هذا القادمِ من صدع التاريخ،
الذي يحملُ ماضياً يتجدد،
ومستقبلاً يفتحُ عينه
على فجرٍ لا يشبهُ ما سبقه».>

وكذلك وضعوا “الدم الفاسد” في ثنايا “فصل في الجحيم” رغم أنف الفرنسيين ومن والاهم من المترجمين العرب والانكلوسكسونيين:
> «.. فيا أيها الجنرال،
إن كان قد تبقّى مدفع قديم على أسوارك الخَرِبة، فاقذفنا بكتلٍ من الأرض الجافة. على زجاج المتاجر الرائعة! وفي الصالونات! اجعل المدينة تأكل غبارها. أكسِد المزاريب. املأ المخادع بمسحوق الياقوت الملتهب…
لقد أحببت الصحراء والبساتين المحترقة،
الدكاكين الذابلة والمشروبات الفاترة
وجررت نفسي في الشوارع النتنة،
وبعينين مغلقتين،
قدّمت نفسي قربانا للشمس، ربة النار».. >

السويديون شعب منظم متحضر ودقيق، وهم يحبون أن يضعوا كل شيء في مكانه، كما يجب أن يكون، حتى لو لم نكن نحن نرغب بذلك!
وربما الأمر كان كما علمنا إياه مولانا أبو الطيب المتنبي حينما قال:
ووضع الندى موضع السيف في العلا _
_ مُضِرٌّ كوضع السيف في موضع الندى.

One response to “كوضع السيف في موضع الندى..”

  1. صورة أفاتار strawberrysublime1fd2acba25
    strawberrysublime1fd2acba25

    طريفة هذه الالتفاتة بخصوص ما قام به السويديون وهم يبوبون أعمال رامبو المترجمة إلى لغتهم كما يشير المعلم حكمت الحاج، الذي يؤكد على دقة الشعب السويدي وتنظيمه (وهل هذه سمة عامة لا تحتمل وجود فوضويين؟)، إنما السؤال الذي يبقى ماثلا، لدي في أقل تقدير: ما المسوغ لهذا الإجراء؟ وإن كان هذا الفعل يشكل عبثا في النص الأصلي أو توجيها قصديا للقارئ السويدي، فهل نحن بإزاء (خيانة مضاعفة) إن صح أن الترجمة تمثل خيانة للنص الأصلي كما هو شائع ومتداول؟

    Liked by 1 person

اترك رداً على strawberrysublime1fd2acba25 إلغاء الرد

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.