ترجمة: جمال حيدر
مقاطع من الجزء الثالث (كلام الشهوة) في مجموعة (إيروتيكا) الصادرة عام 1981 التي تستعرض افتتان الجسد البشري في عريه المقدس.
نوم شهواني بعد الوصال،
ملاءات مليئة بالعرق تتدلى من السرير لغاية الأرضية.
في نومي أسمع إيقاع النهر الهادر، تتدحرج معه جذوع الأشجار الهائلة وعلى أغصانها ألف عصفور ساكن، يسافر مع أغنية طويلة من ماء وأوراق أشجار، تقطعها النجوم.
أمرُ يدي برفق تحت عنقكِ خشية أن أقطع أغنية العصافير في نومكِ.
غداً في العاشرة حين تفتحين مصراعي النافذة وتندفع الشمس إلى الغرف، سترين العضة فوق شفتك السفلى أكثر وضوحاً في المرآة، ويغدو المنزل قرمزياً، وموشَّى بزغب ذهبيّ، وأشعار لم تكتمل بعد.
*
ما زلت نائماً، أنصت ملياً، تنظفين أسنانكِ في الحمام. ثمة أنهار في ذلك الصوت، أشجار، جبل بكنيسة بيضاء صغيرة، وقطيع خراف في العشب (أسمعُ أجراسها) حصانان أحمران، وراية عالية على واجهة المبنى، عصفور فوق المدخنة، نحلة تئز في جوف زهرة تختلج.
آه، كم تقضين من الوقت، لا تسرِّحي شعركِ الآن، أنا نائم، أكرر، منتظراً فمكِ. لا أحب رائحة النعناع في رضابكِ، وحين أستيقظ سألقي كلّ أمشاطكِ، دبابيس شعركِ، وفراشي أسنانكِ، من الكوة.
*
كم أنتِ جميلة، جمالكِ يرعبني، أشتهيكِ.. بي ظمأ إليكِ
أناشدكِ: أختفي، أختفي عن الجميع لتصبحي غير مرئية إلا لي وحدي، مغطاة من رأسكِ حتى قدميكِ، بحجاب معتم، شفاف مزخرف بتنهيدات فضية من أقمار الربيع.
مسامكِ تبعث على حروف علة، حروف ساكنة متلهفة، مفردات غامضة لفظت، انفجارات وردية من الوصال.
حجابكِ يعلو، يلمع فوق المدينة التي أدركها الليل بحاناتها الخافتة الأنوار وزوايا البحارة المألوفة، أضواء خضراء تنير ليل الصيدليات، كرة زجاج تدور مسرعة تكشف عن صورة الأرض، السكير يترنح في عاصفة هبت من شهيق جسدكِ،
لا ترحلي.. لا ترحلي، واضحة جداً ومراوغة.
ثور حجري يثب من واجهة المبنى فوق العشب الجاف، امرأة عارية تعتلي السلم الخشبي حاملة دلو ماء ساخن، يخفي البخار وجهها. عالياً في الهواء مروحية استطلاع تطن في بقع عشوائية. احترسي إنهم يبحثون عنكِ.
اختبئي عميقاً أكثر في يدي.
زغب البطانية الحمراء التي تغطينا ينمو حتى يغدو دبة حبلى. تحتها نمارس الحب دون توقف، أبعد من الزمن، أبعد من الموت، في وئام كلي، متوحد.
كم أنتِ جميلة، جمالكِ يرعبني،
أشتهيكِ.. بي ظمأ إليك، أناشدكِ:
احتجبي.
*
النهار مجنون، المنزل مجنون، شراشف السرير مجنونة، وأنتِ كذلك مجنونة، ترقصين والستارة البيضاء بين ذراعيكِ، تطرقين على الإناء المعدنيّ فوق أوراقي كدفّ.
تعدو القصائد بين الغرف، تفوح رائحة الحليب المحترق، ينظر الحصان البلوري خارج النافذة، انتظري – أردد – نسينا الحامل ثلاثي القوائم لفيمونويس في قاعة نقابة الحطابين، كان مقلوباً رأساً على عقب.
نسينا قمر البارحة النازف على الأرض المحروثة.
عربة تعبر محملة بالدفلى. أظفاركِ تويجة زهرة. لا تلمسي الأعذار. وضعت في خزانتكِ حقائب قماش شفاف مملوءة بالخزامى.
مظلات الشمس جنت.
تشابكت مع أجنحة الملائكة.
تلوحين بمنديلكِ
- من تحيين؟ أيّ من الناس تحيين؟
- العالم كله
سلحفاة سمراء استقرت منتشية فوق ركبتيكِ، طحالب بحرية ندية تتحرك فوق صدفتها المنحوتة. وترقصين، حلقة معدنية من عصور غابرة تتدحرج أسفل التل، ثم تهوي في الجدول، راشقة قطرات ماء تبلل قدميكِ، وذقنكِ، توقفي لأمسح لكِ قطرات الماء وأنتِ ترقصين، غير أنك لا تسمعينني وأنتِ ترقصين، حسناً إذن، زوبعة طويلة الأمد، الحياة تتواصل، لا نهاية لها.
ليلة أمس مر الفارس. فتيات عاريات على الخيول، ربما لهذا صرخت الإوزات البرية في برج الناقوس، لم نسمعها حين غرقت حوافر الخيول في نومنا.
اليوم، قبل بابكِ وجدت حدوة حصان فضية، علقتها فوق عتبة المنزل.
يا لحسن طالعي، صرختِ..
يا لحسن طالعي صرختِ، ثم رقصتِ. قربكِ ترقص المرأة الطويلة أيضاً تلمع بألف جسد, وتمثال هيبولتيس مكلل بأزهار الخشاش، رحل ببغائي، ترددين كلما ترقصين، ولا أحد يقلد صوتي، آي.. آي. الصوت المنبعث مني يخرج من غابة “دودونا” بحيرات صافية تعتلي في الهواء بكل زنابقها البيضاء، بكل نباتات قاعها.
نقطع قصباً، نقيم كوخاً ذهبياً. بمشقة تعتلين السقف، بكلتا يدي أقبض على كاحليكِ. لا تهبطين، تحلِّقين.. تحلِّقين في الزرقة، تسحبينني معكِ، أقبض على كاحليكِ، من كتفكِ، تسقط المنشفة الزرقاء الكبيرة في الماء، تطفو لبرهة ثم تغرق تاركة على صفحة الماء نجمة خماسية ترتعش.
لا تذهبي أبعد، صرخت، ليس بعيداً وفجأة نستلقي بارتطام ساكن، على السرير الخرافيّ. انصتي في أسفل الشارع، يمر المضربون بلافتاتهم وأعلامهم، ألا تسمعين؟ تأخرنا. اجلبي معكِ أيضاً منديلكِ الذي ترقصين به.
لنذهب..
شكراً يا حبيبتي.
أضف تعليق