عبد الجليل حمودي
إنّ موضوع المرأة من المواضيع الحارقة التي أرّقت الأدباء فاشتغلوا عليه. ولعلّ القضية تشتدّ ضراوة إذا كانت المبدعة امرأة فتمتزج الذات بالموضوع وتضحى المرأة تعالج قضيّتها دون الالتفات إلى سيادة الرجل سواء كان نوعا اجتماعيا أو شخصية إبداعية.
ومن بين المجموعات القصصية التي تلفت انتباه القارئ في هذا المجال هي “لاعب الظل”، للقاصة التونسية “عواطف محجوب”، والذي صدر مؤخّرا عن دار “مومنت” للكتب والنشر بلندن. ولئن تعدّدت المواضيع وتنوّعت في هذه المجموعة القصصية، فإنّ القارئ ينتبه إلى أنّ قضية المرأة قد احتلّت مكانا هاما بينها. فقد كانت المرأة موضوعا رئيسا لستّ قصص: لوسيفر وقضبان للصدفة وعرائس القصر ورقّ والأقلّ حظا وكأنّه السراب وماريونيت.
تنطلق القاصة “عواطف محجوب” من البيئة المحلية التونسية بمواضيع حارقة مثل الإرهاب والثورة والهجرة غير الرسمية والمرض النفسي وخاصة قضية المرأة، وهي في كلّ ذلك لم تحاول أن تجمّل ماهو قبيح، فلم تُهدِ إلى القارئ صورة سياحية للبلد، بل انبرت تنبش في ثنايا الواقع التونسي المعاصر متجاوزة الصورة النمطية الملتقطة لتونس السياحية وتجاوزت الشوارع الرئيسية الكبيرة فدلفت إلى ما وراء ذلك وتسلّلت إلى خبايا المجتمع التونسي وتسرّبت إلى أزقّته المتعرّجة الضيّقة، بل سافرت بنا إلى دواخل البلاد عبر غاباتها وأنهارها، ترينا من عذابات أهلها ألوانا، ومن مآسيهم قطائف في طعم الحنظل والحرمل، فلم تعد الثورة ياسمينيّة الصفة، وإنّما أضحت تأكل أبناءها، ويركبها من لم يشارك فيها فيستفيد منها تاركا من أولع شرارتها دون عمل ولا مستقبل مضيء وتبخّر شعارها الأساس “كرامة وطنية” بل إنّ القاصة تدين، وإن من وراء حجاب، من فتح الابواب أمام الإرهاب ليدخل عنوة إلى الساحات فيرتكب ما يرتكب من جرائم وفظائع.
إنّنا في هذه الورقة سنحاول أن نتتبّع مختلف صور المرأة ووضعها في المجتمع التونسي بعد الثورة كما وردت في المجموعة القصصية “لاعب الظل”.
ولئن تعدّدت المواضيع وتنوّعت في هذه المجموعة القصصية، فإنّ القارئ ينتبه إلى أنّ قضية المرأة قد احتلّت مكانا هاما بينها. فقد كانت المرأة موضوعا رئيسا لستّ قصص: لوسيفر وقضبان للصدفة وعرائس القصر ورقّ والأقلّ حظا وكأنّه السراب وماريونيت.
تنطلق القاصة “عواطف محجوب” من البيئة المحلية التونسية بمواضيع حارقة مثل الإرهاب والثورة والهجرة غير الرسمية والمرض النفسي وخاصة قضية المرأة، وهي في كلّ ذلك لم تحاول أن تجمّل ماهو قبيح، فلم تُهدِ إلى القارئ صورة سياحية للبلد، بل انبرت تنبش في ثنايا الواقع التونسي المعاصر متجاوزة الصورة النمطية الملتقطة لتونس السياحية وتجاوزت الشوارع الرئيسية الكبيرة فدلفت إلى ما وراء ذلك وتسلّلت إلى خبايا المجتمع التونسي وتسرّبت إلى أزقّته المتعرّجة الضيّقة، بل سافرت بنا إلى دواخل البلاد عبر غاباتها وأنهارها، ترينا من عذابات أهلها ألوانا، ومن مآسيهم قطائف في طعم الحنظل والحرمل، فلم تعد الثورة ياسمينيّة الصفة، وإنّما أضحت تأكل أبناءها، ويركبها من لم يشارك فيها فيستفيد منها تاركا من أولع شرارتها دون عمل ولا مستقبل مضيء وتبخّر شعارها الأساس “كرامة وطنية” بل إنّ القاصة تدين، وإن من وراء حجاب، من فتح الابواب أمام الإرهاب ليدخل عنوة إلى الساحات فيرتكب ما يرتكب من جرائم وفظائع.
إنّنا في هذه الورقة سنحاول أن نتتبّع مختلف صور المرأة ووضعها في المجتمع التونسي بعد الثورة كما وردت في المجموعة القصصية “لاعب الظل”.
لا يمكن لاثنين أن يختلفا في أنّ المرأة التونسية قد اكتسبت حقوقها بفضل قوانين حداثية تحسدها عليها المرأة العربية، وكان ذلك نتيجة لنضالها، وفرض جدارتها في المنزل والعمل والفكر والإبداع بصورة بطوليّة كان ثمنها الكثير من التضحيات الجسيمة. وليس خافيا على أحد أنّ المرأة التونسية تبوّأت مرتبة الريادة مقارنة بنظيرتها العربية إذ كانت أوّلُ طبيبة عربية تونسيةً وأوّلُ قائدة طائرة عربية تونسيةً وقس على ذلك مكانتها في مجالات أخرى متعدّدة. هذه الصورة الناصعة للمرأة التونسية لم تر فيها “عواطف محجوب ” إلّا وجها (ملك في القطع النقدية) يخفي قفًا (كتابة) يناقضه ولا يدلّ عليه بل انبرت تتلمّس بحسّها الإبداعي صورا أخرى للمرأة التونسية لم يألفها القارئ العربي. إنّها تقوم بتشريح الجرح أكثر رغم إيلامه بدلا من تكثيف الضمائد عليه إيمانا منها بأنّ الطريق الأسلم هو المداواة لا المداراة فحضرت صور المرأة المنتهكة جسدا وحقوقا والمعذّبة من الأسرة والمجتمع والدولة والمستغلّة من طرف الرجل زوجا ورئيسا في العمل ورجل دين وخرافة.
*صورة المرأة المتحرّش بها
تنقل إلينا القاصّة أنّ الرجل التونسي لا يرى في المرأة إلاّ الجانب الفيزيولوجي. إنها الكائن الذي يحقّق رغباته. آلة للذّة هي ومصدر للإشباع والامتلاء. أخفى عنه ماهو انطولوجي فيها فإذا به يتحرّش بها. إنه الإمام في قصة “لوسيفر” الذي سكنه الشيطان فأصبحا واحدا. مفارقة عجيبة لعبت بها القاصة لتعمّق المأساة أكثر. إمامٌ ينهى عن الفحشاء والمنكر فيعوذ بالله من كلّ شيطان رجيم فإذا به يفعل أفعاله ويأتي ما يأتيه “يثبّت قسرا فتاة إلى الخلفية البيضاء بيد وبيده الأخرى يكتم صراخها وحالما هدأت مقاومتها قليلا انبرى يقبّلها عنوة وهي تحاول أن تشيح بوجهها عنه بينما يده تتوغّل في أنحاء جسدها” . أقبِح بها صورةً يتخيّلها المرء لإمام يهدي الناس إلى سواء السبيل فإذا به يضلّ السبيلَ متحرّشا بفتاة عاجزة عن صون نفسها منه. يأتيها قسرا وهي تشيح عنه دون قدرة عن الانفلات منه. هكذا هي المرأة المتحرش بها وعاء يُملَأ بشهوات الرجل ونزواته وتزداد الصورة قتامة عندما يكون ذلك الرجل إماما.
*صورة المرأة المغتصَبة
إنّ الاغتصاب إلى جانب تعريفه القانوني الذي هو جماع جنسي أو أشكال أخرى من الإيلاج الجنسي يرتكبه الجاني ضد الضحية دون موافقتها فإنّه يمثّل إحدى مخرجات المجتمع البطريركي الذي تسود فيه سلطة الرجل على حساب المرأة ممّا يولّد لديه أنّ المرأة ملك له مثل بقية الأشياء يفعل بها ما يشاء حتى دون موافقتها فهو يعتبر أنّه من حقّه الاعتداء جنسيا على المرأة فما هي إلا مصدر للذّته.
إنّ صورة المرأة المغتصبة تبرز جليّا في ثلاث قصص هي “قضبان للصدفة” و”عرائس القصر” و”الأقل حظا”. أربع شخصيات كنّ ضحايا الاغتصاب: نادية هفهافة مثل الندى نديّةٌ كالزهرة في طور التفتّح كريمة حسب المعنى المعجمي لاسمها كانت ضحية القدر أودعت السجن ظلما واعتدت الدولة عليها. سجن كالسجون العربية جميعها مأوى للتعذيب والتنكيل، بل مقرّ لانتهاك كرامة المرأة. تداول على نادية أكثر من واحد يغتصبونها فعلا ورمزا، يلجون جسدها دون سابق إنـذار ولا مـوافـقة. يهتكون كرامتها بسلبها حرّية تشبّثت بها دون جدوى. لقد “كبّلوها ثم تناوبوا على اغتصابها. تذكر فقط آخرهم يهمس لها قبل أن يغمى عليها: قدمت لمتعتنا استسلمي”.
وعفاف لم يشفع لها اسمها وما يرمز إليه من عفّة وطهارة، إذ تسلّح الشيخ عدنان بما أوتي من خرافة حتى ينتهكها. إنها الخرافة التي تكون بديلا عن العقل. تمتلك الحقيقة عند مريديها أكثر منه. توسّل بها الشيخ لتخليص عفاف من جنّ ركبها فإذا به هو الجنّ الوحيد الذي ولجها. ف “عبث بها وقبّل منها ما شاء ثم زحف أكثر واخترق جدار عفّتها. هتك عرضها بل اغتصبها”، أمام عجز العلم عن تخليص عفاف من مرضها. علم يفترض أنّه السبيل الوحيد للإنقاذ من الموت ودفع الإنسان نحو الحياة فأصبح ضعيفا لا يقدر على شيء. هكذا “استسلم الطبيب وطلب منها عدم المجيء للمستوصف لأنّه عجز عن تفسير مرضها”. فهل كانت عفاف ضحية للخرافة أم ضحية للعلم؟ مفارقة تذهل العقل لكن سرعان ما تنجلي الغيوم ويعود للعقل عقلُه ويضحى العلم هو المخلّص الوحيد للإنسان. كان ذلك في قصة غادة دارسة الفلسفة التي لا تؤمن بمقولة “إلجام العوام عن علم الكلام” فانبرت تبثّ أفكارها للعامة فاتهمت بالزندقة. بجنّ زنديق ركبها. وتلعب الخرافة لعبتها مرة أخرى إلا أنّ العلم حرّر غادة من ربقة المغتصب “فلم يُغم على الضحية الجديدة تلا الرقية وأعاد التلاوة ولم تغب عن الوعي كما كان مخططا له” و “في غفلة منه حرّرت يديها من القيد المرتخي ثم وسطها”.
أما في قصة” الأقل حظا” فقد كانت الشخصية رسما بلا اسم. لم تعيّن لها القاصة اسما علما لتكون رمزا لكلّ فتاة تلقى نفس مصيرها. إنّها مفرد في صيغة الجمع. فتاة من الريف دفعتها الظروف إلى العمل الفلاحي تجني ما طاب من الثمار و ما قبُح من الأفعال. آلة للجنس عند مشغّلها. جسد هي دون روح عنده. ككلّ المجرمين قرّر فخطّط فنفّذ بصورة وإن كانت في مستوى الإبداع أجمل ما يكون فإنّها الأقذع في مستوى الواقع “من الخلف امتدّت يده تكتم أنفاسها وبالأخرى وضع سكينا بنحرها. انتفضت رعبا وحاولت الهرب لكنّ قبضته استحكمت حولها التصق بها أكثر استنشق رائحة شعرها وبشرتها اليانعة”. عادت تقاومه فهدّدها بالضغط أكثر على نحرها سكنت مرغمة دامعة المآقي. طرحها أرضا عصب عينيها بوشاحها وجرّدها من ملابسها. اتّقد جنونه واستعرت شهوته كالنار في الهشيم شدّها إليه بعنف ووحشيّة حيوان غزا كل شبر من جسدها دون أدنى تردّد”.
*صورة المرأة المستعبدة
تتجلّى صورة المرأة المستعبدة خاصة في قصة “رقّ” حيث تنقل لنا القاصة عواطف محجوب معاناة النساء العاملات في الأرياف تتابع ضنك معيشتهنّ بين العمل والبيت. اضطرّت الشخصية الرئيسية إلى العمل في بيت مذيعة الأخبار التي تستقبل جمهورها بوجه مشرق بشوش تغريهم بإطالة النظر إليه فتأسرهم لمشاهدتها وتستقبل معينتها المنزلية بوجه عبوس شمطائيّة الملامح تذيقها من العذاب وسوء المعاملة ألوانا. تصرّ القاصّة إذن على نقل معاناة المعينات المنزلية وانقسام شقائهنّ بين سيّدة معذّبة وزوج يدفع شقاءها من أجل قارورة خمر ثم يطردها ويطلّقها “إنها تحتاج يوم إجازة فالولد مريض وزوجها الكريه القاسي لن يعتني به بل سيضربه بشدّة إن سمع صوت بكائه.كُسر ظهرها وهي تنحني تخدم هذه السيدة الماجنة وذلك الزوج البغيض كلاهما لا يعرف سوى إصدار الأوامر والويل لها إن قصّرت أو تقاعست”. وتتواصل المعاناة بالعمل في الحقل. عمل لا يوفّر لها أبسط مقوّمات العيش غير أنّه يخلّصها من إهانة السؤال. وتتعمّق المأساة بانقلاب شاحنة النقل التي تحملها وزميلاتها ” تلفّعت الراكبات يحتمين في الخلفيّة بصناديق الخضار الفارغة درءا للبلل والشاحنة تتقدّم بطيئة مترنّحة. في منتصف المسلك الفلاحي الضيّق الزّلق انهارت الأرض وتدحرجت الشاحنة إلى هوّة الوادي. وتوفّيت مع كلّ من كان على متنها السائق والعاملات البائسات” . موت يضع حدّا لشقاء الحياة وتتعاطف القاصّة معهنّ وتتوسّل بصور فانتازية فيصرن حمامات ينتقمن من صاحب الأرض ومن سيّدة الشخصية الرئيسية يحرمنها من جمال كثيرا ما تباهت به فتُجبر على البقاء في البيت علّها تحسّ بمعاناة المعينات المنزليات لكن هيهات.
وتتواصل رحلة الاستعباد والاستغلال مع قصّة أخرى هي قصة “ماريونيت”. إنّها فتاة دمية بالنسبة إلى الآخرين قادها القدر إلى براثن الإرهابيين يتلاعبون بها تلاعب من يتحكّم في الماريونيت. تنقاد إلى أهدافهم لا حول لها في الانفلات من قبضتهم بل إنّها تنفّذ ما يرغبون. تحوّلت إلى ذئبة من ذئابهم مبرمجة على طاعتهم “تشرّبت السائل أكثر والنداء يقترب منها ويعلو واضحا لا يخطئها سمعها: منى .. منى ستعبرين مع الذئاب عودي إلى الأصل فآدم هو الأصل لا حوّاء” . هكذا يمحون أفكارها ويضعون بدلها أفكارهم تتّبعهم حيث يريدون ولو كان قتل نفسها و الآخرين ” أشارت نحوهم تستغيث لإسعافها لكنّها تهاوت في انفجار مكتوم انطلق من وسطها المفخّخ وأصاب الأقرب إليها، انمارت الخيوط التي تأسرها بينما تداعت جثّتها مشوّهة ملقاة كجيفة وتساقط جرحى كثيرون من حولها”. ويبلغ الحماس لقضية المرأة بالقاصة مبلغا يجعلها تتعاطف مع المرأة المذنبة أيضا. إنّها تحاول إبعاد الذنب عنها فتجعلها في حكم المغرور به من طرف الرجل. امرأة قاتلة ولكن ليس لها القدرة على الامتناع عن ذلك فهي دمية تقدّم عرضها للجمهور ومن وراء الستار يختفي الفاعل الحقيقي اللاعب بها ولا تدركه العيون.
*صورة المرأة الصديقة
بعد كل هذه الصور القاتمة للمرأة في المجموعة القصصية “لاعب الظل” تفتح القاصّة كوّة في المغالق. يتنفّس من خلالها القارئ وينفتح أمامه بعض الأمل. إنّها صورة المرأة الصديقة في قصة “كأنّه السراب ” امرأة أقامت علاقة صداقة مع مجنون فكان كريما معها وفيّا لها في حياتها ومماتها بكاها كما لم يبكها أحد وأصرّ هو على دفنها بيديه وجنّحت بنا القاصة في عالم الفانتازيا لتنعشنا بصور خيالية ترقص فيها القبور ويجنّح فيها الموتى سعادة لا يكدّر صفوها شيء. إنّها مهرجان من الألوان والحركات والرقص والموسيقى. احتفاليّة المجنون بصديقته واحتفالية القاصة بقصتها. “تفتّحت من أصابعه زهور جميلة غرسها فوق القبر وطارت حمامة من رأسه في لمح البصر بنت عشّها على أقرب شجرة وهدلت حزنا مع زهير. فجأة تراقصت القبور.. تكلّمت الأشجار المتفرّقة ورقصت على رؤوس جذورها مصفّقة بأغصانها وشدت الطيور في جوقة وتحوّلت إلى عرائس بحر ثم اختفت بلمح البصر”. إنّه الحب بل أقدس من الحب وأطهر. إنّها الصداقة علاقة نقيّة لا شيء يشوب صفاءها خلّصت بها عواطف محجوب المرأة من حبّ قد يتحوّل إلى استعباد ومنحتها حريّة الصداقة في صفائها اللامتناهي بل جعلت الرجل مجنونا فقد عقله. مجنون بها في غير تكبيل لها فهل يكون العقل هو الذي أمر الرجل بأن تكون المرأة دونه؟
إنّ المتأمّل في هذه الأقاصيص لابدّ أن تشدّ انتباهه ملاحظات تجمع بينها وتنسج خيوطا ناظمة لها:
1= ترافق كلَّ عمليةٍ يقوم بها رجلٌ امرأةٌ تعينه على ذلك إن بوعي أو من دونه. ففي قصة نادية تبدو سعادتها لم تكتمل بوجود محقّقة أنثى. لم يشفع لها جنسها في أن تكون رؤوما رؤوفا بها “حتى جاءتها محققة امرأة لعلّها تتفهّم أمري. فكّرت في سرّها. أمرتها بالقيام والسير معها. حاولت نادية التكلّم فصفعتها منكّسة الرأس تبعتها كراية مهزومة” . أمّا في قصتي عفاف وغادة فإنّ الأم هي التي أودت بابنتها إلى محرقة الاغتصاب سلّمتها إلى الوحش إيمانا بالخرافة وهروبا من وحش آخر هو المرض أو الزندقة حسب اعتقادها. أما في قصة” الأقل حظا”، فإنّ الزوجة الثانية هي من أودت بالضحية إلى مصير مغتصبها. فكأنّ المرأة استوعبت وضعها الدونيّ واستكانت إليه فأضحت ضدّ نفسها قد تفعل بها ما يفعله الرجل.
2= يرافق الاغتصابَ الموتُ إمّا هروبا من فضيحة وعار يلتبس بالمغتصبة أو انتقاما من الذات أو انتقاما من الآخر. يحضر الموت في كلّ الأقاصيص المدروسة إلا في قصة “قضبان للصدفة” فإنّ الموت لا يبدو واضح المعالم إلا ببعض من التأويل إذا ٱعتبرنا أنّ الحريّة التي تحصّلت عليها نادية هي موت رمزي بما أنّها قرّرت أن لا تعود إلى عائلتها ومجتمعها. فهي عندهم في حكم المعدوم فقد “صلّوا عليها صلاة الغائب وأصبحت تراثا في نظرهم ممنوع ذكرها أو الخوض في سيرتها لقد جلبت العار للعائلة بدخولها السجن ولو على سبيل الخطإ. خير لها أن تكون جثة في قبر أو تتعفّن في زنزانة المهم أن لا تعود إلى العائلة وهي موصومة بالعار ملطخة في الوحل” أمّا عفاف فإنها آثرت الموت إثر هروبها من القصر إذ سقطت فماتت ” دُقّ عنقها على الصخور فماتت” ولم يكف الآخرون موتها بل شمتوا فيها واعتبروا أنّها “تستحق الموت لأنّها تجرّأت على الأسياد” وعلى عكس عفاف برزت غادة متحدّية الآخر. أثبتت ذاتها بفضل علمها وقادت الآخر إلى الموت إذ انتهى الأمر بالشيخ عدنان إلى الإعدام. وإذا نظرنا إلى قصة” الأقل حظا” سنجد المغتصبة تكون بالنسبة إلى الموت هي الفاعلة والمفعول بها قتلت مغتصبها انتقاما لذاتها وقتلتها الزوجة الثانية انتقاما منها. هكذا يكون الموت عنوانا رئيسا في موضوع الاغتصاب يحضر بقوة فكأنّه يشير إلى أنّ الاغتصاب في حدّ ذاته موت رمزي انتزاعٌ للحياة من ضحية أقبلت على الحياة لكنّها رفضتها.
3= لا يكتفي المغتصب بفعله فقط فيقوم به متسرّعا وإنّما يُعِدّ له احتفالية متكاملة فيضحى الاغتصاب طقسا تكون المرأة إحدى عناصره. إنّه يوفّر اللذّة لجميع حواسّ المغتصب من سمع وبصر وشمّ وذوق ولمس. لذائذ حواس تتعاضد لتحقق للمغتصب اللذة الكبرى أو الامتلاء التام. فكأنّ فعل الاغتصاب ليس اعتداء على جسد آخر وإنما هو احتفاء به. يحتفي المغتصب بالجسد إمعانا في إذلال الآخر وإيهاما للذات بأنّ فعلها لا يحطّ من إنسانيّتها. ففي قصة “قضبان للصدفة” أخذت المحقّقة نادية إلى حمّام فاخر ” أين أمرتها بالاغتسال ثم ألبستها فستان عرس أبيض وزيّنت وجهها بالمساحيق حوّلتها إلى عروس” لقد تحوّل مشهد الاغتصاب إلى مشهد سينمائي تستعيده ذاكرة المغتصب كلما حنّت إليه “دلف ضابط يصحبه آخر يحمل آلة تصوير. اقترب الأول وبدأ حارسه بتصوير ما يحدث دون أدنى خجل”. وتكرّر مشهد لباس فستان الزفاف في قصة “عرائس القصر”، فالشيخ عدنان يشترط أن “تجهّز له العروس كلّ واحدة حسب شروط الأسياد التي يمليها على أهل الفتاة. تلك ترتدي حراما أحمر والأخرى فستانا أبيض والتالية تلبس حولي أسود عليه تعجيرة. كان حريصا جدّا أن تلبس كل واحدة لباس العروس التقليدي أو العصري. لباس اليوم السابع أو ليلة الحنة، فكلّهن عرائس يزهر بهنّ القصر”، بل يصرّ أن يكون المشهد رومانسيا مع غادة فيوصي أمّها قائلا “ألبسيها يوم الخميس لباس نوم خفيف لا شيء تحته ليسهل خروجه”، ثم “ينهمك يشرب الخمر ويأكل المكسرات” حتى يعتدل المزاج و تبلغ النشوة منتهاها.
4=كلّ من قام بفعل الاغتصاب له سلطة. فالسلطة صنو الاغتصاب ورديفته. إنّنا إذا أمعنّا النظر في شخصيات المغتصبين نلفاهم أصحاب سلطة بمختلف مجالاتها. فمغتصبو نادية سجّانون يمثّلون الدولة فهم يدها الطولى تمتدّ لتسلب الضعفاء حرّيتهم وتنتهك أجسادهم. ومغتصب عفاف وغادة ما هو إلاّ الشيخ عدنان. اسمه لا يدلّ عليه. إنّه الجحيم القابع على أنفاس الفتيات يكتمها بأبشع أفعاله واكتسب سلطة الخرافة التي لا رادّ لها رغم توسّل الضحايا لما تحمله من قوّة تقنع الآخرين بضرورة اتّباعها ولو كانوا أمّهات. أمّا في قصة “الأقل حظا” فإنّ مشغّل الفتاة المغتصبة وربّ عملها وسلطان قوت عيشها استغلّ سلطته المالية حتى سوّلت له نفسه أن ينتهكها.
هكذا تعدّدت صور المرأة في المجموعة القصصية “لاعب الظل” للقاصة عواطف محجوب، وأماطت بها اللثام عن حقيقة تعيشها المرأة في تونس، ونفضت عنها غبار القوانين الحديثة والتشريعات المتقدمة لتنبّه القارئ إلى أنّ المرأة التونسية خصوصا والعربية عموما ما زالت ترزح تحت نار التحرّش والاغتصاب والاستعباد وما زال ينتظرها الكثير من النضال حتى تزيل غبش التاريخ وما استقرّ فيه من ذهنية لم تر فيها إلاّ جانبا فيزيولوجيا آلةً للجنس والاستعباد. كلّ ذلك نقلته عواطف محجوب بلغة رائقة تجنح بالقارئ إلى الإبداع فالإمتاع وتجعله يحلّق في سماء الفانتازيا علّه يتحرّر من واقع كبّله وتصاريف حياة أثقلت روحه.
هامش: كل الإشارات داخل المقال تحيل الى كتاب لاعب الظل، تأليف عواطف محجوب، منشورات مومنت، لندن 2021.
ولتنزيل نسخة الكترونية من كتاب لاعب الظل برجاء اتباع الرابط التالي:
أضف تعليق