كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

قراءة في رواية “صوفيا ” للحبيب رمضان

لطفي ابراهم

الرواية جنس أدبيّ حديث ، أوروبيّ النشأة والتطوّر. وهي سليلة الملحمة ( Epopée) ، بل هي ” ملحمة عالم بلا آلهة ” حسب عبارة لوكاتش ، وقد اقترن ظهور هذا الجنس الأدبي بعدّة عوامل منها الثورة الصناعيّة في أوروبا و ظهور المدن الكبرى وصعود الطبقة البرجوازيّة وإعلاء الفرديّة أو الفردانية. وقد مرّت الرواية الغربيّة بمراحل تطور كبرى لعلّ من أبرزها ” قرن التحوّلات الكبرى” ويمتد تقريبا من النصف الثاني من القرن التاسع عشر إلى النصف الأول من القرن العشرين. وانتهت الرواية الغربيّة خلال النصف الثاني من القرن العشرين جنسا ” إمبرياليا” آكلا لبقية الأجناس الأدبية.

وقد شهدت بدايات القرن العشرين ميلاد الرواية العربيّة التي استفادت من المنجز الروائي والنقدي الغربيّ فتطوّرت بصورة لافتة حتى أزاحت الشعر عن صدارة المشهد الإبداعيّ العربيّ لتغدو ” ديوان العرب ” الجديد حسب بعض النقّاد. ولم تخرج الرواية التونسيّة في نشأتها وتطوّرها ، عن هذا السياق الثقافي العربي فشهدت بدورها تطوّرا كميّا ونوعيّا مكّن لها ومكّنها من تصدّر المشهد الإبداعيّ التونسي. ولعلّ نظر هذه المقالة في رواية تونسيّة حديثة الصدور يُجلي بعض وجوه هذا المشهد، والرواية التي نروم تقديمها والاحتفاء بها نظرا في بنيتها و شخصيّاتها وبعض خصائص الكتابة فيها هي رواية ” صوفيا ” لصاحبها الحبيب رمضان .[1]

1 / صوفيا : بنية الرواية

1-1- تفضئة الرواية أو التشكيل البصري للنص الروائي.

يولي النقد الحديث أهمّية بالغة لتشكيل النصّ الإبداعيّ وإخراجه على الورق ، حتى أصبح تشكيل النصّ بصريّا جزءا من قراءته. فلم تعد لعبة البياض والسّواد عنصرا محايدا بل عنصرا دالا مسهما في إنتاج المعنى.

وإن نظرنا في التشكيل البصريّ لرواية ” صوفيا ” ألفيناها تقوم على “مقدّمة ” دون عنوان وثلاثة أجزاء كبرى تتفرّع إلى فصول و”خاتمة ” موسومة ب ” ما بعد التصوير ” . وقد تضمّن الجزء الأول ستة “فصول” والجزء الثاني خمسة “فصول” والثالث ثمانية “فصول”. ولكلّ فصل من فصول هذه الأجزاء عنوان داخلي مخصوص.

وتعتبر هذه العناوين الفرعيّة التي تتصدّر الأجزاء وفصولها عتبات ( Seuils ) تحتاج وحدها إلى قراءة مخصوصة. والعتبات في النقد الأدبي الحديث نصوص أخرى غير المتن الروائي تحاور النصّ الأصليّ وتسهم في قراءته وتعين عليها ، وقد تنفصل عنه لتشكِّل نصوصا موازية خارجة عنه محتاجة بدورها إلى قراءة و تأويل مخصوص.

هذا التقسيم الى أجزاء وفصول، يجعل الرواية في ظاهر قراءتها البصريّة مفكّكة مشتّتة أحداثُها بين أزمنة مديدة وأمكنة عديدة وشخصيّات وفيرة مختلفة متنافرة ، إنها جماليّة التقطّع أو الانقطاع ( Esthétique de la discontinuité ) تستعيرها الرواية من فن المسرح أساسا باستعارتها هذه التقسيمات الداخليّة.

بذلك تتّخذ هذه الرواية في مستوى التفضئة شكلا خارجيا مغايرا لمألوف شكل الرواية التقليديّة وإخراجها البصري وتتخذ شكلا يقرّبها من رواية التجريب أو الرواية الجديدة ( Le nouveau roman) بموجتيها اللتين ظهرتا في أروبا خلال خمسينيات القرن العشرين وستينياته.

1-2- صوفيا : قراءة من الداخل أو بنية الرواية.

الأصل في بنية الرواية التقليدية أن تكون أشبه بالفسحة من السهل إلى السهل عبر تضاريس من الأرض متنوّعة حسب تعبير الشكلاني الروسي ايخنباوم ( Eikhenbaum) فتنطلق أحداثها من وضع بداية يتّسم بالهدوء والسكون ثم تتأزّم هذه الأحداث تدريجيا حتى تبلغ الذروة أو العقدة وتكون النهاية بمثابة عملية إضعاف للأزمات التي تصاعدت عبر مسيرة السرد.

ولا تخضع رواية صوفيا لهذا البناء التقليديّ فليس لها بنية واحدة بل لها بنى متعدّدة بتعدّد شخصيّاتها الرئيسية بل وحتى الثانويّة، فكلّما ظننا أن الرواية ستنتهي بنهاية مسيرة الشخصيّة الرئيسية فيها نهضت شخصيات أخرى بقيادة الأحداث وتطويرها ، وإذا الرواية في بنيتها حكايات متداخلة متقابلة متكاملة تنفتح كلّ حكاية على أخرى وتسلمك كل حكاية إلى أخرى. فلا تكاد تخرج من حكاية حتى تدخل أخرى ولا تكاد تأسف لوداع شخصيّة حتى تصاحبك شخصيّة أخرى تأسرك وتفتنك بحكاياتها وتقلّباتها , الرواية حكايات ثلاثة أجيال تعاقبت على تلّ الرمل، القرية الوادعة الصغيرة التي تطلّ على البحر ، ثلاثة أجيال مختلفة ، بحكايات متداخلة في بنائها ، متفاوتة في طولها، متنوعة في أحداثها ، تتعاقب على تلّ الرمل لتؤسّس حي ” كباتشي ” الأروبي مقابل المدينة العربيّة العتيقة المتحصِّنة وراء سورها.

تنفتح الرواية في “مقدِّمتها ” على شخصيّة امرأة هي صوفيا الطليانة يعرض راو خارجيّ صورتها ويصف بعض ملامحها ثم يترك لها فرصة أن تتكلّم فتسكته وتستأثر برواية الأحداث دونه ويظلّ صوتها هادرا طيلة أجزاء الرواية الثلاثة لتروي خلالها على مسامعنا ” تغريبة ” عائلتها الإيطاليّة من حيّ ” كاباتشي” باليرمو في إيطاليا إلى قرية صغيرة جنوب المتوسّط يؤسّس جدّها ” روبارتو اييلو” وزوجته ” ماريا الصقلّيّة ” على ساحلها حي ” كباتشي” جديد يذكّرهم بالوطن وحيّهم القديم.

ونكتشف في ” خاتمة الرواية ” أو ” ما بعد التصوير” أنّ أحداث الأجزاء الثلاثة وكلّ الرواية ليست سوى ” ثرثرة ” ذاكرة صوفيا الطليانة تقف أمام كاميرا تصوير في قاعة فسيحة لتستعيد حكايات تأسيس “حي كباتشي ” على يدي جدّها ثمّ تطوّره مع الأجيال اللاحقة وتخلّد كلّ الحكايات في شريط مصوّر.

تقف صوفيا الطليانة سنة 2001 لتعود بذاكرتها ثلاثة أجيال، تعود بداية أحداث الرواية إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر ميلاديا وتنتهي بداية القرن الواحد والعشرين والطائرات المغيرة تهاجم البرجين الأمريكيين في تفجيرات سبتمبر . وتعود ذاكرة صوفيا إلى بداية تأسيس حيّ ” كاباتشي” لتخلّد ذاكرة مدينة ، مدينة سوسة التونسية ، شهدت تحوّلات عميقة من قرية منسيّة على كثيب رملي إلى مدينة تدير الرقاب إليها يأتيها الناس من كلّ فجّ عميق.

الرواية في بنيتها العميقة تنطلق من الآن و الهنا : صوفيا الطليانة في ” كباتشي ” تلّ الرمل تبدأ تصوير حكاية الحي وتأسيسه ثم يغمر اللحظة سرد استعادي ( Flash back ) يستغرق الرواية و فصولها الثلاثة. ويستعيد هذا السرد الطويل الماضي والهناك، جيل التأسيس/ جيل الآباء المؤسّسين للحي الأوروبي في قرية تلّ الرمل خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر ويستعرض الجزء الثاني خلال النصف الأول من القرن العشرين حكاية جيل الأبناء ويخبر الجزء الثالث عن جيل الأحفاد خلال النصف الثاني من القرن العشرين وترتدّ بنا الخاتمة إلى الآن و الهنا، إلى نهاية قصّة تصوير الشريط الذي يحفظ الذاكرة .

الرواية لحظة حاضر تغمرها أزمنة الماضي وعوالمه البعيدة والقريبة تستحضرها صوفيا وتتذكرها وتنتهي الى الحاضر من جديد ، إنّها رواية الذاكرة والتذكّر ، رواية تريد أن تثبِّت ذاكرة مدينة و ذاكرة أجيال سكنت المدينة وسكنتها هذه المدينة.

2/ صوفيا : قراءة في بعض شخصيات الرواية

تحتفي الرواية بشخصيّاتها فتتفنّن في تنويعها جنسا وعرقا ودينا ونشأة وتحرص على اختلافها وكثرتها لكن شخصيّات الرواية على كثرتها واختلافها مشتركة في المكان متقاربة الانتماء الطبقيّ الاجتماعيّ، أغلب الشخصيّات سليلة طبقات فقيرة ومهمّشة ، والرواية في مختلف أجزائها وفصولها شديدة الاحتفاء بالمهمّشين ( Les marginaux) ، تنتصر للمحرومين والمقهورين وتنصرهم في لعبة السرد وتنتصر لهم في نهايات الحكايات.

تنتصر الرواية للمرأة من خلال نماذجها الفاعلة والإيجابية ف “للا” خديجة التي عشقها والي القيروان وتزوّجها ثم أبعدتها غيرة نسائه إلى تلّ الرمل تحوّلت بفضل خصالها إلى صاحبة كرامات تحمي القرية من الغزاة الأروبيين وتشفي الفقراء ويحمي برجها / مقامها تلّ الرمل من الأمراض التي قد يحملها الغرباء الوافدون عليه من البحر. وتترقّى للا خديجة في طريق السائرين حتى تحوز مرتبة ” أصحاب الخطوة ” ثم تحتجب وتظلّ ترعى القرية بعنايتها.

وماريا الصقلية شخصية نسائيّة أخرى يحتفي بها السرد حين يجعلها وصيّة الجدّ الحكيم “كاتشو العظيم ” إلى حفيده وصفيّه ” روبارتو اييلو ” وستكون هذه الشخصيّة سبب ارتحال روبارتو عن وطنه. فمن أجلها هاجر وخاطر ومن أجلها أسّس حي “كاباتشي ” في تل الرمل. فكانت سبب وجود هذا الحيّ الأوروبي ثم سبب عمرانه ، ومنها تعلّم روبارتو أسرار الحياة والصمود وحبّ تلّ الرمل وأهله ، وتظلّ ماريا الصقليّة رمز الثبات على المبدإ ونصرة الحق فتنتصر لسكّان تلّ الرمل الفقراء ضد بني قومها من الطليان الفاشيين وتنتصر لأهل القرية ضد المستعمرين الفرنسيين.

أما صوفيا الطليانة حفيدة المؤسّس روبارتو وزوجته ماريا الصقليّة وابنة ولدهما جوزيبي فتنشأ في حي “كاباتشي” وتعشقه وترفض مغادرته رغم المحن التي مرّت بها ، بل وتسهم في الحركة الوطنية ضد المستعمر الفرنسي بجهدها ومالها وتقدّم زوجها حسن الصنديد شهيدا للوطن.

وفي الرواية شخصيات نسائيّة أخرى شبيهة بصوفيا في حبهّا لهذا الحي وتعلّقها بأهله مثل شخصيّة ” ميحة ” اليهودية التي تنشأ في الحي وتعشقه وتسهم في الدفاع عنه وترفض الهجرة مع بعض بني جنسها إلى الأراضي العربية المحتلة في فلسطين بعد اغتصابها من الصهاينة.

ولم تكن الشخصيّات النسائية وحدها من احتفى بها السرد وجعلها من علامات حكاياته المتشعّبة فقد احتفت الرواية أيضا بالمهمشين عرقيا مثل الزنوج. والزنوجة حاضرة في متن الحكي وصميمها ، ويخلع السرد على الشخصيّات الزنجية مجموعة من الخصال التي لا تتوفّر في غيرها ويسند لها من الأدوار في لعبة الحكي ما لا تنهض به بقيّة الشخصيات و يضفي عليها من هالات ” التقديس ” ما يرفع بعضها إلى ذرى الأسطورة ، فشخصية شوشانة ( وهو اسم رمز في المخيال الجمعي التونسي لصيق بالزنوجة خاص بها ) فتاة حبشية يشتريها والي القيروان، بكل ما للقيروان من أبعاد تراثية و دينية في مخيال أهل بلاد المغرب ، من سيّدها ويتزوّجها بعد أن أعتقها فتلد له الغلام يحي فتدبّ الغيرة بين نساء الوالي الذي يخشى الفتنة بين أهله فيسيّر زوجته الحبشيّة شرقا باتجاه الساحل حتى تنزل بتلّ الرمل قبل مجيء الطليان و تأسيسهم حي ” كاباتشي” وتنزع الشخصيّة عن نفسها وسم الزنوجة ( شوشانة ) لتتّخذ لها اسما ضاربا في العراقة والرمزية” خديجة “، وتصبح خديجة سيّدة تلّ الرمل فلا يذكر اسمها بعد ذلك إلا مقترنا ب ” لِلاّ ” وهو لقب للتعظيم و التبجيل. ويساعدها ” بابا أوِسّو ” بعلمه وأرض يقطعها إيّاها على بناء مقامها/ برجها ويباركها رجل غريب يلبس لباسا أخضر ويشركها في علمه وتترقى خديجة في مقام السالكين حتى تصبح رأس الصالحين في القرية تأتي من الكرامات ما يعجز عنه الرجال حتى تبلغ مرتبة ” أصحاب الخطوة “، ” إنّ من كراماتها أنّها لم توقد يوما نارا وكانت كلّ صباح تفتح شباك غرفتها المطلّة على البحر ..فتجد القصاع والأطباق والقفاف والأكياس قد ملئت بأنواع المأكولات والبقول و الفواكه وأنواعا من بخور الهند والسند واليمن والحجاز فتجعلها للفقراء و أبناء السبيل “[2]. نوع من التعويض الرمزي عن الفقد الأول أو هو تأكيد جديد على مكانتها الأولى التي فقدتها بسبب الغيرة و الحسد . وتصبح ” للا خديجة ” حارسة تلّ الرمل وحاميته. ويصبح برجها ومقامها ملاذ الغرباء ومحجرا صحيا يعزل الوافدين من البحر طيلة أربعين يوما ويحمي القرية وأهلها من الأوبئة الفتاكة التي قد ينقلها هؤلاء الغرباء . وتغيب “للا خديجة” أو تحتجب فيخلفها من بعدها زنجي آخر يصون مقامها وأسرارها ويحرس آثارها ويحدّث بأخبارها ويبشّر بعودتها ثم يأوي إليه كتيبة من الفرسان الذين قاوموا الغزو الفرنسي ويرفض تسليمهم للمستعمر فيهدّ الفرنسيون البرج فوق رأسه يحسبونه قد دفن تحت الأنقاض ويصرّ سكّان القرية على انبعاثه من تحت الرّدم ويردّدون أنه يخرج كلّ مساء إلى ظاهر القرية فيرقب أهلها ويتفقّد أحوالهم.

ومن المهمّشين الذين تحتفي بهم الرواية شخصيّات مختلفة دينا عن سكّان تلّ الرمل المسلمين ، فكثيرة هي الشخصيات المسيحيّة (روبارتو وزوجته ماريا وابنه جوزيبي ولوريتا وابنها موريزيو ,,) واليهودية ( ميحة وشلومو ,,) وهي شخصيات تعيش في حي أوربي خارج المدينة العربية العتيقة لكنها غير معزولة عن هذه المدينة و عن سكانها من العرب المسلمين ، لم يمنعها اختلافها الديني والحضاري عن أغلب سكان تلّ الرمل من مرافقتهم ومصادقتهم. وتظلّ هذه الشخصيات تجهر بحبها لهذه القرية والتعلّق بها والوفاء لأهلها فتنتصر الشخصيات الإيطالية ( روبارتو وماريا وجوزيبي وصوفيا ..) لحيّ كاباتشي وكافة سكّان تلّ الرمل ضد بني جنسها من الفاشيين وترفض الشخصيات اليهودية مغادرة الحي في اتجاه فلسطين المحتلة وتعمل جميع الشخصيّات في خدمة الحركة الوطنية بالجهد والنفس والمال .

لقد كان ولاء الشخصيّات في الرواية على اختلاف أجناسها وأعراقها وأديانها لحي ” كباتشي” ولقرية تلّ الرمل أرضها وبحرها وللوطن ماضيه وحاضره. وليست هذه الشخصيّات على اختلافها سوى تأكيد متكرّر لعبقرية المكان الذي يأسر كلّ الوافدين عليه فيصهرهم في حبه ويصيّرهم عاشقين لبحره وبرّه. وليس اختلاف الشخصيّات سوى تأكيد على أنّ تلّ الرمل وُجد ليسع الاختلاف وليتعايش فيه الجميع تحت راية ” بابا أوِسّو ” حامي بحره و للا خديجة حامية برّه.

3/ صوفيا : بعض خصائص الأسلوب

الرواية جماع تيّارات متنوعة ومزيج مدارس مختلفة في الكتابة وكذلك مرجعيّات الكتابة فيها كثيرة متنوّعة. و بقدر ما تمتح ” صوفيا ” من التراث السرديّ العربي شفويّه ومكتوبه ، تستبطن تيّارات غربية مختلفة. فتتجاور في فضاءاتها أجواء ألف ليلة وليلة بعوالمها الساحرة العجيبة مع تراث شديد الثراء من الحكايات والخرافات التي صانتها الذاكرة الجمعية من الاندثار، مع وقائع تاريخيّة حقيقية مثل دخول فرنسا إلى البلاد التونسية مدمِّرة مستعمِرة نهاية القرن التاسع عشر وصعود الفاشية في ايطاليا بداية القرن العشرين والحراك الفكري و النقابيّ في تونس في النصف الأول من القرن العشرين وصولا الى واقعة تدمير برجي أمريكا ذات سبتمبر من سنة 2001 ، رواية صوفيا في النهاية طبقات من الحكي كلّما خلت أنّك وصلت إلى قاع طبقة منها أسلمك الحفر إلى طبقات أخرى أشدّ غرابة و أكثر إدهاشا.

تمتح صوفيا من التراث السرديّ العربيّ أشد فنّياته ظهورا، فنيّة الاستطراد. وهل بنيت رسالة الغفران إلا على مجموعة من الاستطرادات لا تنتهي وهل ألف ليلة و ليلة إلا استطرادات متناسلة متوالدة تسلمك الواحدة إلى الأخرى في سلسلة من الحكي مربك آسر، والاستطراد أنْ يجمع الكاتب بين مواضيع مختلفة في حديث واحد، وأنْ ينصرف من الموضوع الرّئيسيّ ليتناول الموضوع الفرعيّ، ويُسهب فيه إلى درجة تُنسي المتقبّل الموضوع الرّئيسيّ، وتُعطّل الاهتمام به ويُدخل المسرود له في مواضيع فرعيّة . كذلك الأمر في رواية صوفيا حيث يبرع السرد في الخروج من حكاية إلى أخرى بل ويبالغ في ذلك حتى أنّك لن تستطيع أن تتبّع نسق الحكايات وتفقه ترابطها إذا لم تستعن عليها بتقييدات تعود إليها كلّ حين ، السرد في صوفيا متاهة من الحكايات تتناسل من بعضها بسبب ودون سبب فتفتح الحكاية الأصلية على حكاية فرعية وتتفرّع الحكاية الفرعية بدورها إلى فروع أخرى متفرّقة فيتشعّب السرد ويطول التفريع حتى نكاد ننسى الحكاية الأصلية، وأظهر ما تكون فنية الاستطراد في الرواية في الجزء الأول منها فتخرج حكاية روبارتو الصقلي إلى حكايات جدّه كاتشو الحكيم إلى حكايات الزنجي خادم المقام إلى حكايات للاّ خديجة وقصتها وكراماتها الى حكايات ” بابا أوِسّو ” وحرصه على حماية القرية وأهلها إلى حكايات زاوية أبي جعفر ومريديه…كذا تسلمك الحكاية إلى الحكاية وتخرجك الحكاية من سابقتها حتى تكاد تنسى من أين دخلت إليها ومتى وكيف خرجت إلى غيرها ، حكايات تتراكم وتتراكب وتتوالد وتتعالق وتفترق فتشكّل طبقات متراكمة وتظلّ شخصيّة صوفيا و حي “كاباتشي ” الخيط الناظم والدليل و المنارة التي تهديك.

إضافة إلى هذا الاستطرادات المكثفة تدهشك الرواية بنقلات سرديّة سريعة ومفاجئة. وتتغيّر مع كلّ نقلة منها الأطر والشخصيّات والأحداث تغيرا سريعا ومفاجئا لكن محورها يظلّ حدثا واحدا مثل فصل « الموت والحلم » من الجزء الثاني ويدور هذا الفصل حول حدث مركزيّ هو موت روبارتو السيسيليان , ويعرض هذا الحدث في لوحات عديدة تضيء جوانب مختلفة منه.

ü لوحة : في سقيفة بيت روبارتو المسجى / زوجته ماريا تبكيه.

ü لوحة : خارج البيت : المعزّون والرفاق يتحدّثون عن أسباب موت روبارتو.

ü لوحة : في الجانب الغربي من الحديقة يروي لويجي على مسامع بعض المعزّين اللحظات الأخيرة في حياة روبارتو .

ü لوحة : قرب شجرة الياسمين عند نافذة غرفة ماريا ، يصل رفاق روبارتو من العرب.

ü لوحة : عند باب الحديقة ، شباب من الايطاليين يتحدثون عن الرّفاق العرب الذين جاؤوا للعزاء.

ü لوحة : في الشارع رجال يخيم الحزن على وجوههم وبوليس يراقب ما يحدث.

ü للوحة : في باب السقيفة الفقير الطاهر يقدّم تعازيه لابن روبارتو.

ü لوحة : ماريا في بيتها تشكو التعب والوحدة لابنها بعد رحيل زوجها وجوزيبي يقصّ على أمّه أحلامه بعد رحيل والده.

هذه النقلات السريعة أو اللّوحات شبيهة بحركة الكاميرا في الفنون البصرية تتنقل وتعرض الوجوه المختلفة في أمكنة مختلفة ضمن نسق حدثي واحد ، وتسهم هذه النقلات في تفتيت الحدث الواحد إلى جزئياته في لوحات منفصلة لكنها متآلفة تعرض أمام المتلقّي زوايا رؤية متنوّعة تثري أبعاد الحدث الواحد وتضيء جوانب مختلفة منه. ولعلّ مثل هذه النقلات من خصائص كتابة السيناريو السينمائي خاصة.

ويوهم هذا التفتيت بجماليّة الانقطاع (Esthétique de la discontinuité) لكن القارئ يحصّل الخيط الناظم للحكاية فيدرك تآلف الأجزاء وتكامل اللوحات فينتهي إلى جماليّة التواصل والانسجام (Esthétique de la continuité) التي تقوم على الاتّساق ( La cohésion) والانسجام ( La cohérence)

هذه الفنيات وغيرها تخرج الرواية من شكل الرواية الكلاسيكيّة وتقربها من رواية التجريب أو الرواية الجديدة ( Le nouveau roman ) بمختلف تلويناتها وفروعها.

ولا يمكنك وأنت تلج عوالم السرد في الرواية إلا أن تعجب وتدهش ويلتبس عليك الأمر بين أحداث قريبة من الواقع يطمئن إليها العقل ويصدّقها منطق العرف والعادة وبين أحداث أخرى يحار العقل في تصنيفها فلا هو يسلّم بواقعيّتها ولا هو ينكر غرابتها . وأنت في كلّ الأحوال مأخوذ بسرد مخاتل بارع في تضمين العجائبي في الواقعي وفي إخراج الغريب في صورة المألوف فيَحار عقلك ويتزلزل يقينك بعقلانيّة الأشياء ومنطق الأحداث . وحين تبلغ هذه الدرجة من الحيرة ستتذكّر قطعا عوالم ألف ليلة وليلة الساحرة وستلج عوالم “الواقعيّة السحريّة” [3] ( le réalisme magique ) التي ترشح بها أجواء هذه الرواية، وهي الأجواء الأثيرة لرواية أمريكا اللاتينية في القرن العشرين.

يحشد السرد عوالم العجيب والخارق والأسطوري واللامعقول لكنه لا يخرجها في شكل غريب يفارق الواقع أو في شكل خيال يجنِّح بعيدا عن عوالم الممكن ، بل يصهر هذه العوالم على تنافرها واختلافها ويسبكها و يخرجها في صورة واقع ساحر مربك يحملك على تصديق واقعيّته تارة و يثير شكّك تارة أخرى بعجائبيّته وغرابته. فيجاور العجيب الواقعيّ ويسايره في بناء بعض الشخصيّات وتطوّرها حيث يمتزج في أحوالها وأفعالها الواقعيّ والعجيب، لكنّ عجيبَ ما تأتيه هذه الشخصيّات لا يفقدها ” بشريتها ” ولا يحوِّلها إلى كائنات خياليّة مفارقة ف” للّا خديجة ” الفتاة الحبشية التي تتحوّل إلى سيّدة تلّ الرمل وحاميته تأتي من الكرامات ما لا يصدّقه عقل فرغم أنها لا توقد في بيتها نارا يأتيها طعام كلّ صباح ألوانا وأصنافا مختلفة من بلدان مختلفة متباعدة . وهي حين تشتاق في العشر الأواخر من رمضان إلى زيارة النبي تصحب ولدها يحي وتصعد السطح وتنتقل في لحظة من تلّ الرمل إلى مدينة الرسول ” فإذا بهما أمام قبر النبيّ والناس تذبّ عنهما ..وعادا قبل الفجر “[4] فتصبح من ” أصحاب الخطوة ” ولن تخرجها هذه الكرامات من مرتبة البشر لكنها سترفعها مراتب فوقهم.

ويظلّ الزنجي خادم مقام للا خديجة ووارث أسرارها شخصيّة واقعيّة حتى لحظة موته مدفونا تحت أنقاض المقام بعد دكّه من طرف الغزاة الفرنسيين ، ويتحوّل بمجرّد موته ، الذي ينكره أهل القرية، إلى روح تتجسّد لتجلس في العشايا وسط القرية تساعد أبناء القرية وتأخذ بأيدهم في الشدائد.

ويربك السرد المتلقي حين يقحم في لعبته شخصيّات تاريخية مثل روجار الثاني صاحب صقليّة وهو شخصيّة حقيقية من القرن الثاني عشر ميلاديا قدِم تونس غازيا بجيوشه ، يستدعيه السرد ويجعله شخصيّة تتخفّف من جيوشها الغازية لتقصد مقام للاّ خديجة تطلب مباركتها ، فتقرّعه المرأة الصالحة وتهدّده فينتقل إلى المهدية فإذا هو روجار المعتز بالله الملك النورماندي. [5]

ويجاور العجيب الواقعيّ في لعبة الأحداث دون أن يفارقه أو يتعالى عليه . فيتلبّس به ويشترك معه في صناعة سلسلة حدثيّة ما كانت لتكون لولا هذا اللّبس ، ويُعالَج هذا العجيب ضمن أطر واقعيّة أو قريبة من الواقع بما يمنح الأحداث أجنحة تحلّق بها فوق إكراهات الواقع ويمنح السرد حيلا تمكّنه من من تطوير لعبته وتكثيف غوايته ويعيد القارئ إلى عوالم البهجة الأولى أمام سحر حكايات الجدّات ويوقظ فيه الطفل الذي تسحره حكايات الأرواح والعفاريت. فالزنجي ابن ” للا خديجة ” يقطع الصحارى ويصارع الغيلان والوحوش ليأتي أباه والي القيروان ب”القاروم” الدواء الذي يشفيه وينجح في ذلك بفضل إعانة من شخصيّات عجائبيّة . ويصبح “القاروم” ، وهو طعام من الحقبة الرومانية ، شرابا تعدّه عجوز تسكن في كهف في الجبل الأخضر في جزيرة النعوشة في مار وراء الوديان والبحار.

ولن يفلت حدث في الرواية بحجم تأسيس حي “كابتشي” من تداخل الواقعي والأسطوري. فمؤسّس الحيّ روبارتو خرج من حي ” كاباتشي” في باليرمو تحت إلحاح رؤيا زاره خلالها جدة كاتشو العظيم و هو “من القدّيسين الذين نالتهم بركة المسيح يوم كلّمه في المنام فألهمة الحكمة ” [6] وأمره بالمسير إلى تلّ الرمل والبحث في ساحله عن ماريا الصقلية ليتزوجها. وقد رتّبت روح الجدّ الحكيم لروبارتو كلّ ما يحتاجه في رحلته. فأحضرت له القارب واختارت له نوتيا خبيرا بالبحار والأسفار وظلت هذه الروح تحرس قارب هذا المهاجر طيلة رحلته فكانت تمدّه بما يحتاج من أكل وفواكه يجدها على سطح القارب كلّما أغفى. وكانت تحرسه من الأخطار. فيخبره النوتيّ العجوز أثناء رحلتهما ” وهو يقول باقتضاب وحزم كأنّه يلقي بيانا حربيا إنّ العحوز كاتشو الحكيم اتّصل به عبر اللاسلكي يعلمه أنّ أمامهم سفينة قراصنة ولا بدّ من تحويل الاتجاه “[7] .

وفي موضع آخر من الرواية يسلِّم الزنجيّ خادم المقام روبارتو الصقلي ، بعد قدومه تلّ الرمل واحتجازه في المحجر الصحيّ، ثلاث حجرات مباركة من أغراض للاّ خديجة وهي حجرات “المسّ ” وسيظلّ أبناء روبارتو يتوارثونها بإجلال ويتبرّكون بها ويعتقدون في قدرتها على حمايتهم.

وقد تلجأ الرواية إلى فنّيات أخرى من فنيات الواقعيّة السحريّة كأن تتخيّر شخصيّات أسطوريّة تحوّلها إلى شخصيّات تفعل في واقع السرد فعل البشر ف “بابا أوِسّو ” شخصيّة أسطوريّة في مخيال أهل مدينة سوسة اليوم يحوّله السرد إلى شخصية واقعية في هيأة شيخ كثّ اللحية يحمل حربة بثلاثة رؤوس يعين “للاّ خديجة” لحظة نزولها بتلّ الرمل ويُقطِعها أرضا تبني عليها برجها ومقامها لكنه يحتجب بعد سيطرة المستعمر الفرنسي على قريته ولا يزور أهل قريته إلا مرّة في السنة عند اشتداد القيظ (وهو موعد الكرنفال الحقيقي للمدينة اليوم والمشهور بكرنفال بابا أوسّو) ويظل بقية السنة يراقب أهل القرية ويعينهم ويرعاهم رغم احتجابه.

نخلص نهاية إلى أنّ ” صوفيا” رواية متشعّبة الأحداث وفيرة الشخصيّات متعدّدة الأزمنة و الأمكنة يتفنّن صانعها في بناء حبكات لا حبكة واحدة ويصنع من شخصياتها أبطالا لا بطلا واحدا وتنتهي وقائع سردها إلى نهايات متعدّدة لا نهاية واحدة ، وتظلّ أزمنة السرد فيها ، على تعدّدها ، ترتدّ إلى زمنين لا ثالث لهما زمن الحاضر أو زمن الآن و الهنا وزمن الماضي أو زمن الهنا والهناك وبين الزمنين و تعدّد أمكنتهما تأخذك ذاكرة صوفيا الطليانة إلى ذاكرة تلّ الرمل وتأخذك متعة السرد في الرواية إلى حيث ترى و تسمع وتتذوّق و تشم روائح البحر وروائح القهر و روائح الحب و روائح النضال والالتزام الوطني والايديولجي. إنها رواية الحواس ومتعها. ولمّا كانت العين أمّ الحواس كانت صوفيا رواية عيون متعدّدة ، عيون تشهد تحوّلات حيّ ” كاباتشي” ومن ورائه تغيّر الأجيال و تبدّل الأزمنة في تلّ الرمل ، وعيون تحرس أحلام سكّانه ومريديه وعيون تعشق بحر هذه القرية علّة وجودها وسرّ سحرها الذي فتن جميع الأجيال..

————————————–

[1] ” صوفيا ” أول عمل روائي ينشر للحبيب رمضان عن دار نظر ، تونس 2019. ثمّ صدرت له بعد هذه الرواية مجموعة قصصية موسومة ب ” شيء من الجنون ‘ دار نظر للنشر تونس 2021. وللحبيب رمضان ثلاثة كتب أخرى ذات بعد تاريخي وتوثيقي صدرت باللسانين العربي والفرنسي بين تونس وباريس.

الرواية ص 29[2]

[3] الواقعية السحرية ( ( le réalisme magique مدرسة في الكتابة اشتهرت بها في القرن العشرين روايات أمريكا اللاتينية ومن أبرز أعلامها – خورخي بورخيس ( 1899-1986Jorge Luis Borges ) ، ايزابيل الليندي ( Isabel Allende 1942- ,, )، غابريا غارسيا ماركيز ( 1927- 2014 Gabriel Garcia Marquez )

الرواية ص 28[4]

الرواية ، ص 28[5]

الرواية ص 11[6]

الرواية ص 14[7]

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.