كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

رواية: أورهان باموق

الترجمة عن الفرنسية: د. زينب بن ضياف

ولد أورهان باموق سنة 1952 في إسطنبول. درس الهندسة المعمارية والصحافة. قام بزيارات طويلة للولايات المتحدة الأمريكية (جامعة أيوا، جامعة كولومبيا)، ألف “الكتاب الأسود” (جائزة الثقافة الفرنسية لسنة 1995) “اسمي أحمر” (جائزة أفضل كتاب أجنبي لسنة 2002) “ثلج” (جائزة ميديسيس للكتب الأجنبية لسنة 2006) و “إسطنبول”. ترجمت أعماله إلى أربعين لغة. تحصل على جائزة نوبل للأدب سنة 2006.

متحف البراءة

الإهداء: إلى رؤيا

الفصل الأول

اللحظة الأسعد في حياتي

كانت تلك أسعد لحظة في حياتي. لم أكن أدرك ذلك. هل كنت لأحتفظ بتلك السعادة؟ هل كانت الأمور لتتطور بشكل آخر لو كنت أعرف ؟ نعم. لو كنت أدركت حينها اني أعيش اللحظة الأسعد في حياتي لم أكن لأفرط بتلك السعادة أبدا. تلك اللحظة الذهبية الرائعة التي شملتني بفرحة غامرة لم تدم سوى بضع ثوان، لكن خيل الي أنها دامت ساعات، بل سنوات.

يوم الاثنين 26 مايو 1973، كانت الساعة تشير إلى الثالثة إلا ربعا. لحظة ما بدت حصينة ضد مرور الزمن، ضد قوانين العالم و الجاذبية الأرضية. نحن أيضا كنا نبدو متحررين من الخطأ، من الخطيئة، من الشر و من الندم.

قبلت كتف فوزون المبلل بالعرق، بسبب الحرارة وسهرات المجون. التصقت بها بلطف من الخلف، ولجتها، و بينما كنت أعض أذنها اليسرى بلطف سقط القرط الذي كان مثبتا في أذنها من مكانه. لمدة طويلة بدا و كأنه معلق في الهواء، ثم سقط. وبسبب النشوة التي كانت تغمرنا، لم نعره اهتماما. لم أحفظ شكله يومها.

واصلنا تقبيل بعضنا البعض.

في الخارج، كانت السماء صافية كما اعتادت أن تكون أيام الربيع في إسطنبول.

في الشوارع، كانت الحرارة تتسبب في تعرق الإسطنبوليين الذين لم يتخلوا بعد عن عاداتهم الشتوية، لكن لفحة باردة من الهواء مازالت تلتصق داخل المباني، المحلات، في أوراق شجر الزيزفون و الكستناء. برودة اختلطت برائحة العفن المنبعثة من حاشية السرير، حيث كنا نمارس الحب، سعداء كأطفال، ناسين كل شيء.

دخلت نسمة ربيعية من الشرفة، كانت محملة برائحة البحر و الزيزفون، قامت بتحريك الستائر لتلامس ظهورنا، متسببة في ارتعاش جسمينا العاريين.

من السرير، حيث كنا جالسين، في تلك الغرفة القابعة في شقة من الطابق الثاني، كنا نراقب الحديقة خلف المبنى، و الأطفال الذين يلعبون كرة القدم تحت هجمات حرارة مايو المتقطعة. كانت الخشونة التي يلعبون بها تشبه الى حد ما خشونة مضاجعتنا.

توقفنا لبضع ثوان عن ممارسة الحب، نظرنا الى أعين بعضنا البعض و تبادلنا تنهيدة، لكن سعادتنا حينها كانت كبيرة و عميقة حتى أنها أنستنا القرط الذي وقع، حتى أنها أنستنا ضجيج الحياة المرسل لنا من الحديقة.

لما تقابلنا في الغد، قالت فوزون أنها أضاعت قرطها، في الواقع، بعد رحيلها البارحة، رأيته بين الأغطية الزرقاء، كان يحمل في طرفه حلية تتدلى من بدايته لنهايته. عوض أن أضعه في مكان ما، حدس غريب دفعني لوضعه في جيب سترتي مخافة أن أضيعه.

– انه هنا عزيزتي.

قلبت جيب سترتي المعلقة على ظهر المقعد، لا، لم يكن هناك.

للحظة خلت تملكني إحساس سيء، كإحساس ما قبل حدوث الكارثة، لكنني تذكرت أيضا إنني صباحا غيرت سترتي نظرا لحرارة الطقس.

– لقد ظل في جيب سترتي الأخرى.

“أرجوك، أحضره لي غدا، لا تنسى” قالت فوزون و قد اتسعت عيناها، “انه مهم جدا لي”

– حسن.

في عمر الثامنة عشر، فوزون كانت ابنة عم من قرابة بعيدة، احدر القريبات التي كنت نسيت وجودها تقريبا، حتى شهر مضى.

عمري ثلاثون سنة، و أنا بصدد إعلان خطبتي ثم الزواج من سيبال، التي يرى الجميع أنها مناسبة لي.

الفصل الثاني

محل الشانزليزيه

منذ شهر مضى، تسارعت الظروف لتغير مجرى حياتي. في السابع و العشرين من شهر ابريل سنة 1975، عندما رأيت حقيبة يد من الماركة الشهيرة “جيني كولون” في واجهة عرض احد المحلات، ثملين قليلا و سعيدين جدا، مشيت رفقة خطيبتي المستقبلية في شارع ولي كوناغي متلذذين بانتعاش احدى الليالي الربيعية.

تناولنا عشاءنا في “فوقية”، وهو مطعم أنيق افتتح مؤخرا في “نيسانتازي” و طوال مدة تناولنا للطعام كنا نتحدث مع والدي عن تجهيزات خطوبتنا: سوف نقيم الاحتفال في منتصف شهر يونيو حتى يتسنى لنورسيهان، و هي صديقة سيبال منذ كانتا تدرسان في معهد نوتردام بباريس، القدوم من العاصمة الفرنسية و حضور الحفل.

كانت سيبال قد حجزت فستانا بدى “ايباك ايسمات” أشهر مصمم ملابس و أكثرهم كلفة في ذلك الوقت.

في ذلك المساء، النقاش حول مدى ملائمة لآلئ والدتي لفستان سيبال سبب أول مشادة بينهما.

أراد حماي المستقبلي أن تكون خطوبة ابنته الوحيدة فخمة بقدر الزفاف، و هي فكرة شاطرته إياها والدتي.

من جهته، كان والدي سعيدا للغاية لأنه سيحصل على كنة درست في السوربون. في تلك الفترة، كان البورجوازيون في إسطنبول يعتقدون أن كل فتاة درست بباريس هي حتما من خريجات السوربون.

رافقت سيبال الى منزلها بعد العشاء، وضعت يدي حول كتفيها واحتضنتها بحب و فكرت بفخر كم كنت سعيدا و محظوظا عندما صرخت سيبال : آه يا الحقيبة الجميلة.

مع أنني كنت مخمورا، الا أني سجلت مكان المحل في ذهني و عدت اليه في الغد، في الظهيرة.

في الواقع، لم أكن أبدا من الرجال المعروفين بلطفهم و تهذيبهم الشديدين و الذين يغمرون نساءهم بالهدايا و يتعللون بكل ذريعة كي يرسلوا لهن الأزهار، لكني كنت حتما أطمح لأن أكون أحدهم.

في ذلك الزمن، كي يهربن من الملل، كانت النساء الثريات الإسطنبوليات المغتربات من أحياء مثل “سيسيلي” “نيسانتازي” أو “بيباك”، يفتحن لا معارض فنية، بل محلات بيع ثياب، أين كن يحاولن بيع، لنساء ثريات و فارغات أكثر منهن و بأثمان مبالغ فيها، فساتين على الموضة، كن يقمن بخياطتها مقلدات تصاميم معروضة في مجلات أجنبية مثل “elle” أو “vogue”، كذلك كان الأمر بالنسبة للملابس و الإكسسوارات المقلدة التي يحضرنها في حقائب من باريس و ميلانو.

————————————–

ستصدر الترجمة الكاملة للرواية عن مومنت للكتب والنشر بلندن، قريبا.

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.