أنمار رحمة الله
هرعنا إلى باب صالة الطوارئ في المستشفى، بعد أن دخل علينا رجلُ كان يصرخ (مُصاب.. مُصاب.. النجدة). الطبيب الخفر وأنا وزميلان من المُمرضين، حملنا الشاب الذي كان ينزف على سرير متحرك، وادخلناه إلى الصالة وكنت أنصتُ لصوته المتهدج وهو يتألم، وخفق أحذية الرجال الذين أتوا به وهم يهرولون وراءنا. ارشدنا الطبيب إلى العمل وأن نجهز المواد اللازمة لإسعافه. وبعد الفحص الأولي اكتشفنا أنه مُصاب بطلق ناري في صدره. وحين كان زملائي منشغلين بإجراء اللازم، كنتُ أنا أحدق في وجه رجل يبكي بين رفقاء المُصاب ..نعم.. لم يكن هذا الوجه غريباً عن ذاكرتي فأنا أعرفه جيداً..
***
قبل عشرين سنة كنتُ ما أزال في المرحلة الابتدائية. كان مديرنا رجل أنيق، البذلة وربطة العنق لا تفارقه، متزمت ونظيف جداً، وكان يطلق عليَّ لقب (الوسخ)، وحين يوبخني أو يصفعني يفرك كفه!!. كانت رائحة العطر الزكية التي في كفه تلتصق بخدّي، وتُنسيني ألم الضربة حين يتسلل شذاها إلى أنفي.. حتى التلاميذ لم يكونوا مطمئنين لادعائي بالنظافة، خصوصاً أولئك التلاميذ النظيفين الذين كانت تجلسهم المعلمة في المقاعد الاولى في الصف، وترمي بي في آخر رحلة. كل هذا التوبيخ واللوم كانا بسبب ولعي بالكلاب.. سابقاً لم يسمح لنا المدير بتاتاً بعبور سياج المدرسة، لكنّني كنت أعبره خلسة من أجل الاطمئنان على حال الكلبة (بيّوضه) التي انجبت جراءها في الحديقة العامة المهجورة والملاصقة لمدرستنا. لدرجة أنني كنت أتعاون على احضار الطعام للكلبة مع بعض التلاميذ، حتى صارت صديقة لي، بل صارت حين تراني من بعيد تنبح مرحبة، وتهرول جراؤها نحوي بسلام. بعد أن حفظت الأم وجراؤها رائحتي، ولم تكن تسمح بهذا إلا لي. والتلاميذ الآخرون يكتفون بتسلق السياج والنظر إليها وأنا قربها. وحين علم المدير عاقبنا، وتخلّف أغلبنا عن مراعاة بيّوضه وجرائها، إلا أنا واصلت المهمة، وكنت أتغيّب عن الدرس من أجل احضار ما يتبقى في سلة النفايات في مطبخ المنزل، وأجلس أمامها مستمتعاً بمنظرها مع جرائها. أنا من أطلق عليها هذه التسمية(بيّوضه)، لأنها كانت بيضاء وجراؤها أيضاً كانوا يحملون اللون ذاته. وكنتُ ألمح في عينيها نظرة غريبة، لدرجة أنني كنت حين أطيل النظر في عينيها، أتوقع أنها ستنطق وتقول لي (شكراً). إلى هنا كانت الأمور بخير، حتى سمعنا ذات يوم ونحن في فرصة الاستراحة بين درسين صوت نباح بيّوضه، فلم نتمالك أنفسنا وكنت أول الراكضين صوب مكانها. تسلقنا جدار المدرسة وصرنا نطالع، وإذا بالرجل جارنا السمين الموظف في دائرة البيطرة، ورجل آخر شرطي يحمل سلاحاً طويلاً غامق اللون، ومعهما مدير المدرسة واثنان من أصحاب المنازل التي كانت في الجهة المقابلة للمدرسة.. رفع الشرطي سلاحه مصوباً باتجاه بيّوضه، والجراء كانت تحيط بها، وكنتُ أسمع هريرها الذي تحول إلى نباح، وأعرف جيداً أنها استشعرت الخطر حالها حالنا. وللحظة كنتُ أظن الأمر كله مزحة، لولا صوت الطلق الناري الذي دوّى في سماء المنطقة، وتبعه صوت بيّوضه التي صارت تعوي بصوت عال. اطق الشرطي طلقاً آخر عليها فأرداها ميتة والجراء حولها تنبح. ثم صار ينهي حياة كل جرو بطلق، ولم تفلح الجراء بالهروب يميناً وشمالاً فقد كان الشرطي ماهراً في التصويب. ولم أستطع الصراخ ولا الاعتراض ولا البكاء، إلا حين عدتُ إلى المنزل كئيباً، وانزويت في غرفتي وبكيت على حال بيّوضه وجرائها، لم أنس للحظة صوت عوائها الذي ملأ الفضاء وهي تستقبل الطلق الناري المميت، ولا أصوات جرائها المساكين. ولم أنس للحظة وجه الشرطي الذي قتل بدم بارد الكلبة. وحين أنتهى انهالت عليه عبارات الاعجاب والاحترام والتقدير لمهارته في التصويب، من قبل المدير الذي هتف شاكراً له لأنه خلّص المدرسة وتلاميذها من خطر بيّوضه، وموظف البيطرة الذي كان يعترف أن الشرطي يؤدي واجبه، وأصحاب المنازل الذين قدموا له شكرهم، وأنه خلصهم من كلبة سائبة كانت تزعج منامهم بنباحها ليلاً.. أما أنا فكنتُ الوحيد الذي حقد عليه بشدة، على الرغم من احترام أهل الحي له حين يروح ويغدو..
***
أُدخل المُصاب إلى صالة العمليات، وكان أبوه مُحاطاً ببضعة رجال لعلهم من أقاربه وأصدقائه. وكنت أرى دموعه التي تسيل على خديه وعينيه الحمراوين وهو يبكي على مصير ابنه المجهول. ذهبت إلى غرفة الممرضين المخصصة لنا في المستشفى إذ حان وقت استراحتي، وأخرجت طبقاً ورغيفاً أسد بهما جوع معدتي وأنا أتحدث مع نفسي.. الآن ذقت أيها القاتل الألم والحزن على مصير ولدك!!. لماذا لم ترحم بيّوضه؟!. ألم تكن تسمع عوائها وعواء جرائها الذين نثرْتَ دمائهم على جدران المدرسة؟!. ولا أعرف من أين أتت تلك الفكرة الشريرة في رأسي، حيث أُلقي الوسواس في صدري أن أجهز على ابن هذا القاتل انتقاماً لبيّوضه. بطريقة ما أستطيع إنهاء حياة ابنه وأتفرج عليه وهو ينوح عليه وبهذا أحقق العدالة.. لكنني نفضت هذه الفكرة السخيفة عن رأسي، فأنا لستُ مثله بالطبع، وسأكون أفضل منه بالتأكيد وإن لزم الأمر أن أراعي ولده حتى يُشفى بعد عمليته لفعلت.. ربما في وقتها لم أكن متزناً نوعاً ما، لأنني في نظر الآخرين سأكون معتوهاً، حين أقارن بين (الإنسان)، وبين بيّوضه وجرائها الذين هم مجرد حيوانات سائبة..!!. ثم أنه كان يؤدي عمله وحسب، ولا عداوة بينه وبين الكلبة والجراء. هذا ما قالته لي أمي في وقتها قبل عشرين سنة، حين انتبهتْ لمُسحة الكآبة على وجهي، وحالي الذي تبدل إلى فتور وحزن شديدين بعد مقتل بيّوضه وجرائها المساكين.. ومباشرة قررت أن أنسى كل هذا وأعود إلى عملي بعد أن أأخذ غفوة بسيطة تعين بدني على السهر وتعب المهنة. وفي تلك الغفوة حلمت بالمشهد ذاته، صوت الكلبة الذي دوّى في ذلك الضحى المشؤوم، ومازال عالقاً في أذني حتى هذه اللحظة. ثم رأيتني في الحلم ليلاً قرب سياج المدرسة، عبرت ولم يكن أحد معي.. لم أكن بعمري هذا بل كان عمري في الحلم عشر سنوات، تماماً كما في أول لقاء ببيّوضه وجرائها. دنوت من المكان ذاته وندهتُ عليها بالعبارة ذاتها التي كنت أنده عليها في طفولتي.. لم أصدق عينيّ وأنا في الحلم، حين رأيت بيّوضه بالفعل تُقبل هي وجراؤها ولكن هذه المرة ليست نحوي!!. أرتعد بدني ولم تستطع يداي السيطرة من شدة ارتجافهما، حين طالعت ابن الشرطي مقبلاً من الناحية الأخرى، وهو يحمل كيساً، فتحه وأفرغه أمام الكلبة والجراء الذين هرعوا ليأكلوا الطعام الذي افرغه. لقد كانت بيّوضه والجراء ملطخين بالدم، لكنهم كانوا يأكلون مستمتعين براحة كبيرة.. يبدو أن الجراء وجدت من يرعاها غيري ولم تلتفت إليَّ.. ثم تلاشوا رويداً رويداً في ظلام المكان.. بيّوضه والجراء وابن الشرطي، الذي كانت إصابة صدره ماتزال ذات حُمرة نديّة.. ولوهلة لم أميز بين الأصوات في الحلم، وبين صوت آخر بدأت أنتبه له شيئاً فشيئاً..!!. إنه صوت رجل يصرخ..؟!.. فتحت عينيّ بسرعة ونهضت من سريري في الغرفة وإذا بالشرطي ينحب في ممر الصالة واضعاً كفيه على وجهه، بعد أن خرج الطبيب وكادره وقد ابلغه أسفه على عدم النجاح في إنقاذ روح الشاب من مخالب الموت.. دنوت بخطى متمهلة من الشرطي الذي كان يصرخ عالياً، وقد توكأ على اثنين من معارفه وأخرجوه من المكان.. تحرك قلبي بسرعة.. ارتعد بدني.. حتى شعرت أنني بحاجة إلى البكاء بشدة، وبالفعل دخلت غرفتي وبكيت.. بكيت بقوة واضعاً كفيّ على وجهي، وزميلي الذي دخل عليّ فجأة وسألني عن سر هذا البكاء، لم يقتنع حين قلت له بسبب هذا الرجل الذي مات ولده. وقال لي ساخراً أننا رأينا حالات أشد من هذه فلماذا تأثرت هذه المرة؟!. فلم أجبه.. كل ما فعلته أنني حين أنهيت عملي عدت إلى المنزل، ومررت بمكان الحديقة العامة الملاصقة للمدرسة، حيث كانت بيّوضه تعيش هي وجراؤها.. أردت الدخول للمكان لكنني ترددت خوف أن يراني أحدهم.. مرت الأيام على وفاة ابن الشرطي، وكنت كلما ذكرت ما جرى دمعت عيناي على الماضي. وأقول في نفسي أنني لم أكن وحدي من يبكي. ففي غرفة ما، في منزل ما، كان هناك بالتأكيد رجل يبكي مثلي، ولكن بكاءه وحزنه على فراق ولده وحسب. على عكس حزني أنا الذي كان على كل جريح متألم قابلته في حياتي، منذ حادثة بيّوضه وجرائها وحتى آخرهم ابن الشرطي البائس.. وفي لحظة تساءلت مع نفسي.. ماذا يحدث لو أنني تناسيت كل ما جرى ومحوته من صفحة ذاكرتي..؟!. إنها عداوات مضحكة وغير مُجدية، لا يعلم بها أحدٌ سواي في العالم، ولم تؤذ بألمها أحداً غيري. ولكي أكون مُنصفاً مع نفسي عليّ نسيان الحادثة كلها، تماماً كما نسي الآخرون من زملائي بيوّضه والجِراء والطلقات النارية في ذلك الضحى، ولقباً قديماً يُدعى (الوسخ) لطفل يلعب مع الكلاب، صار مُمرضاً محترماً في مُستشفى المدينة..
أضف تعليق