القصة..
ياسين بن فرج
تنتهي قصتنا في قرية صغيرة بهدوء النسيان في ذاكرة مثقوبة تغازل الجبل بنشر جدائل واحاتها على سفحه وتمتد أطرافها للشاطئ تغتسل بموجه كل مد وتتجفف كل جزر شاطئ سياحي خلاب برمال صافية ومقاه يحيط بأغلبها جدران القصب الجاف كأنها امتداد في صفرتها للرمال صعودا، خالطها في تداخل فسيفساء باهر. ملاعب رملية ومرافق رياضية أضفت على رومانسية المكان سيمفونية عشق الحياة…
أوووه، ما كل هذا الوصف؟ أين السرد؟ وأظنني نسيت الشخصيات. ثم، أوليس من الأقرب للمنطق أن يكون منطلق القصة بدايتها؟ لكن لا ضير أيضا إن بدأنا بالنهاية، إذا كانت جلية بوحدتها كنقطة في نهاية السطر. فلا أعرف أنا مثلا بداية واضحة في تشعب البدايات وضبابية الذاكرة المثقوبة. على هذا الأساس لنتحدث عن منزل صغير، أو بمعنى أدق، كوخ صغير أتت عليه النيران واشتعل بالكامل. والغريب في الأمر أن النار لا تزال مشتعلة حتى الآن. أظن أن علي أولا البحث عن الشخصية الرئيسية، صاحب الكوخ.
أغمضت عيني غوصا في عتمتي لعلي أن أنتشله لغزا من خيالي، أو أنقذني من ألوانه التي تفككني في عناصر عالم ضيق يختزله البصر، فأنا في نهاية الأمر في مملكته الخاصة، بعيدا عني، ألتمس توازني في غيابه وقد بدا المكان خاليا حتى من الشخصيات الثانوية.
نبدأ البحث من أقصى الزاوية اليمنى. أتمشى ناظرا على طول شاطئ الخالي إلا من موج خلته لبرهة ينسكب من جدار. يبدو أن تدقيقي في التأمل جعلني أصاب بدوار البحر. لا أحد هنا، ربما هناك في سفح الجبل. لنلقي نظرة. تعبت من المشي ولم أبرح مكاني. بدت الواحة كثيفة يحجب نخيلها الرؤية مع تواجد أشجار الرمان أسفلها تغطي البياض. لا أثر لحي رغم حيوية المكان بجمال طبيعته الخلابة. على مسافة من الواحة تبدأ سلسلة المقاهي والملاعب الرياضية، وصولا للشاطئ. ورغم بعدي النسبي، فقد كان تلاطم الأمواج سيمفونية عشق البحر تطرب سمعي قبل أن يشوش اللحن وقع خطى تقترب مني. إنه فتى في عقده الثاني يحمل حزمة أوراق و بادج كتب عليها “لجنة تنظيم”. سألته عن تفاصيل قد تسعف فضولي بالجواب فلم أجد منه إلا ابتسامة معتذر خجولة وهو يقول “لا أعلم لكني متأكد أنك تقف تماما في موقع الحريق”. لم أفقه قوله تحديدا. وكل ما أشعر به هو حريق السؤال في دماغي. إذن، الحريق هو من يقف في موقع تفكيري لا أنا من يقف في موقعه. واصل الفتى مسيره إلى أن توارى في الرواق. أروقة المقاهي كانت جلية بجمال زخرفها وقد تزين بعضها بالنبتات المتسلقة كالياسمين وغيره، لكن لا زبون أو حتى نادل. واصلت التسكع متأملا في أقصى الزاوية اليسرى حيث تجثم صخرة عملاقة فيها من الحياة ما جعلها مزهرية إذ تنبت حولها الحلفاء والأقحوان في تداخل عجيب. قيل أن رساما جعلها مرسم قبلة البحر يقضي فيها أمسياته مستأنسا بهدير الموج يلملم انكساراته على الشاطئ بريشته. قرية مترامية الأطراف في مساحة ضيقة. هذا هوا الإعجاز الفني بتمازج روعة المعمار مع سحر الطبيعة. كنت أحتوي المكان بنظراتي ويحشرني هو في أقصى زواياه كمرآة تلخص كل شيء. يبدو أن قصتنا دون أحداث في نهايتها، فلنعد إلى منتصفها لعلنا نجد عناصر ربط واضحة فيها، كأن نقول: ضخت أموال كثيرة من الخارج تحديدا من شبه الجزيرة الآيبيرية اسبانيا، رجل أعمال رحالة، عرف بشغفه بالرسم، تاه في عرض البحر لولا نار مشتعلة ارتفع دخانها اجتذبته ليهتدي لليابسة. ينقذ عند وصوله صاحب الكوخ من بؤسه بشراء آخر لوحتين أنقذهما من الحريق. لقد موّل مشروعا مشتركا مع رسام أبى إلا أن يبقى في مسقط رأسه وقد هاجر كل سكان القرية بعد أن شح البحر وارتفعت نسبة التلوث بسبب جعل المكان مصبا للنفايات الكيميائية.
هكذا سوينا أمرا بالغ الدقة والأهمية باستحضار شخصية من وراء البحار، لكني لا أريد صاحب المنزل المحترق إذا لم يكن حضوره بشكل يؤهله ليكون الشخصية الرئيسية، ولا أحد غيره يعرف تفاصيل البداية وسبب اشتعال النار في كوخه المتواضع. كنت في رحلة البحث عنه لغزا مبهما في ثنايا الألوان قبل أن يفاجئني بظهوره و ينتشلني من حيرتي.
حياني بلطف وقال: – أظنك تبحث عن صاحب الكوخ كما قيل لي!
-نعم، بودي سؤاله لماذا لم يحاول إطفاء النار؟ هذا و يبدو أن لا شخصيات في المكان. -يبدو أن الأخ كاتب قصة؟
-هههههه…
-لكن الرسم لا يحتاج دائما لتجسيد الشخوص. إن عرفت سبب اشتعال النار سأطفئها و أعيد رسم اللوحة من أجلك دون نار تتوسط مشهدا طبيعيا. تلك الصخرة في الزاوية اليسرى كانت مرسمي وقد بنيت هذه القاعة والمرسم على أنقاض الكوخ المحترق، أي أنك الآن تقف تماما في موقع الحريق. ألا يكفي أن أكون البطل؟ فاختزال الشخوص من شروط القصة القصيرة إن صدقت ظنوني!
مضى البطل بعد أن سجل حضوره بشكل يستقيم به متن القصة، إذ كان عليه استقبال وفد صحفي جاء لزيارة معرضه في قريته السياحية، لكن بقيت شرارة البداية غامضة الى اليوم: من أشعل شرارة الحريق؟
