عواطف محجوب
إن هذه القصص المختارة التي ضمها كتابي الأول بعنوان “لاعب الظل”، والذي صدر مؤخرا عن “مومنت للكتب والنشر” بالمملكة المتحدة، تتناول بالحكي والسرد، أربعة مواضيع رئيسية متنوعة، وهي كالتالي:
- الارهاب والعنف،
- الثورة التونسية وتداعياتها،
- الهجرة غير الشرعية،
- والأمراض النفسية والعضوية النادرة التي يظن الكثير منا انها خيالية، لكنها موجودة فعلا على غرار الأرجيريا والبورفيريا .
تبدو القصة القصيرة بالنسبة لي، ليست مجرد فكرة تبرق في الذهن فأكتبها مباشرة وأرضى عنها من أول محاولة. القصة عندي تبدأ بمراقبة ما يحصل حولي من أحداث ومتابعة تداعياتها، وكلما كان الحدث مستفزا لي كلما كان الأقرب إلى تحويله إلى قصة فيما بعد. إلتقاطي للحدث يفرض علي عملية بحث وقراءة معمقة في الموضوع الذي يصب فيه، فأطلع على المصادر الصحفية والأدبية والعلمية للاحاطة بكل جوانبه، ومن ثم، التفكير في زاوية التناول التي سأستخدمها في السرد، وهل سأكتب ذلك بواقعية تقرب من التسجيلية بأمانة نقل الوقائع، أم سأستعين بمجال آخر من أجل ايصاله في حلة غير معهودة، تفاجيء القاريء فيما بعد، لأنني لا أحبذ التكرار وإعادة ما سبق. وبعد ايجاد زاوية التناول، وتحديد الأمكنة الظرفية، وتكوين ملامح الشخصية، أجدني ملزمة بالإمساك بخيط السرد في البداية والنهاية، في نفس الوقت. هذا الخيط لا يكون طويلا، بل هو كرة صغيرة تلتف على خيط قصير بالكاد يخيط لقطة مصورة في مكان به إنارة، لكنه ضيق جدا. هكذا هي القصة يكون رهانها في ايجازها بحيث لا تتخلخل البداية ولا تبهت النهاية ولا تتوقف الشخصيات عن الحركة والنمو. انها تنمو، لتقدم على خوض الحدث القادح بكل شجاعة. فلا زوائد ولا ترهل ولا تفرعات ولا تفاصيل كثيرة حتى لو كان مسمار دق بحائط يذكر في البداية، وفي غمار الأحداث لا ينسى القاص شنق البطل عليه في النهاية، حسب قول الكاتب الروسي الكبير أنطون تشيخوف. القصة رهان إن أتقنته فسيفتح الباب لكنها نحو أجناس أدبية أخرى، تبدا من الشعر وربما لا تنتهي بالرواية، مطمح كل القصاصين.
لم أكن أتوقع يوما أنني سأصل الى هذه المرحلة في التجربة الابداعية، رغم تواضعها. فعبر زمن طويل قضيته في الكتابة، كنت أكتب لنفسي في البداية، دون اية ضوابط، ثم تحول الأمر جديا إلى تدريب وتجريب وتعرف على أجناس الأدب. ومع تقدمي في المضمار، تمكنت من معرفة أي مجال أدبي يستهويني. فتواترت النصوص التي كانت في جنس القصة القصيرة تحديدا، وكنت كلما كتبت آخر قصة إلا ووجدتها أكثر جودة من القصة التي سبقتها، حتى اكتسبت نوعا من السيطرة على أدواتي، ووعيا يجعلني أكتب هذا الصنف بكل أريحية. وهو ما جعل القصص تتراكم عندي مع تقدمي في التجربة. الأمر الذي جعلني أفكر في جمع تلك النصوص، أسوة بغيري من الكتاب، وتجهيز مخطوط يصلح للنشر. اصطدمت بادئ الأمر بصعوبة ايجاد معيار على ضوئه أختار النصوص، لأن المسألة حسب رأيي تتجاوز الذوق والميول الشخصية، فلابد من توفر منطق عام أو خيط رابط بينها يجمعها كحبات لؤلؤ في عقد. وفي الأخير، كان مقياس الزمن هو الحاسم في الموضوع، وقر قراري على أن أختار القصص الحديثة تلك التي كتبتها في السنوات الثلاث الأخيرة، لأنها الأنضج تجربة والأمتن أسلوبا، حسب رأيي. ورغم ذلك فقد كان عدد القصص كبيرا، وهو ما أدخلني في عملية مفاضلة بين القصص، مما فرض علي سحب العديد من القصص خارج المخطوط.
وبعد بحث طويل ومتابعة لأنشطة العديد من دور النشر، اتصلت بدار مومنت للكتب والنشر الموجودة بلندن. فبعد تلمسي للجدية في العمل والحرفية العالية التي تميز صناعة الكتاب في هذه الدار بما هي صناعة ثقافة تتفاعل فيها جميع الأطراف المتصلة بالكتاب بداية من الناشر والكتاب والمؤلف وصولا إلى القارئ. وترسيخا لثقافة الكتاب لا تجارة الكتاب. الأمر الذي منحني ثقة بأن كتابي سيحظى باهتمام كبير من أسرة دار مومنت، وعلى رأسهم رئيس الدار الشاعر العراقي حكمت الحاج. وهنا أشيد بسرعة الرد على المراسلات والسلاسة في التعامل والاهتمام بأدق التفاصيل. إذ كنت أبحث عن ناشر لا يصف قصصي بالنخبوية ولا الغرابة ويقبل عوالمي الموجودة فيها دون أدنى تغيير.
القصة القصيرة ذلك الفن الأصعب، حسب قول الناقد حكمت الحاج، رغم صعوبتها وتمنعها الدائم، فقد أغرتني لخوضها بكل شجاعة، رغم يقيني أنني لم أصل إلى درجة عالية في اتقانها. هذا الانجذاب، وبمساعدة فضاءات أخرى كالأسطورة والموروث الشعبي والسريالية، جعلتني أصنع عالما خاصا بي، وأكتب بطريقتي التي ربما هي طريقة غير معهودة. وشجعتني بالأخص على الكتابة في قضايا حارقة مستجدة، كالحديث عن الثورة التونسية في 2011 وما رافقها من زخم تناثر في أرجاء العالم بحكم معايشتي لأحداثها وظروف اندلاعها عن قرب. أو موقفي الجندري من نفسي كامرأة، ومن المجتمع الذي أنتمي إليه. وماذا سينتج تبعا لذلك من نصوص ابداعية، وهل ستصنف ضمن الأدب النسوي أم لا، وهل قصصي ذهنية أم واقعية، خاصة وأن بصمة آبائي من الأدباء تلوح بطريقة غير مباشرة في كتاباتي، على غرار البشير خريف ومحمود المسعدي وتوفيق الحكيم ومحمود تيمور، وغيرهم من المبدعين الخالدين.
ان كتابة القصص القصيرة هي فن في غاية الامتاع اذا ما استطاع كاتبها أن يراقب واقعه بعين دودة تسعى في الارض، وأن يحلق في الآن ذاته نحو الذرى ليختلق عالما جديدا غير مرتاد، يقود فيه قراءه من خلال الصور والكلمات ليجوبوا معا كل أرجائه في سبيل اكتشاف معنى جديد للحياة.
أضف تعليق