كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

, , ,

(غيبوبة) فاطمة البرجي: أنساق ثقافية مضمرة..

د. وافية حملاوي


تتّخذ قراءة النّصوص الأدبية منحنيات عدّة، مختلفة ومتباينة، فهي تختلف من حيث الوسيلةُ والغاية، كما تختلف من قارئ إلى آخر، ذلك أنّ كلّ نوع من أنواع الخطاب هو حقل خصب له قدرة بالغة على إنتاج عدد لا متناه من الدّلالات والمعاني الظّاهرة وكذا المضمرة.
إنّ كلّ نصّ أدبي على اختلاف الجنس الذّي ينتمي إليه –قصّة أو رواية أو قصيدة أو مسرحية- يحتوي على نسقين مهمّين: أحدهما ظاهر والآخر مضمر؛ فالثّقافة لها حيلها المختلفة في تمرير ما تودّ قوله في شكل أنساق ومراوغات ومخاتلات، ووحده القارئ الذكي الضّمني هو القادر على كشف الغطاء ووضع يده على الأنساق الثّقافية المضمرة داخل النّصوص الأدبية، هذه الأنساق التّي تشكّلت في مجملها من مرجعية عميقة مفادها أنّ الإنسان ومنذ ولادته تتشكّل لديه مجموعة من الترسّبات الفكرية والسّلوكية، التّي تنصهر في فكره ليحملها داخله على أنّها المرجعية الرّئيسة في كلّ ما يقوم به في حياته وداخل مجتمعه.
إنّ القراءة المتأنّية والعميقة للمجموعة القصصية (غيبوبة) لصاحبتها الكاتبة “فاطمة البرجي”، تشي لنا بأنّ نصوصها على قدر كبير من المخاتلة والمراوغة، تنمّ عن ذكاء صاحبتها المتّقد، حيث كانت لها قدرة عجيبة على إيصال أفكارها وقناعاتها تلميحا لا تصريحا، وذلك في أسلوب قصصي شائق و ممتع، يجعل القارئ يبحر بعيدا في أجواء مفعمة بالخيال والجمال والإثارة وكذا المفاجأة.
لقد اتّخذت الكاتبة من “التّورية الثّقافية”–على حدّ قول عبد اللّه الغذّامي- مطيّة لها؛ حيث تراوحت معاني مجموعتها بين القريب المتاح والبعيد المستعصي، هذا الأخير الذّي يلعب لعبته الرّمزية وتتدفّق منه الدّلالات النّسقية، وهذا ما سنتطرّق إليه بالتّفصيل في هذه الدّراسة.
لقد تعانقت الأنساق الثّقافية المضمرة في هذه المجموعة القصصية، مشكّلة فسيفساء جمالية و دلالية في الآن ذاته، فهي تفرض على القارئ الذّكي محاورتها والغوص فيها، ذلك أنّها المتحكّمة الفعلية في النّصوص بأكملها.
يُعدّ “النّسق الاجتماعي” أحد أهمّ الأنساق المهيمنة على هذه المجموعة القصصية، إذ لا نكاد نجد قصّة تخلو منه، والنسّق الاجتماعي كما عرّفه “بارسونز” هو (عبارة عن مجموعة كبيرة من الفاعلين الذّين تقوم بينهم علاقات التّفاعل الاجتماعي في موقف معيّن، قد يتّخذ مظهرا فيزيقيا أو بيئيا، ويتّجهون نحو تحقيق الإشباع الأمثل لحاجاتهم، كما تحدَّدُ علاقاتُهم الاجتماعية عن طريق بناء ثقافي مميّز ومجموعة من الرّموز المشتركة) (محمّد معبود مرسي: علم الاجتماع عند تالكوت بارسونز بين نظريتي الفعل والنّسق الاجتماعي، ص 104،103).
من يمعن التّفكير، سيجد بأنّ هناك خيطا رفيعا وقويّا يربط النّسق الاجتماعي بنوع آخر من الأنساق الثّقافية، ألا وهو “النّسق السّياسي”، هذا الأخير الذّي لا يمكن حصره فقط في المؤسّسات السّياسية، وإنّما هو تحليل للعلاقات بين هذا النّظام السّياسي وكلّ العناصر الأخرى للنّسق الاجتماعي: اقتصادية وثقافية وأيديولوجية وتاريخية؛ فكل تغيير يطرأ على المستوى السّياسي سيكون له أثر انعكاسي على الجانب الاجتماعي بالضّرورة، وهذا أحد النّواميس التّي حكمت نظام سيرورة المجتمعات منذ القدم، لذلك نجد “فاطمة البرجي” قد أحالتنا كقُرّاء على هذين النّسقين اللّذين طغيا بشكل قوي وملفت للنّظر على قصص مجموعتها.
تردّدت عبارة (العيش والحرية والكرامة الإنسانية) بكثرة في قصص المجموعة، وهي عبارة تلخّص المعاناة التّي يعيشها المجتمع المصري خاصة والعربي عامة؛ فالفقر والحاجة وقلّة ذات اليد، هي ما يطبع حياة المواطن الذّي يبدأ يومه برحلة طويلة بحثا عن لقمة العيش في مجتمع طغى عليه الفساد من محسوبية وبيروقراطية وفساد إداري واستغلال على جميع الأصعدة، وغيرها من المشاكل التّي أصبحت جزءا لا يتجزّأ من حياة الإنسان اليومية.
فما أصعب أن يُولد الإنسان فقيرا، وخاصّة إذا كان الفقر سيرافقه طيلة حياته إلى أن يُوارى الثّرى، وهذا ما سعت الكاتبة”فاطمة البرجي” إلى توضيحه في أكثر من قصّة بأسلوب رمزي متقن، فهاهي مثلا في (قصّة صُبحي) تحكي قصّة العجوز الفقيرة التّي بلغت من الكبر عتيا، هذه العجوز التّي عاشت حياتها كلّها في فقر وعوز شديدين، وما زالت إلى اليوم تعيش على الإعانات التّي تأتيها من الجمعيات الخيرية، وكأنّ الفقر قَدَر محتوم عليها وعلى أمثالها، فكيف يُعقل أن تتحسّن الأوضاع في العالم وتسير نحو الأفضل، وهذا التحسّن لا يمسّها و لا يمسّ أمثالها؟؟ في هذه القصّة لا تنفكّ العجوز البائسة تنادي على “صبحي”، هذا الأخير الذّي لا يعرفه أحد، اسم يحمل في طيّاته الكثير، حيث له دلالة واضحة على الصّبح القادم والفرج المرجوّ، وكأنّ الكاتبة تريد أن تقول إنّ الفقراء وعلى الرّغم ممّا يقاسونه إلّا أنّ لهم دائما أمل في انفراج الأوضاع، وعيش حياة كريمة تحفظ ماء وجوههم وتصون كرامتهم.
في حديث الكاتبة “فاطمة البرجي” عن الأوضاع الاجتماعية المزرية، كانت دائما تعقد تلك المقارنة الخفية بين أحوال الشّعب قبل الثّورة وبعدها، وذلك بطريقة ذكية للغاية، حيث استطاعت من خلالها أن توصل فكرة أن لا فرق بين المرحلتين، فالأوضاع هي نفسها، والآمال التّي لطالما عُقدت قد خُيّبَت جميعها، وهذا ما وشت لنا به في قصّة (أساطير جدّي) وغيرها من القصص؛ حيث إنّ الثّورة لم تأت بأيّة نتيجة، فلم يتغيّر شيء في البلاد، وكأنّ ما حدث ضرب من الخيال، فالفقير بقي على فقره، والغنيّ ازداد غنى، إنّها فعلا مفارقة غريبة عجيبة.
استوقفتني قصّة (قتلك هو المرادف لفراقك) والتّي كان لها النّصيب والحيّز الأكبر في هذه المجموعة القصصية، حيث صوّرت فيها الكاتبة المشاكل العويصة التّي يعانيها المثقّفون في مجتمعاتنا، فالمثقّف ومنذ العصر العبّاسي وإلى يومنا مازال يعيش حالة الضّياع والتّيه في مجتمعات لم تنصفه ولم تؤدّه حقّه، فالمجتمعات اليوم لا تفرّق بين المثقّفين وغيرهم، فنصيبهم من الكدر والعوز سواء، إنّ حالة المثقّف اليوم أسوأ بكثير من تلك التّي عاشها في عصور سابقة، فعلى الأقلّ في العصر العبّاسي كان يحتال ويتكدّى بشتّى الوسائل من أجل كسب لقمة عيشه، أمّا اليوم ومهما حاول وتحايل فلن تسير معه الأمور كما أرادها، وهذا ما صوّرته الكاتبة في هذه القصّة، راسمة لنا التّفاصيل اليومية التّي عاشها البطل، والذّي لم يستطع حتّى توفير مسكن صغير وتجهيزه من أجل إكمال نصف دينه، فيضطرّ للهجرة إلى “ملاوي” من أجل العمل، ولك أن تتخيّل ظروف العمل في هذا البلد الإفريقي الذّي يعاني الفقر والجهل والأوبئة، هاجر بطلنا ولسان حاله يقول: إنّ خوض مخاطرة كهذه أهون بكثير من البقاء في بلد لطالما كان له ولدا بارا، لكنّه وللأسف الشّديد لم يكن أبا حانيا عليه، وقد لخّصت الكاتبة كلّ تلك المعاناة في قولها: (لماذا عادت حال اللّامبالاة لدى المصريين وخصوصا الشّباب؟ هل رجع كلّ ما نهتمّ به هو فقط ما يسدّ رمقنا؟ أين ذهبت أحلامنا العريضة في التّغيير والقضاء على الفساد؟ هل عاد الفاسدون ليتكلّموا باسم الشّعب مرّة أخرى؟ ما كلّ هذا الغلاء، هل حدث التّعويم أكثر من مرّة أم أنا أتخيّل؟ (…) أصبحت أرى إعلانات القصور الفاخرة التّي تبتعد عن مدننا المزدحمة، وبعدها بدقيقة واحدة أجد إعلانات تتوسّل للتبرّع لجوعى ومرضى مصر بجنيه، كلّ شيء عاد إلى ما كان عليه قبل الثّورة إذا لم يكن أسوأ) (فاطمة البرجي: المجموعة القصصية “غيبوبة”، ص85).
لقد مسّ التوتّر والتّدهور الصّعيدين السّياسي والاجتماعي على حدّ سواء، ذلك أنّ ما يحدث على المستوى السّياسي ينعكس بالضّرورة على المجتمع، وهذه حقيقة تعيها الشّعوب جيّدا، لذلك فهي تسعى إلى الإصلاح والتّغيير، هذه المجهودات التّي تُقابَل في كثير من الأحيان بالسّجن أو النّفي أو التّهجير، فسياسة تكميم الأفواه ومحاولة تخدير العقول أضحت المهيمنة والمسيطرة، وهذا ما لــــمّحت إليه الكاتبة في أكثر من موضع، وبخاصّة في قصّتيها: (غيبوبة) و(الغلالة السّوداء)؛ فالمتأمّل في القصّة الأولى (غيبوبة) سيفهم مباشرة أنّ الشّعوب العربية تعيش غيبوبة طويلة، ولا تدري ما يدور حولها، حتى إنّها لا تملك أيّة قدرة على التّغيير، وهذه الغيبوبة سياسة من السّياسات التّي تعتمدها الأنظمة من أجل القمع حتى تطول وتمتدّ سنوات حكم سيادته وسعادته وفخامته وسموّه.
إنّ للنّظام السّلطوي وسائل عديدة من أجل فرض هيمنته وسطوته، تتدرّج في قسوتها حسب درجة المقاومة التّي تتلقّاها من الشّعوب المستضعفة، ففي قصّة (الغلالة السّوداء) تتعرّض الكاتبة إلى الثّمن الذّي سيدفعه كلّ من يحاول إزالة الغشاوة عن عينيه ورؤية الحقيقة كاملة، فلطالما سعت الأنظمة إلى جعل الرّؤية مقتصرة على اللّونين الأبيض والأسود، وهذا حتما سيحول دون رؤية الأمور على حقيقتها وتمييز مرارة الواقع المعيش، لكنّ كسر هذه النظارة سيكلّف صاحبها سنوات من عمره يقضيها في عذاب أليم.
من جانب آخر تأتي قصّة (الحكاية) التّي تصوّر تهجير النّاس من أراضيهم، لتوضّح لنا أنّ الحكاية لا تموت، بل ستتوارثها الأجيال جيلا بعد جيل، فالمظلوم لا يَنسى، والقضايا أيضا لا تُنسى، ومن كان صاحب قضية سيعيش من أجلها وسيموت لأجلها أيضا.
من أقوى الأنساق التّي وظّفتها الكاتبة في قصصها، كانت في قصّة (الأميرة المنتظرة)، حيث كانت على قدر كبير من الإيحائية والرّمزية، عميقة إلى حدّ يجعلك تعيد قراءتها الكرّة تلو الأخرى، صوّرت هذه القصّة وبكلّ احترافية كيف يتمّ تخدير العقول عن طريق شحنها بالتّخاذل والأفكار الرّجعية والخرافات، وتخويف أصحابها حتّى لا يتجرّؤوا على إبداء آرائهم أو تغيير واقعهم، فإبقاء العقول حبيسة التخلّف والرّجعية هي أقوى الأسلحة على الإطلاق.
قد تبدو قصص المجموعة منفصلة عن بعضها البعض، لكنّها في الحقيقة منسجمة ومتناغمة ومتكاملة، ترتبط جميعها بخيط رفيع جدّا نسج أحداثَها وشخصياتها بدقّة فنية متناهية، كشفت عن براعة صاحبتها، التّي جعلت (غيبوبة) عنوانا لمجموعتها، وقد وُفّقت إلى حدّ بعيد جدّا في هذا الاختيار، فتشخيص حالة الشّعوب اليوم هي الغيبوبة، فإلى متى ستستمر؟ وهل سنستفيق منها أم لا؟ هذا ما حاولت الكاتبة معالجته في مجموعتها، فكلّ قصّة صوّرت جانبا مظلما ومؤلما من حياة المستضعفين، مرّرت من خلاله رسائل مشفّرة، ساعية إلى الإسهام في إحداث صدمة جمالية وفكرية لدى جمهور القرّاء.
إنّ ما يميّز أبطال هذه المجموعة القصصية، هو أنّ الكاتبة لم تصوّر ملامحهم الجسدية الخَلقية –إلّا في القليل النّادر- وإنّما اكتفت بوصف الملامح النّفسية، وكأنّها تقول إنّ المعاناة التّي تعيشها المجتمعات ليست حكرا على أشخاص بمواصفات بعينها، وإنّما هي مأساة اشترك فيها الصّغير قبل الكبير، والنّساء قبل الرّجال.كما أنّ “الأنا” الموظّفة في القصص، لم يكن يُراد بها “الأنا الفردية” وإنّما أُريد بها “الأنا الجمعية”، فما يعانيه الفرد ليس مقتصرا عليه فقط وإنّما ينسحب على كلّ أفراد طبقته، وهذا ما تفنّنت الكاتبة في تصويره، وحتّى تقوّي فكرتها هذه وترسّخها في ذهن القارئ، تعمّدت في أغلب قصصها عدم تحديد جنس أبطالها (ذكر أو أنثى)، وهذا في الحقيقة ذكاء منها، فما القيمة التّي سيُضفيها تحديد جنس البطل إلى القصّة، مادام الفقر والعوز لا يفرّقان بين ذكر أو أنثى، فما يعيشه الذّكر تعيشه الأنثى، مع فرق طفيف وهو أنّ البقاء دائما للأقوى في مجتمع أشبه ما يكون بمجتمع الغاب.
تميّزت هذه المجموعة أيضا بــــ التّكثيف الدّلالي، وهي من السّمات المميّزة للقصّة القصيرة، حيث وُفّقت الكاتبة “فاطمة البرجي” في التحكّم في هذه الخاصية إلى أبعد الحدود، فأبدعت في إيصال ما تريد قوله في عدد قليل من الأسطر. تكثيف دلالي تفجّرت منه المعاني ينابيعَ أشبعت فضول القارئ ونهمه، وأوصلت الفكرة والمغزى المرجوّ في أسلوب قصصي ممتع وشائق ومنسجم، أعطت فيه الكاتبة كلّ جزئية من جزئيات قصصها حقّها دون أن تبخسه شيئا، وهذا ممّا يُحسب لها ولبراعتها في الكتابة، وما زاد أسلوبها ومعانيها جمالا ورونقا هو عنصر “المفاجأة” الذّي غذّت به خواتيم قصصها، فكسرُ أفق انتظار القارئ، وخيبة توقّعه، كانت أكثر تقنياتها براعة، وهذا ما يخلق بالضّرورة صدمة جمالية وشعورية لدى جمهور القرّاء، فلا أَحَبَّ من أسلوب المراوغة والتّشويق إلى نفوسهم، أسلوب كسرت به الكاتبة روتين الكتابة والقراءة على حدّ سواء.
وفي الختام نخلص إلى أنّ الكاتبة “فاطمة البرجي” قد رسمت بريشة الفنّان المبدع أيقونة متفرّدة ومتميّزة: مبنى ومعنى، تلميحا وتصريحا، حفرت نصوصها عميقا في خبايا مجتمعات الظل (المهمّشة)، قصص على قدر بساطتها كان عمقها وتأثيرها، قصص أشبّهها بكرات النّار الملتهبة التّي ألقت بها صاحبتها في جوف قرّائها، وجلست بعيدا تعلو محيّاها ابتسامة هادئة، ترقب ما ستُحدثه كراتُـــها لدى جمهورها، فإمّا أمل يُولد وإمّا يأس يتسلّل ليقتل كلّ بصيص من أمل.

قُدّمت هذه الدّراسة ضمن فعاليات: المؤتمر الدّولي للسّرد السّكندري في ظلّ كورونا، والذّي أقامه مختبر السّرديات بمكتبة الإسكندرية.

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.