كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

, , , ,

قراءة في “الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة” لمحمد شحرور

عبد الجليل حمودي

IMG-20210904-WA0003

نقدّم اليوم لكتاب ” الكتاب والقرآن : قراءة معاصرة ” لمحمد شحرور لاعتقادنا أنّه من الإسهامات المقبولة في الفكر العربي المعاصر ولقد أحدث زمن صدوره ضجّة في الأوساط الثقافية إذ عارضه الكثير واعتبروه ليبيراليّ التوجّه بل اتّهموه بالتعامل مع أطراف أجنبية مثله مثل ” محمد سعيد العشماوي” و”نصر حامد أبو زيد” بينما ثمّن آخرون مجهوداته وعدّوا كتابه نموذجا للفكر الحرّ المستنير وتناوله عدد من الباحثين في كتبهم ودراساتهم بالنقد والتحليل من بينهم على سبيل المثال:

+ يوسف الصيداوي: ” العربية بين خراكوفسكي ودك الباب : نقد لكتاب الدكتور محمد شحرور ”

+ غازي التوبة: ” تطور خطاب دعاة التحرر في قضية المرأة المعاصرة ”

+ رضوان جودة زيادة: ” عندما يضل التجديد طريقه.. جهلا أو استسهالا ”

+ حافظ سيف فاضل: “التراث والنصوص / ايف سلوم :قراءة نقدية لمشروع الدكتور محمد شحرور ”

+ عبد الرحمان مختار: ” المرأة والحجاب في الخطاب القرآني ”

+ محمد عكام: ” قواعد قراءة النص الإسلامي ”

+ غسان بن عبد الله: ” علمانية جديدة في العالم العربي ”

وإن كنّا لا نؤمن بكلّ ما جاء في هذا الكتاب من إشارات وتلميحات وأفكار فإننا نعتبره جديرا بالقراءة. وإذ نخوض غمار هذا التقديم فإننا واعون تمام الوعي بجدية المؤلف محمد شحرور في طرح المسائل ولكن ذلك لا يحول عائقا أمام مساءلته وجداله .

إنّ الدكتور محمد شحرور سوري النشأة ولد بدمشق سنة 1938 وتوفّي سنة 2019 متحصل على ديبلوم الهندسة المدنية 1964 من معهد الهندسة المدنية بموسكو ودكتوراه في نفس الاختصاص سنة 1972 من جامعة دبلن بايرلندا وله عدة مؤلفات من بينها “الدولة والمجتمع “والإسلام والإيمان: منظومة قيم ” ” نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي ” ولعلّ اختصاص الهندسة لم يمنعه من الخوض في مسألة تكون من الخارج فهو يبحث في مسائل حضارية تتعلّق بالفكر الديني وخاصة هذا الكتاب ” الكتاب والقرآن قراءة معاصرة ” الذي صدر عن دار الأهالي للطباعة والنشر الطبعة الخامسة 1992 وبلغ عدد صفحاته 731 صفحة

قسّم المؤلف كتابه إلى أربعة أبواب: الذكر / جدل الكون والإنسان / أم الكتاب والسنة والفقه / القصة في القرآن. وقدّم لكلّ هذه الأبواب بمقدمة نظرية لم يكتف فيها بتقديم منهجه بل بسط النتائج التي توصل إليها وذيّلها بخاتمة احتوت استنتاجات عامة عن كلّ الأفكار التي طرحها في الأبواب مضيفا بعد ذلك ورقتين كبيرتي الحجم: الأولى شجرة الأنبياء والرسل كما وردت في القرآن الكريم والثانية محور تطور الإنسان بالنبوات والرسالات من بداية الأنسنة.

إنّنا في هذه الورقة من العمل لن نحاول تحليل الكتاب تحليلا شاملا بقدر ما سنحاول قراءته قراءة انتقائية تدّعي الاهتمام بأمهات القضايا التي تيسّر فهم الكتاب لذلك سنركّز على مقدمة الكتاب باعتبارها الجسر المتين الذي يصل القارئ بالمتن وسنحتفي بجرد المصطلحات التي احتفل بها المؤلف لأنها حسب اعتقادنا الأسّ الرئيس لفهم مقاصده وسنتداول بعض تطبيقاته في مستوى التفسير والتشريع .

1/ المقدمة :

ينطلق الكاتب في مقدمته النظرية بقراءة حاضر المسلمين فيرى أنهم مأسورون لمسلّمات فكرية متراكمة حضاريا يظنّون أنّها المخلّص لهم من جحيم التخلّف ونار الجمود وقد تكون هي ذاتها سببا في كلّ ما يجري لهم اليوم بما أنها أوقعت الفكر العربي المعاصر في عدة مشاكل وانبرى محمد شحرور يعدّد مزالق هذا الفكر فاتّهم الكتّاب المسلمين بأنهم لم يتقيّدوا بمنهج البحث العلمي الموضوعي وإنما درسوا النص دراسة لا تخلو من عواطف جياشة أوقعتهم في الوهم فأصدروا أحكاما قبلية على مشكلة ما. قبل البحث في المشكلة في حدّ ذاتها يقول في ص 30 « إذ نرى الباحث الإسلامي مقتنعا مسبقا و قبل البحث أنّ وضع المرأة في الإسلام وضع سليم وأنّ الإسلام أنصفها فيكتب كتابا في ذلك ويقول إنّه بحث علمي » وهذا ما قادَهم إلى التعصّب الفكري فلم يستفيدوا من الفلسفات الإنسانية ولم يتفاعلوا معها التفاعل الأصيل المبدع ويرجع ذلك إلى خوفهم على تلاشي العقيدة وتفكك وحدة الفكر الإسلامي ما جعلهم يفقدون نظرية إسلامية في المعرفة الإنسانية « مصاغة صياغة حديثة معاصرة ومستنبطة حصرا من القرآن الكريم لتعطينا ما يسمى (إسلامية المعرفة ) بحيث تعطي هذه النظرية منهجا في التفكير العلمي لكلّ مسلم وتمنحه ثقة في النفس وجرأة على التعامل مع أيّ نتاج فكري أنتجه الإنسان بغض النظر عن عقيدته » ص 31 .

وهو ما يؤدّي إلى ضيق الأفق في الفكر الإسلامي المعاصر جعل المسلمين يتخبّطون في أزمة فقهية حادّة رغم أنّ الكاتب لا ينكر على البعض سعيهم الصادق إلى إيجاد فقه جديد معاصر يخترق الفقه الإسلامي الموروث لكنّه يعيب عليهم غياب البديل مدّعيا امتلاكه في هذا الكتاب منهجا جديدا في الفقه الإسلامي طبّقه على أحكام المرأة .

وللتخلّص من كل هذه المآزق يقترح إعادة التمعّن في مصطلحات جوهرية تعين المسلمين – إذا فهموها فهما جيّدا – على الخروج من تلك الأزمة مؤكّدا على عروبته وإسلامه فهو يميز بين التراث والمعاصرة والأصالة:

+ التراث: ما تركه السلف للخلف من نتاج مادي وفكري ويؤدّي دورا أساسيا في تكوين شخصية الخلف فهو إذن صنع إنسان واعي في مراحل تاريخية متعاقبة

+ المعاصرة: التفاعل بين الإنسان المعاصر والنتاج الفكري والمادي مما يجعل هذا المفهوم يتداخل مع مفهوم التراث إلا أنّ لحظة الآن المتحركة هي الحد الفاصل بينهما فقد يدخل النتاج الفكري المادي في الستينات باب التراث ويستنتج من خلال ذلك أنّ الحدث الإنساني الواعي يدخل في عالم الممكنات قبل وقوعه وإن وقع يصبح حقيقة لا رجعة فيها وعليه فإنّ العرب المسلمين لا خيار لهم في تراثهم وإنما خيارهم في ما يلزم حاضرهم ومستقبلهم ويستشهد بقول أبي حنفية « هم رجال و نحن رجال » ليستخلص أن الوقت حان لصنع تراث لأجيالنا القادمة دون حرج.

+ الأصالة: تتكون الأصالة من عنصرين متمّمين : التجذّر في القديم والحياة في الحاضر والمعنى مأخوذ من الآيتين 24 و 25 من سورة إبراهيم ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيّبَة أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ تُؤَتي أُكُلَهَا كُلَّ حينٍ بِإِذْنِ رِبّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُون﴾ ويستنتج المؤلّف أنّ العرب المسلمين عليهم الاستفادة من تراكمات المعرفة التي أنتجها الإنسان ومن ضمنها التراث بحيث يحقّقون قفزة نوعية. ووفق هذا التمشّي نعَت الحضارة العربية الإسلامية الآن بكونها ذات جذور إلا أنّ ثمارها جفّت ونضُبت.

إنّ في تحديد المؤلّف كيفية التعامل مع هذه المصطلحات ووجوب التدقيق في معانيها حرصا على أصالة أفكاره ومنطلقاته فهو يدّعي المزج بين ماض تليد وحاضر معيش مزجًا خلّاقًا يحقّق للحضارة العربية الإسلامية الانطلاق نحو الأفضل وفي منهج صارم بتركز أساسا على جملة من النقاط يمكن تلخيصها كالأتي:

أوّلا: العلاقة بين الوعي والوجود المادي هي المسألة الأساسية في الفلسفة فمصدر المعرفة الإنسانية هو العالم المادي خارج الذات الإنسانية لأنّ المعرفة الحقيقية ليست مجرّد صور ذهنية بل تقابلها أشياء في الواقع لأنّ وجود الأشياء خارج الوعي هو عين حقيقتها ويستشهد بالآية 78 من سورة النحل ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ .

ثانيا: الدعوة إلى فلسفة إسلامية معاصرة تعتمد المعرفة العقلية التي تنطلق من المحسوسات عن طريق الحواس (السمع والبصر ) لتبلغ المعرفة النظرية المجرّدة في ضوء المنجزات العلمية التي بلغتها الإنسانية .

ثالثا: لا وجود لحدود يتوقف عندها العقل فالكون المادي والعقل الإنساني قادر على إدراكه ومعرفته

رابعا: بداية المعرفة الإنسانية بالتفكير المشخّص المحدّد بحاستي السمع و البصر ثم ارتقت ببلوغها التفكير المجرّد العام

خامسا:لا وجود لتناقض بين ما جاء في القرآن والفلسفة التي هي أم العلوم وتنحصر بفئة الراسخين في العلم مهمةُ تأويل القرآن

سادسا: تبنّي النظرية العلمية القائلة: إنّ ظهور الكون المادي كان نتيجة انفجار هائل أدّى إلى تغيير طبيعة المادة مع التأكيد أنّه لا قديم إلا الله ونهايته ستكون بانفجار هائل يؤدّي إلى ظهور كون من مادة ذات طبيعة أخرى: الحياة الآخرة .

هذا المنهج المعتمد في الكتاب بناه صاحبه على جملة من الأسس تعضده وتؤسس له فقد أعلم أنّه قام بمسح عام لخصائص اللسان العربي معتمدا على المنهج اللغوي لأبي علي الفارسي الذي يعتبر مزيجا بين أفكار ابن جني وعبد القادر الجرجاني مع الاطّلاع على ما توصلت إليه اللسانيات الحديثة التي ترى أنّ الألسن الإنسانية باختلاف مشاربها لا تحتوي على خاصية الترادف ثم يفترض أنّ الكتاب الكريم تنزّل علينا ( النصف الثاني من القرن 20) لذلك وجب الوقوف على أرضيّة القرن العشرين دون إغفال التطور التاريخي لتفاعل الأجيال المتعاقبة مع الكتاب الذي هو بالضرورة قابل للفهم مذكّرا أنّ الله قد رفع من مكانة العقل الإنساني مما ينجرّ عن ذلك الإيمان بمسلّمتين

* لا تناقض بين الوحي والعقل

* لا تناقض بين الوحي والحقيقة

وبما أنّ الله قد رفع من قيمة العقل الإنساني « فالأجدر بنا أن نرفع من هذه المكانة ونحترمها وعليه فإنّنا حاولنا جاهدين في كتابنا احترام عقل القارئ أكثر من احترامنا لعواطفه » ص 45

وبعد أن بيّن المؤلّف للقارئ المنهج المتّبع في التحليل والأسس التي قام عليها طفق يحدّد الأهداف من هذا الكتاب معتبرا أنّه ليس تفسيرا أو كتابا في الفقه وليست غايته البرهنة على وجود الله أو عدم وجوده وإنما هو قراءة معاصرة للمصحف تبيّن أنّ الفكر الإسلامي ذو طابع عالمي إنساني وبذلك يكون الكتاب (كتاب شحرور) غير مخصوص لفئة معيّنة وإنّما موجّه « إلى كلّ إنسان عربي مؤمن أو ملحد وإلى كافة الاتجاهات العقائدية حيث نعتقد بأن كل إنسان سيجد شيئا ما في هذا الكتاب يدخل ضمن قناعاته الخاصة وقد يجد فيه شيئا ما كان يبحث عنه » ص 45 . ويؤكد على أنّه تجاوز في كتابه كل أنواع التعصّب المذهبي والطائفي وهدفُه هو البحث عن الحقيقة بشكل موضوعي .

هكذا نلاحظ أنّ المقدمة التي اعتمدها محمد شحرور في كتابه حاولت أن تؤثث للتحليل منطلقا من شعوره بعدم الرضى عن حاضر المسلمين التي تأسره حسب رأيه جملةٌ من المسلّمات وهو ما كان سببا في خوض غمار هذا البحث معتمدا المنهج الذي ألمعنا إليه سابقا والأسس التي اعتمدها .

2/ المنهج النظري :

ينطلق محمد شحرور في كتابه من مسلّمات نظرية ترى أنّ القرآن نص لغوي فلا بدّ من قراءته على ذلك الأساس وأيّة قراءة لا تعير اهتماما للغة قراءة قاصرة عن بلوغ المعنى الشامل للنص. هذا يقوده إلى التسليم بفرضيات لغوية ولذلك اختار المنهج التاريخي والعلمي في الدراسة اللغوية في ضوء الدراسات اللسانية الحديثة معتمدا مدرسة “أبي علي الفارسي ” اللغوية التي تتركز على جملة من المبادئ من بينها أنّ اللغة نظام وهي ظاهرة اجتماعية ترتبط البيئة اللغوية فيها بوظيفة الاتصال إلى جانب تلازمها مع التفكير كما أنّها أنكرت ظاهرة الترادف إذ ترى أنّ اللغة خُلوٌ من الترادف وعبارات” ثعلب ” (أحد تلاميذ تلك المدرسة ) مشهورة « ما يُظَنّ في الدراسة اللغوية من المترادفات هو من المتباينات » كما يعتقد المؤلف في وجوب الفصل في التركيب العطفي بين المعطوف عليه والمعطوف فهما بالضرورة مختلفان فعندما نقول ” جاء زيد وعمرو ” نفهم بالضرورة أن “زيدا “غير “عمرٍو” .

هذه المنطلقات النظرية أفضت بالمؤلف إلى جملة من النتائج يفرّق فيها بين المصطلحات فألفاظ مثل ” القرآن” “الذكر” “الكتاب ” ألفاظ متباينة وقس على ذلك “النبوة ” / “الرسالة ” و”القضاء” / “القدر” و”الألوهية” / “الربوبية” وسنقتصر لبيان ذلك على لفظتيْ “الكتاب ” و”القرآن”

قبل تحديد مفهوم هاتين اللفظتين أورد المؤلف جملة من الآيات وهي:

الآية 1 / الحجر ﴿ الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ

الآية 2 / البقرة ﴿ ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ

الآية 185 / البقرة ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ

الآية الأولى تبيّن أنّ ” القرآن ” معطوف على ” الكتاب ” وفي اللسان العربي لا تعطف إلا المتغايرات أو الخاص على العام فإمّا أن تكون لفظة “القرآن” ذات معنى مغاير تماما للفظة ” الكتاب ” أو أنّهما عُطفا من باب عطف الخاص على العام وانتصر الكاتب إلى الاحتمال الثاني فرأى أن القرآن عطف على الكتاب لأنه جزء منه واستند إلى الآيتين آنفتي الذكر (2و185 / البقرة ) لبيان الغاية من كليهما فالكتاب جاء ” هدى للمتقين ” أما القرآن فهو “هدى للناس ”

أ / مفهوم “الكتاب ”

بدأ المؤلف لإدراك “مفهوم الكتاب ” بتعريفه لغويا فمادة ” ك ، ت ، ب” تعني جمع الأشياء بعضها إلى بعض لإخراج معنى مفيد فكلمة ” الكتاب ” مثلا تعني المكان الذي يجتمع فيه التلاميذ للتعلم أمّا ” الكتيبة ” فتعني تجميع الجنود والضباط والدبابات بعضها إلى بعض في نسق معين وإذا وقع تجميع الحديث النبوي حسب المواضيع جاز لنا أن نسمي كلّ نوع من المواضيع كتابا فنقول ” كتاب الصلاة ” أي مجموعة أحاديث الرسول (ص) التي تتحدث عن الصلاة ونقول “كتاب الصوم ” أي مجموعة الأحاديث التي تتناول الصوم وعندما نقول أصدر الوالي كتابا نقصد به المعنى” الموضوع ” لا الخط . وقد رأى المؤلف أنّ كلمة ” الكتاب ” وردت في المصحف في أكثر من موضع فمثلا جاءت في الآية 103/ النساء ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴾ فهذا يعني أنّ الصلاة من المواضيع التعبّدية التي وجب على المسلم القيام بها.كما وردت في الآيتين 2و3 / البينة ﴿رسول من الله يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ ﴾ وبما أنّه أوحى إلى محمد (ص) عدّة مواضيع مختلفة كلّ موضوع منها كتابٌ فمن هذه الكتب القيمة ” كتاب الخلق ، كتاب الساعة ، كتاب الصلاة ،كتاب الصوم ، كتاب المعاملات …” ويستخلص من كل ما تقدّم أنّ كلمة الكتاب المعرفة ب ” ال ” التعريف في ثاني آية من سورة البقرة ﴿ ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ« تعني مجموعة المواضيع التي أوحيت إلى محمد (ص) من الله في النص والمحتوى والتي تؤلف في مجموعها كل آيات المصحف من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة الناس » ص 54. ثم انبرى يفصّل محتويات الكتاب معتمدا الآية السابعة من سورة آل عمران ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ فيلاحظ أنّ الكتاب ينقسم إلى موضوعين أو كتابين رئيسين: الآيات المحكمة وأخر متشابهات

* الآيات المحكمة: يعرّفها بكونها هي مجموعة الأحكام التي جاءت إلى النبي (ص) والتي تحتوي على قواعد السلوك الإنساني “الحلال والحرام ” أي العبادات والمعاملات والأخلاق

* أخر متشابهات: وردت لفظة “أخر ” نكرة مما يعني أنّ الآيات غير المحكمات فيها متشابهات وفيها آيات من نوع ثالث لا محكمة ولا متشابهة

الآيات لا المحكمة ولا المتشابهة: لها مصطلح خاص بها وهو تفصيل الكتاب في الآية 37 من سورة يونس ﴿ وَمَا كَانَ هَٰذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَىٰ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَارَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ وكذلك في الآية 111 من سورة يوسف ﴿ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ

والآية الأولى من سورة هود ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴾ هذه الآيات مجتمعة تتحدث عن التفصيل تدل على تمييز الشيء من الشيء وإبانته عنه حسب ابن فارس ويرى المؤلف معنيين للتفصيل:

لتفصيل هو الشرح ” تفصيل كل شيء بمعنى شرح كل شيء “

التفصيل هو الفصل المادي للأشياء زمانيا أو مكانيا (الآية 1 من سورة هود ) تفصيل الأحكام الواردة في الكتاب .

*الايات المتشابهات: القرآن + السبع المثاني

استخلص المؤلف من معرض حديثه عن “الكتاب” أنّ “الكتاب” و”القرآن” لفظتان متغايرتان وفق قانون العطف فرأى أنّ “القرآن” جزء من “الكتاب” ويستند إلى الآية 87 /الحجر ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ﴾ ليبين الفرق بين لفظي “السبع المثاني” و” القرآن” فرأى وفق المنهج المتّبع أنّهما تشكّلان مع بعضهما الآيات المتشابهات فالسبع المثاني حسب رأيه هي الفواتح السبعة (الم/ المص/كهيعص/يس/طه/طسم/حم) معتمدا على المعجم فـ«المثناة هي طرف الزمام من الخشاش وإنّما يثني الشيء من أطرافه فالمثاني هي الأطراف ومن هنا كان لكل سورة مثناة أي طرف».

ب / مفهوم القرآن

أما القرآن فإنّ له مفهوما مغايرا إذ يستند المؤلف إلى الآيات 37و 38 و39 من سورة يونس﴿ وَمَا كَانَ هَٰذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَىٰ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَارَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُۖ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْۖ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾. ويلاحظ أنّ سياق الآيات يتكلم عن القرآن وأنّه احتوى على معلومات أساسها غير لغوي لم يُحَطْ بها ثم جُعِل لغويا وأنّه لم يأت تأويله عن بعد. ثم نظر في محتويات القرآن فرأى أنّها تتألّف من موضوعين رئيسيين:

1/ الجزء الثابت: القوانين العامة الناظمة للوجود كله بدءا من الخلق الأوّل حتى الساعة )الموت /التسبيح / نفخة الصور/ البعث / الجنة/النار..( وهذا الجزء لا يتغير واستمدّ مفهومه ذاك من الآيتين 21/22 من سورة البروج ﴿بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ

2/ الجزء المتغير: استند في ذلك إلى الآية 12/ يس ﴿ إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين ﴾ ليتبيّن أنّ هذا الجزء مأخوذ من إمام مبين الذي ينقسم إلى قسمين :

أ-أحداث وقوانين الطبيعة الجزئية: تصريف الرياح/اختلاف الألوان/الزلزال/الطوفان

ب–أفعال الإنسان الواعية: تتبُّعُ أفعال الإنسان المسجّلة عليه بعد وقوعها معتمدا الآيتين:3/ يوسف ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ ﴾ و49 /هود ﴿تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك أنت وقومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين

كما ينبّه المؤلّف إلى كلمتين يُتعامَل معهما على أساس أنّهما مترادفتان مع كلمة “القرآن” وهما “الذّكر” و”الفرقان ” فيبيّن الاختلاف بينهما إذ ” الذّكر ” حسب رأيه هو الصيغة اللغوية للقرآن قال تعالى﴿ ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ ﴾ الآية 1/ص. أما الفرقان فهو الوصايا التي أوصى بها الله الأنبياء والصالحين وهو الصراط المستقيم. قال تعالى﴿وإذا آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون

وإذا أردنا إجمال ما فُصّل من هذه المصطلحات نستنتج ما يلي:

+الكتاب: النص الجامع وهو جملة المواضيع ويضم:

-الآيات المحكمة: أم الكتاب: آيات الأحكام

-الآيات لا المحكمة ولا المتشابهة: تفصيل الكتاب بمعنى شرحه أو الفصل بين الأحكام فيه

– الآيات المتشابهة: تتضمن”السبع المثاني ” و”فواتح السور ” و” القرآن” وهو مجموعة القوانين الموضوعية الناظمة للوجود ولظواهر الطبيعة والأحداث الإنسانية أما “الذّكر” فهو الصيغة اللغوية للقرآن وأمّا “الفرقان” فهو مجموعة الوصايا والصراط المستقيم.

المنهج النظري للتشريع: نظرية الحدود

يرى المؤلّف أنّ الدين الإسلامي يتميز بصفتين أساسيتين هما الاستقامة والحنيفية حيث «يكون فيهما جدل التشريع وبالتالي تطوّره وبدونهما يستحيل فهم الدين الإسلامي فهما معاصرا والاقتناع بصلاحيته لكل زمان ومكان» ص 447

الاستقامة : يستند محمد شحرور في تعريف الاستقامة للدين الإسلامي إلى جملة من الآيات:

الآية 6/ الفاتحة: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ

الآية 161/ الأنعام:﴿قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة ابراهيم حنيفا وما كان من المشركين﴾

الآية 153/ الأنعام: ﴿وإن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلك وصاكم به لعلكم تتقون

ثم يعرّف ذلك المفهوم تعريفا معجميا فرأى أن لفظة “الاستقامة” اشتقت من الأصل ” قوم ” الذي من بين معانيه الانتصاب أو العزم ومنه جاء “المستقيم” و”الاستقامة” ضد الانحراف يعني الثبات

الحنيفية: استند في تعريفها إلى الآيات التالية :

الآية 30/الروم:﴿فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون

الآية 5/البينة:﴿وما أمر إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة

الآية 67/آل عمران:﴿وما كان ابراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين

ويعرّف “الحنيفية” كعادته تعريفا معجميا فقد اشتقّت لفظة “الحنيف” من “حنف” وتعني الميل والانحراف والحنف هو اعوجاج الرجل إلى الداخل ويرى المؤلّف أن طبيعة السماوات والأرض والوجود المادي كله في هذا الكون هي طبيعة حنيفية متغيرة فلا وجود لحركة مستقيمة في هذا الوجود المادي.

ويخلص إلى أنه يتولد من هذه الثنائية مئات الملايين من الاحتمالات في التشريع وفي السلوك الإنساني العادي بحيث تغطّي كل مجالات الحياة الإنسانية في كل مكان وزمان إلى أن تقوم الساعة وبما أنّ التشريع الإسلامي يحمل هذه الخاصية: التفاعل بين الاستقامة والحنيفية بين الثابت والمتحول فإنه صالح لكل زمان ومكان أي قابل للحركة في حدود النهايات أي الحدود المستقيمة التي بيّنها الله في أم الكتاب: آيات الأحكام فالله في تلك الآيات بيّن الحدود فقط أي الثوابت لكنّ ذلك لا يمنع من أن يكون التشريع الإسلامي حنيفا ضمنها وقد سماها الله “حدود الله” هذه الحدود تتفرع إلى “حد أدنى” و”حد أعلى” ولمزيد بيان ذلك نعطي مثالين عن تلك الحدود أوردهما المؤلف:

*الحد الأدنى: من خلال آيات المحارم: الآيتين 22 و23/النساء ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا﴾ ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاَّماقَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتًا وَساءَ سَبِيلًا حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا

يستنتج المؤلف أن الله وضع في هاتين الآيتين الحد الأدنى من تحريم النكاح وهو الأقارب المذكورين في الآيتين ويرى أنه لا يجوز في أي حال من الأحوال تجاوز هذا الحد نقصانا على أساس أنه اجتهاد ولكن يمكن الاجتهاد لزيادة العدد إذ يقول: « فإذا بين علم الطب أن الزواج من الأقارب كبنات العم والعمة والخال والخالة المباشرة له آثار سلبية على النسل وله آثار سلبية على توزيع الثروة فيمكن أن يصدر تشريع يمنع زواجا من هذا النوع دون أن نكون قد تجاوزنا حدود الله »ص 454

*الحد الأعلى: أورد الآية 38/ المائدة ﴿السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم

ليستخلص أن هذه الآية تمثل العقوبة القصوى للسارق وهي قطع اليد فلا يجوز أبدا أن تكون عقوبة السرقة أكثر من قطع اليد ولكن يمكن أن تكون عقوبة سرقةٍ ما أقلّ من قطع اليد «فما على المجتهدين إلّا أن يحدّدوا حسب ظروفهم الموضوعية ما هي السّرقة التي تستوجب العقوبة القصوى وما هي السرقات التي لا تستوجب العقوبة القصوى وما هي عقوبة كل سرقة» ص 455. ثم يلاحظ أنّ باب الاجتهاد مفتوح وبالتالي تميز الإسلام بالحنيفية في الاجتهاد ويطالب المجتهدين أن يضعوا – كل في بلده وحسب زمانه – مواصفات السرقة ذات العقوبة القصوى وهي قطع اليد

3/ المستوى التطبيقي

لقد حاول محمد شحرور أن يطبّق ذلك المجهود النظري في التفسير والتشريع على مسائل مختلفة أما نحن فقد اخترنا أن نقدم لمحاولته في تفسير “سورة القدر” أما في قسم التشريع فسنتطرّق لمسألة وضع المرأة وخاصة مشكلة ” تعدد الزوجات”

أ / التطبيق في مستوى التفسير : سورة القدر

﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ

يبدأ المؤلف تأويل هذه السورة معالجا مفهوم “التنزيل” مفرّقا بينه وبين مفهوم “الإنزال” فيرى أن “التنزيل” هو نقل موضوعي خارج الوعي الإنساني أما “الإنزال” فهو عملية نقل المادة المنقولة خارج الوعي الإنساني من غير المدرك إلى المدرك أي دخلت مجال المعرفة الإنسانية وهذا ما حصل للقرآن حسب رأيه دفعة واحدة في ليلة القدر حيث غُيِّر في صيرورته بشكل أصبح قابلا للإدراك مضيفا «إن الإنزال والجعل تلازما في القرآن حيث أنّ القرآن مخزّن في لوح محفوظ وإمام مبين وهذه الصيغة القابلة للإدراك الإنساني هي الصيغة اللسانية العربية حيث أنها في لفظها الصوفي هي الذّكر وفي محتواها المعرفي هي القرآن» ص 205. ثم يتساءل عن ربط الإنزال والجعل في ليلة القدر ثم يفصّل مفهوم” القدر” حيث جاء في مقاييس اللغة لأبي فارس من «”قدر ” وهي تدل على مبلغ الشيء وكنهه ومنتهاه يقال “قدره كذا ” أي نهايته» ملاحظا أنّ محمدا (ص) هو خاتم الأنبياء والقرآن هو خاتم النبوات فوصل إنزال القرآن إلى مبلغه وغايته ويدقّق مفهوم “ليلة ” مشددا على وجوب فهم الليل على أنّه الظلام كقوله في الآية الأولى من سورة الأنعام ﴿الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور﴾ وقوله ﴿والفجر و ليال عشر﴾ فهذا يعني أن اللوح المحفوظ لا يخضع لمفهوم الليل والنهار ولكن بما أن الظلام في الوجود سابق للنور حيث أنه بعد الانفجار الكوني الأول مرت المادة بعدة مراحل للتطور حتى أصبحت شفافة للضوء وظهر النور كما يبين أن الإنزال يقابله بالحساب الأرضي شهر رمضان غير المحدّد في أيّة سنة ملاحظا أنّ النبي (ص) حدّد تلك الليلة ضمن برهة زمنية ولم يحدّدها في ليلة بعينها “العُشر الأخير من رمضان ” ويستخلص من كل ما تقدّم أنّ ليلة القدر هي مصطلح يعني صدور أمر الله بإشهار القرآن بلسان عربي مبين حيث انتقل عبر الإنزال إلى صيغة قابلة للإدراك الإنساني متنقلا بذلك إلى مفهوم “الشهر” ﴿ليلة القدر خير من ألف شهر﴾ هذه الكلمة لا تعني الشهر الزمني وإنما هي من الشهرة والإشهار فيتطابق الأمر مع مفهوم الإنزال والجعل ويصبح المعنى أن إشهار القرآن خير من ألف إشهار آخر مستندا إلى سورة الدخان في الآيات 3و4و5 ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين﴾ هذه الآيات بيّنت أنّ ليلة القدر تصدر أوامر أخرى إلى جانب القرآن “فيها يفرق كل أمر حكيم” وإذا فهمت كلمة “ألف” بمعنى تأليف الأشياء بعضها مع بعض فإنّ أمر إشهار القرآن خير منها جميعا وبما أنه صدرت وتصدر أوامر أخرى غير القرآن في ليلة القدر جاء في السورة ﴿تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر﴾ واستعمل مفهوم التنزيل لا الإنزال (النقلة الموضوعية خارج المدركات الإنسانية ) فالأوامر الحكيمة هنا تصدر وتنفذ دون أن يعلم الناس بها. ولم يتوانَ المؤلّف عن التعليق عن بعض تفاسير هذه الآية بنبرة استغراب إذ يقول «أما القول القائل أنه في ليلة القدر تحصل ظواهر غير طبيعية فيما يتعلق بشروق الشمس أو الأشجار أو مشاهدة ظواهر غريبة فهذا وهم كالخرافة الشائعة التي تقول فلانا شاهد ليلة القدر» ص 207 ثم يتساءل عن عدد المرات التي حصلت فيها ليلة القدر هل وقعت مرة واحدة وهي عندما أشهر القرآن ﴿سلام هي حتى مطلع الفجر﴾ فموسم إشهار القرآن سلّمه الله للإنسان وهو سالم يتجدّد كل عام مؤكدا على أنّ “الفجر” بمعنى البعث ولا يجب فهمه على انه فجر الشمس “الصبح ”

ب / التطبيق في مستوى التشريع: قضية تعدد الزوجات

يرى المؤلّف أن تعدد الزوجات يعتبر من أهم المشاكل التي تواجه المرأة العربية المسلمة بشكل خاص والإسلام أمام العالم عموما ويدعو إلى فهم الآية التي تتحدث عن تعدد الزوجات على أساس أنّها من أم الكتاب أي من الأحكام وبذلك فإنها تتمخض لتكون آية تنطبق عليها نظرية الحدود لتصبح شاملة النواحي التاريخية يعني “التطور التاريخي السابق والمعاصر” وشاملة لأنبل النواحي الإنسانية وأورد الآيتين: 2و3/ النساء ﴿وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا وان خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت إيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا﴾ ثم انبرى يشرح كلمتي “قسط ” و”عدل” لها معنيان: المعنى الأول هو العدل مع المساعدة ﴿إن الله يحب المقسطين﴾ وأما المعنى الثاني فهو “الظلم والجور” ﴿وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا﴾ 15/ الجن وكذلك “عدل” لها معنيان: الأول استواء والآخر اعوجاج ثم يبين الفرق بينهما فالقسط بقوم من طرف والعدل بين طرفين وينتقل بعدئذ الملاحظة أنّ الآية الثالثة “وإن خفتم …” معطوفة على الآية الثانية “وآتوا اليتامى…” مدققا مفهوم “اليتيم” فهو حسب رأيه «فاقد الأب فقط وقاصر دون سن الرشد فجاءت آية تعدد الزوجات وهي آية حدودية لتغطي الحد الأعلى والحد الأدنى في الكم والحدين الأعلى والأدنى في الكيف» ص 598 ثم يفصل الحديث في الحدود .

حدود الكم : إنّ الحد الأدنى في النكاح هو زوجة واحدة والحدّ الأعلى هو أربع زوجات والخطوة هي مثنى وثلاث ورباع لذلك عطف مثنى وثلاث ورباع ليبين أن الحالة عدد صحيح ويستنتج من كل ذلك أنه إذا تم منع تعدد الزوجات فتكون قد وقفنا على حدود الله “الحد الأدنى” في الكم دون تجاوزها وإذا وقع التعدد تشريعيا حتى الأربع فقد وقع التحرك ضمن حدود الله من حيث الكم مشيرا إلى قصور الفقهاء في فهم هذه الآية إذ يقول «ووقفنا في بعض الحالات على الحد الأعلى وهذا ما حصل فعلا خلال أربعة عشر قرنا مضت وهو إطلاق الكم من الواحدة إلى الأربعة دون النظر إلى الكيف إطلاقا لذا فقد فسروا قوله ﴿فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة﴾ هنا فهموا قوله تعدلوا بين الزوجات فقد رجّحوا بأنّ أساس العدد في الزواج واحدة وقال وإن تعدد الزوجات هو ظروف اضطرارية»ص 598

حدود الكيف

يقصد المؤلّف بالكيف هل الزوجة بكر أم ثيب ؟ وإن كانت ثيّبا فما وضعها أ أرملة أم مطلقة ؟ ويؤكد على وجوب ربط جواب الشرط “فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث وراع إلى آخر الآية ” بالشرط ” وان خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ” لا يسير فهم الآية ضمن حدود الكيف لأنّه إذا وقع هذا الربط بين الشرط وجوابه يصبح الكلام عن أمهات اليتامى ليلاحظ إطلاق الكم حتى الأربعة وتقييد الكيف بأن تكون الزوجة الثانية حتى الرابعة من الأرامل ذوات الأيتام وان يتزوجهن الرجل ويأخذهن كزوجات مع أولادهن ليقع ضم أولاد الأرامل في الإعالة والتربية إلى أولاد الزوج هذا يعني أنّ الزوج يصبح كثير العيال لذلك جاء القول” فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة ” فالعدل يكون بين أولاد الزوج وأولاد زوجاته الأرامل أما فعل “قسط “فقد احتضن به اليتامى وتصبح الواحدة في الآية تعني الزوجة الثانية وليست الأولى: الأولى هي الزوجة الأصلية والثانية هي الأرملة. فالحد الأدنى في الكيف زوجتان ( الزوجة الأصلية + الزوجة الأرملة ) ويضيف المؤلف في هذا السياق «فإذا خاف الزوج ألا يعدل بين الأولاد فواحدة وبما أن الكلام عن التعددية فالخطاب للمتزوج لذا بدأ بالمثنى فالواحدة هنا تعني الثانية وليست الأولى أي إذا كان الرجل قادرا على التعددية من الناحية المادية فقد شجعه الله سبحانه وتعالى أن يتزوج على الأقل أرملة واحدة زوجة ثانية ويأخذها مع أولادها وقد أكد على هذا المعنى في نهاية الآية “ذلك ادني ألّا تعولوا» ص 599 ثم يفهم الحديث النبوي أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة ما نقدم تشجيعا من النبي (ص) للرجال بالزواج من أرامل وكفالة أولادهن ليتحقق المقصد الإنساني من تعدد الزوجات حرصا من الله على الأرامل والأيتام

التقييـــم

نلاحظ بعد قراءتنا للكتاب أنّ المؤلّف قد توصّل إلى نتائج هامة في بيان الفوارق بين الألفاظ وتركيزه على الثقة في تحديد المعنى اللغوي لأن ذلك يفتح أبوابا ربما كانت مغلقة من قبل أمام البحث الجاد في النص القرآني مستفيدا حسب رأيه من المزج بين النظرية النحوية العربية القديمة وما توصلت إليه اللسانيات الحديثة إلا أن ذلك لا يعوقنا عن الإلماع إلى بعض المزالق المنهجية والمفهومية:

+ حدود الاختصاص: إن اختصاص محمد شحرور في الهندسة وان ساعده على التوصل إلى بعض النتائج الهامة عن طريق التمشي المنطقي والرياضي خاصة في تحديده لنظرية الحدود فانه حادبة (الاختصاص ) عن البحث الأكاديمي الصارم إذ عابت عن هذا البحث عناصر لابد منها فلا وجود لهوامش ولا إحالات لبعض الحديث مما جعل العمل يسقط في التذبذب أحيانا وفي الإطلاق أحايين أخرى

الإطلاق والتعميم : ينافس محمد شحرور ما سبقه من الكتابات وخاصة الموروثة منها نقاشا تغيب عنه الدقة فهو يبين ما وقع فيه السلف من أخطـاء وسوء تقدير دون التفريق بين المذاهب والفرق والآراء فيقول” لم يتوصل المفسرون إلى …” ” هذا ما نجده في كتب المفسرين …” “أما الفقهاء فلم يدركوا ..” ” وذهب الفقهاء إلى…” هكذا جمع الكل تعسفا بمختلف مشاربهم وتوجهاتهم في مسلك واحد .ويتحدث عن نتائج اللسانيات الحديثة والعلم (اللسانيات) علوم والمنهج مناهج وكما اعتقد على ” أبي فارس ” في النحو العربي كان عليه أن يبيّن النظرية اللسانية التي استند إليها.

إشكالية العطف: يقف محمد شحرور عند المعنى اللغوي ولم يتجاوز ذلك إلى المصطلح فالكثير من الألفاظ تجاوزت معناها اللغوي الأصلي عندما أضفى عليها الإسلام من خصوصياته فأضحت مصطلحات خاصة به مثل “الزكاة ” و “الصلاة” و”الصوم” وغيرها من الألفاظ (الإيمانية ) ويذهب الطاهر بن عاشور في تحريره وتنويره إلى أن القرآن اسم العلم للكتاب .يقول في الجزء الرابع عشر في تفسير الآية الأولى من سورة الحجر ” تلك آيات الكتاب وقران مبين “وعطف “قران” على “الكتاب ” لأن اسم القرآن جعل علما على ما انزل محمد (ص) للإعجاز والتشريع فهو الاسم العلم لكتاب الإسلام ” فعطف القران على الكتاب إذن ليس من باب عطف الجزء على الكل وإنما من باب عطف اسم العلم على العلم .فالقرآن هو الاسم العلم لكتاب الإسلام مثل التوراة والإنجيل والزابور للكتب المشهورة بتلك الأسماء .

ولعل قراءتنا بهذا الكتاب تقودنا إلى إشكالية هامة في الفكر العربي المعاصر تتمحور حول تفسير القران تتولّد عنها إشكاليات أخرى. فإذا كان فهم القران اعتباره نصا عربيا ليس إلا نظرية في التفسير والتفسير ليس إلا منطقا لفهم القران فهل لدينا نظرية في التفسير ؟ هل استطاع التفسير تجاوز معانيه التقليدية ؟ هل تخلص من تبعية العلوم التي نشأت حول القران ؟ هل نفسر القران باعتباره لغة أم مصدر للمعرفة ؟ هل نتعامل معه باعتباره آيات أم سورا أم مقاصد شرعية ؟ هل نكتفي في تفسير القرآن بالمأثور أم بالرأي ؟ وهل أخذت نظريات التفسير واقع الناس ومشاكلهم بعين الاعتبار ؟

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.